فهرس الكتاب
ومن ثم فلقد كان النبى e عظيمَ الاهتمام بالعلم ، شديدَ الحفاوة بأهله وهذا طالبُ علم كريم يجسد لنا هذه الحفاوة الكريمة فيقول: صفوانُ بنُ عَسَّالٍ المُرادى t أتيتُ النبى - e- وهو في المسجد متكئُ على بُردٍ له أحمر فقلت له: يا رسول الله إنى جئتُ أطلبُ العلم فقال النبى e:"مرحبًا بطالب العلم ، إن طالبَ العلم تحفه الملائكةُ بأجنحتها ثم يركب بعضها بعضًا حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلب" (215)
وكان الإمامُ أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى - يقول: الناسُ إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه
والحدث عن فضل العلم حديث طويل وله موضع آخر فإذا كان ذلك كذلك فإن أولى الناس بذلك هم الدعاة إلى الله تعالى بصفة خاصة وأبناء الحركة الإسلامية بصفة عامة
فإن أول واجبٍ على الداعية"المؤهل"الذى يشتغل بالدعوة إلى الله عز وجل قبل أن يخطو على طريق الدعوة هو طلب العلم الشرعى من نبغيه الصافيْين الكريمْين القرآن والسنة ليكون العلم دليله وهاديه على طول الطريق من أول قدم إلى آخر قدم ينتهى إليه
ومن أفقه التراجم التى ذكرها الإمام البخارى - رحمه الله - في الصحيح ترجمة بعنوان"باب: العلم قبل القول والعمل" (216)
لقول الله جل وعلا: )فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم (( 217)
فلقد أمر الله تعالى نبيه eفى هذه الآية الكريمة بأمرين ، فبدأ بالعلم فقال تعالى: )فاعلم أنه لا إله إلا الله ( ثم أعقبه بالأمر الثانى وهو العمل فقال تعالى: ) واستغفر لذنبك(
فدل ذلك على أن مرتبة العلم مقدمة على مرتبة العمل"وأن العلم شرط في صحة القول والعمل فلا يعُتبران إلا به ، فهو متقدم عليهما ، لأنه مصححُ للنية المصححة للعمل" (218)
والعلم الممدوح الذى دل عليه الكتاب والسنة هو العلم الذى ورثَّه الأنبياء كما قال النبى e:"وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر" (219)
وقد قسم شيخ الإسلام هذا العلم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: علم بالله وأسمائه وصفاته وما يتبع ذلك
القسم الثانى: علم بما أخبر الله به مما كان من الأمور الماضية وما يكون من الأمور المستقبلة وما هو كائن من الأمور الحاضرة
القسم الثالث: العلم بما أمر الله به من العلوم المتعلقة بالقلوب والجوارح من الإيمان بالله من معارف القلوب وأحوالها وأقوال الجوارح وأعمالها، وهذا يندرج فيه العلم بالأقوال والأفعال الظاهرة ، ويندرج فيه ما وجد في كتب الفقهاء من العلم بأحكام الأفعال الظاهرة ، فإن ذلك جزء من جزءٍ من علم الدين" (220) "
والسؤال الهام الذى يثور هنا هو: ما هى أهم الأسباب والطرق الموصلة لتحصيل العلم الشرعى ؟
والجواب في عُجالة سريعة:
أولًا: أن يلجأ الداعية الصادق وطالب العلم المخلص إلى الله جل وعلا وهو الذى علم داود وفهم سليمان أن يعلمه وأن يفهمه ، ولن يعرف قدر هذا الدعاء وفضل هذه الاستعانة إلا من وجد بردها وذاق فضلها وبالله إن فضلها لعظيم !! ولقد كان النبى نفسه يلجأ إلى الله تعالى مستعينًا به سبحانه أن يعلمه وأن ينفعه بما علمه فيقول:"اللهم انفعنى بما علمتنى وعلمنى ما ينفعنى وزدنى علمًا" (221)
ثانيًا: بذل أقصى ما يمكن من جهد ووقت ومال لطلب العلم والصبر على ذلك، والحرص على أخذ العلم من أهله المتحققين به ، وقديمًا قالوا: لقد كان العلم في صدور الرجال ثم انتقل إلى بطون الكتب وصارت مفاتحه بأيدى الرجال ولما سُئل أحدهم ، ما السبب الذى ينال به العلم ؟ فقال: بالحرص عليه يتبع وبالحب له يستمع وبالفراغ له يجتمع
ورحم الله الشافعى حيث قال (222) :
أخى لن تنال العلم إلا بستة سأنبئك عن تفصيلها ببيان
ذكاءُ وحرصُ واجتهادُ وبلغةُ وصحبة أستاذ وطول زمان
يقول الإمام الشاطبُى - رحمه الله تعالى -:
"وإذا ثبت أنه لابد من أخذ العلم عن أهله المتحققين به فلذلك طريقان:"
الأول: المشافهة وهى أنفع الطريقين وأسلمها لوجهين
الوجه الأول:
خاصية جعلها الله تعالى بين المعلم والمتعلم ، يشهدها كل من زاول العلم والعلماء، فكم من مسألة يقرؤها المتعلم في كتاب ، ويحفظها ويرددها على قلبه فلا يفهمها فإذا ألقاها عليه المعلم فهمها بغتة وحصل له العلم بها ، وهذا الفهم يحصل إما بأمر عادى من قرائن الأحوال وإيضاح موضوع إشكال لم يخطر للمتعلم ببال ، وقد يحصل بأمر غير معتاد ، ولكن بأمر يهبه الله للمتعلم عند مثوله بين يدى المعلم ظاهر الفقر بادى الحاجة إلى ما يُلقى إليه ، إذ يفتح للمتعلم بين أيديهم - أى العلماء - ما لا يفتح له دونهم
الطريق الثانى: لأخذ العلم:
مطالعة كتب المصنفين ومدونى الدواوين وهو أيضًا نافع في بابه بشرطين - ومازال الكلام للشاطبى:
الأول:
أن يحصل له - أى لطالب العلم - من فهم مقاصد ذلك العلم المطلوب ومعرفة اصطلاحات أهله ما يتم به النظر في الكتب
والشرط الثانى:
أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد فإنهم أقعد به من غيرهم من المتأخرين ، فالمتأخر لا يبلغ من الرسوخ في علم ما بلغه المتقدم ، فتحقق الصحابة y بعلوم الشريعة ليس كتحقق التابعين ، والتابعون ليسوا كتابعيهم وهكذا إلى الآن، ومن طالع سيرهم وأقوالهم وحكاياتهم ، أبصر العجب في هذا المعنى وأما الخبر ففى الحديث"خير القرون قرنى ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم" (223) وفى هذا إشارة إلى أن كل قرن مع ما بعده كذلك"اهـ (224) "
وأود أن أوضح أنه ليس معنى ذلك أن نُعرض عن كل ما هو حديث من الكتب والمصنفات إعراضًا تامًا فمنها ما هو مفيدُ في بابه كثيرًا ، لما تمتاز به من تحقيق وتدقيق وتبويب وسهولة في العرض ، بل ومنها ما لا يمكن بحال أن يستغنى عنه الباحث وطلاب العلم فضلًا عن الدعاة والعلماء ككتب الحديث المحققة والمعاجم والفهارس وفتاوى المجامع الفقهية المعاصرة وغيرها ولا مانع من استشارة العلماء في هذا الجانب
ثالثًا: من أهم الأسباب والطرق الموصلة لتحصيل العلم الشرعى ترك الذنوب والمعاصى بتقوى الله عز وجل: )واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شئ عليم (( 225)
ولهذا كان عبد الله بن مسعود tيقول:"إنى لأحسب أن الرجل ينسى العلم قد عَلِمَه بالذنب يعمله" (226)
ولما جلس الشافعى بين يدى مالك - رحمهما الله - وأعجب مالك بذكاء الشافعى وحفظه قال له يا شافعى:"إنى أرى الله قد جعل في قلبك نورا فلا تطفئه بظلمة المعصية (227) "
وقال الإمام الشافعى رحمه الله تعالى:
شكوت إلى وكيع (228) سوء حفظى فأرشدنى إلى ترك المعاصى
وأخبرنى بأن علم الله نور ونور الله لا يُهدى لعاصى (229)
وإن زلَّ الداعية أو طالب العلم فعليه أن يحدث توبة فالكمال لله وحده والعصمة لأنبيائه ورسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين
رابعًا: عدم الكبر والحياء
فالحياء يمنع من السئوال والتفقه في الدين وهذا مذموم في هذه الحالة - لأن الحياء خيرُ كله - ولهذا قالت عائشة رضى الله عنها:"نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين" (230)