فهرس الكتاب
هؤلاء - أحبتى في الله - هم دعاةُ أهل السنة والجماعة ومن اقتفى أثرهم وهذه سماتهم إلى قيام الساعة ولذا ماتوا وبقيت دعوتهم على فم الزمان وخلدت على صفحة الأيام ، فارقونا بأبدانهم ولم يفارقونا بعلمهم وهديهم نعم ، فهل نُسى البخارى - رحمه الله - كلا ولن يُنسى إلى قيام الساعة فلقد فارقنا بجسده وبقى صحيحه كالشمس للدنيا وكالعافية للناس وكذا فارقنا الإمام مسلم وبقى صحيحه ، وفارقنا مالك وبقى موطأه ، وفارقنا أبو حنيفة وبقى فقهه ، وفارقنا الشافعى وبقى الرسالة والأم ، وفارقنا أحمد وبقى مسنده ، وفارقنا ابن تيمية وبقى مجموعه المذهل ، وفارقنا الذهبى وبقى سير أعلام النبلاء ، وفارقنا النووى وبقى المجموع المدهش العجيب ، وفارقنا ابن كثير وبقى التفسير وفارقنا ابن الجوزى وبقى زاد المسير وفارقنا الشوكانى وبقى النيل العجيب ، وفارقنا ابن حجر وبقى الفتح ، وفارقنا السيوطى وبقى الدر المنثور ، وفارقنا ابن قدامة وبقى المغنى ، وفارقنا الشنقيطى وبقى أضواء البيان ، وفارقنا ابن القيم وبقى إعلام الموقعين وغيرهم كثير فإن الدعوة أبقى من الداعية ، وإن الدعاة والعلماء جميعًا إلى فناء والدعوة إلى بقاء والدعوة أبدًا أكبر من دعاتها وأبقى منهم ، لأن الدعاة يجيئون ويذهبون وتبقى الدعوة على مر الأجيال والقرون ومن ثم فينبغى للدعاة خاصة ولأبناء الحركة الإسلامية عامة أن يجعلوا ولاءهم لدعوة الله جل وعلا ، لا لشخص الداعية وهذا داء عضال !! يجب علينا جميعًا أن نتحرر منه لأنه كم توقفت دعوات أو تعطلت بسبب ارتباط أفرادها ارتباطًا مباشرًا بشخص الداعية لا بدعوته، فإذا مات هذا الداعية أو ترك مجال دعوته لسبب أو لآخر تصاب دعوته بالتوقف أو بالإعياء على أقل حال !!
ولخطورة هذا الأمر أراد الله جل وعلا أن يربى الصحابة y ويعلمهم هذا الدرس الهام في حياة النبى e ، ففى غزوة أحد تعرض النبى - بأبى هو وأمى - للموت ، وشجت رأسه ونزف دمه الشريف حتى صاح صائح في أرض المعركة قائلًا: إن محمد - e- قد قتل وهنا أحس بعض المسلمين أن أمر هذا الدين قد انتهى وأنه لا جدوى ولا فائدة إذن من قتال المشركين فنزل قول الله جل وعلا:
)وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزى الله الشاكرين (( 209)
نعم"إن محمدًا - e - ليس إلا رسولًا سبقته الرسل ، وقد مات الرسل ومحمد - e - سيموت كما مات الرسل قبله هذه حقيقة أولية بسيطة فما بالكم غفلتكم عنها حينما واجهتكم في المعركة ؟! إن محمدًا رسول من عند الله ، جاء ليبلغ كلمة الله ، والله باق لا يموت وكلمته باقية لا تموت وما ينبغى أن يرتد المؤمنون على أعقابهم إذا مات النبى الذى جاء ليبلغهم هذه الكلمة أو قتل وهذه كذلك حقيقة أولية بسيطة غفلوا عنها في زحمة الهول وما ينبغى للمؤمنين أن يغفلوا عن هذه الحقيقة الأولية البسيطة ! وكأنما أراد الله سبحانه ، بهذه الحادثة وبهذه الآية ، أن يفطم المسلمين عن تعلقهم الشديد بشخص النبى e وهى حىُ بينهم وأن يصلهم مباشرة بالنبع النبع الذى لم يفجره محمد e، ولكن جاء فقط ليومىء إليه ويدعو البشر إلى فيضه المتدفق ، كما أومأ إليه من قبله الرسل ، ودعوا القافلة إلى الارتواء منه !"
وكأنما أراد الله - سبحانه - أن يأخذ بأيديهم ، فيصلها مباشرة بالعروة الوثقى العروة التى لم يعقدها محمد - e - إنما جاء ليعقد بها أيدى البشر ثم يدعهم عليها ويمضى وهم بها مستمسكون !
وكأنما أراد الله - سبحانه - أن يجعل ارتباط المسلمين بالإسلام مباشرة وأن يجعل عهدهم مع الله مباشرة وأن يجعل مسئوليتهم في هذا العهد أمام الله وبلا وسيط حتى يستشعروا تبعتهم المباشرة التى لا يخليهم منها أن يموت الرسول - e - أو يقتل فهم إنما بايعوا الله وهم أمام الله مسئولون!" (210) اهـ"
ووعى أصحاب النبى e هذا الدرس الكبير فحملوا الأمانة - من بعده - وكانوا أحق بها وأهلها ورفعوا راية التوحيد خفاقة عالية تعانق كواكب الجوزاء فهل سنعى الدرس نحن أبناء الحركة ؟
وننطلق بهذه الراية وهذا الحمل الثقيل مخلصين لله جل وعلا ، لا نبغى غيره ولا نرجو سواه ؟
حقًا إنه أول زاد يجب علينا أن نتزود به قبل أن نخطو على طريق الدعوة الطويل - إنه زاد التقوى والإخلاص - لمراقبة الله في الشر والعلن ولتكن أقوالنا وأعمالنا وجهودنا للدعوة خالصة لله جل وعلا
الخاطرة الثامنة
وزادنا الثاننى علم وفهم وعمل
والقاعدة تقول: من سلك طريقًا بغير دليل ضل ومن تمسك بغير الأصول زل!!
والدليل المنير في الظلماء والأصل العاصم من الأهواء إنما هو"العلم"
فهو الأنيس في الوحدة ، والصاحبُ في الغربة والمحدث في الخلوة والحاكم المفرق بين الشك واليقين والغى والرشاد والهدى والضلال
إنه زاد العقول من الجهل وحياة القلوب من الموت ، ومصباح الأبصار من الظلمة وقوة الأبدان من الخوف والضعف
به - بالعلم - يُعرف الله ويُعبد ويُذكر ويوُجد ويُحمد ويُمجد وبه اهتدى إليه المؤمنون وعرفه العِالُمون
لا يمنحه الله إلا للسعداء
ولا يُحرم منه إلا الأشقياء
ورحم الله من قال:
ما الفخرُ إلا لأهل العلم إنهُم على الهدى لمن استهدى أدلاءُ
وقدُر كل امرئ ما كان يُحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداءُ
ففز بعلم تعش حيا به أبدًا الناس موتى وأهل العلمِ أحياء
لذا فإن أغلى ما يطلب في هذه الدنيا هو العلم ، بل ولم يأمر الله جل وعلا نبيه e بطلب الازدياد من شئ من هذه الدنيا إلا من العلم فقال سبحانه: )وقل رب زدنى علما(
ومن أعظم كرامات الله تعالى لأهل العلم ، أنه جل وعلا قد استشهد بهم على أجل وأعظم مشهود به ألا وهو التوحيد وقرن شهادة أهل العلم بشهادته سبحانه ، وشهادةِ ملائكته وهذه هىَ أعلى وأعظم درجات التعديل فإن الله جل وعلا لا يستشهد بمجروح !!
فقال سبحانه: )شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم (( 211)
يشهد الله تعالى لنفسه بالوحدانية ويثنى في هذه الشهادة الكريمة بملائكته ثم يثلث بأهل العلم
ثم رفع الله شأنهم وأعلى منزلتهم وأجل قدرهم فقال عز وجل: )يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات (( 212)
ولم لا ؟! وقد شهد الله جل وعلا لهم بهذه الشهادة الزكية فقال سبحانه: )إنما يخشى الله من عباده العلماءُ (( 213)
فلا طريق - أحبتى في الله - إلى معرفة الله تعالى والوصول إلى رضوانه والفوز بجنته إلا بالعلم النافع الذى أنزل به كتبه وبعث به رسله
والناس على حق وفى خير وهدى ما دام العلم باقيًا في الأرض ، فإن ذهب العلم بذهاب أهله وقع الناس في الضلال هكذا قال سيد الرجال محمد e ففى الحديث الذى رواه الشيخان من حديث عبد الله بن عمرو عن النبى قال e:"إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يترك عَاِلمًا اتخذ الناس رؤسًا جُهالًا فَسُئِلوا فأفْتَواْ بغير علم فضلوا وأضلوا" (214)