فهرس الكتاب
فإن لم يكفيهم هذا قلنا: هذا الهواء وهو جسم مركب من عناصر مادية يجري في الأجسام ويلج في مسامها ، ونحن لا نحسه ولا نراه ، فكيف لا يقدر على مثله الشيطان ؟! وإن لم يكفهم هذا قلنا: هذا الماء يجري في أجسامنا ، وفي دمائنا ويخرج
من مسام الأبدان ، و يرشح عرقًا ، ونحن لا نحس خروجه ولا جريانه .
فأن لم يكفهم هذا كله قلنا لهم: إن خلقة الإنسان تقضي بأن يجري الشيطان فيها وأن يستطيع ذلك وإن لم نشعر به فأن الغذاء والماء الذي نشربه ونأكله يجري في أجسامنا ولا يشعر أحد منا بذلك، وكذلك الدم يفرقه القلب على أجزاء البدن ، فيجري فيها ونحن لا نحس جريانه فما الذي يمنع أن يكون الشيطان يجري كذلك وإن لم نحسه .
فأن لم يكفهم هذا قلنا لهم: هذه الكهرباء الكامنة في الكون السارية في جميع الأجسام ونحن لا نحسها ولا نبصرها إلا في حالة مخصوصة ، وقد ذهبت القرون تلو القرون ، وهذا العالم الكهربائي لا يعلم أحد ، ولا يهتدي إليه أحد ، مع أنه جار سار في الأجسام المحيطة بنا ، بل و في أجسامنا أيضًا . ومثل الكهرباء الأثير .
إذًا لا عذر لمن أنكر أن يكون الشيطان موجودًا ، وجاريًا في الأجسام ، محتجًا بأنه لا يراه ولا يبصره بعد ذلك كله . ومن ناكر وجاحد بعد ما أسلفنا فهو من الذين يعشقون المجاحدة والمناكرة . وهذا قسم من الناس لا حيلة في إلا الإعراض عنه والدعاء له .
أحاديث إنشقاق القمر
روى البخاري ومسلم ومن لا نحصيه من المفسرين والمؤرخين والجامعين لعلامات النبوّة من طرق عديدة لا نقدر على إحصائها ، عن رجال عدة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن القمر انشق في عهده عليه السلام في مكة فرقتين لما كذبه المشركون و طلبوا منه آية و قال صلى الله عليه وسلم"اشهدوا"وقد اشتهرت هذه المعجزة فيما بين المسلمين اشتهارا كثيرًا ، وإمتلأت بها الكتب ، وتعددت طرقها . حتى قال الحافظ ابن كثير ، في تفسيره وقال غيره إنها متواترة . ونقل إجماع العلماء على وقوعها لم ينقل خلافًا ، وكذلك إبن جرير والبغوي وغيرهما من مفسري السلف والأثر لم يذكروا في ذلك خلافًا .
وقد ظاهر هذه الأحاديث المتواترة القرآن الكريم ، فقال الله تعالى في أول سورة
القمر: ? إقتربت الساعة وإنشق القمر وان يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وكذبوا اتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغني النذر ?.
وقد سميت السورة التي فيها هذه الآيات سورة القمر لعظم ذلك وشهرته . والآية صريحة في أن القمر انشق فعلًا له عليه السلام ، وأن المشركين لما رأوه كذبوا وأعرضوا وقالوا إنه سحر مستمر، وصريحة أيضًا في أن انشقاق القمر من الأمور التي فيها مزدجر للمكذبين وأنها من النذر العظيمة ، ولكن النذر لا تنفع من لم يرد الله أن يهديه حكمة منه بالغة فما تغني النذر .
و الآية تدل على وقوع هذه المعجزة في الماضي من وجوه كثيرة:
أولها ـ أن الفعل ماض وهو ( وإنشق القمر ) . والعرب وضعت الفعل الماضي لما وقع بحيث لا يفهم عند الإطلاق وإنقطاع القرائن غير حصوله في الزمان الغابر، ولا
يريد القائل غير الماضي إلا أن يكون مدلسًا ملبسًا ، أو يضع قرينه في كلامه تبين ما أراد ، أو يكون هنالك قرينة . فإذا قال قائل:"سافر فلان ، و هلك فلان"لم يفهم منه غير أن ذلك قد وقع فعلًا . وإذا قال القرآن: ? ولقد أرسلنا نوحًا ? وإبراهيم وموسى وعيسى وفلانا و فلانا من الأنبياء إلى أقوامهم فقالوا: لهم كذا وكذا لم يفهم السامعون غير أن ذلك قد وقع في الأزمان الذاهبة . وكذلك إذا قال: ? إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ?، وقال ? وأوحينا إلى أم موسى ? وقال: ? وإذ أوحيت إلى الحواريين ? وأمثال ذلك في القرآن لم نفهم منه الاستقبال . ومثله قوله: ? إقتربت الساعة وإنشق القمر ? يجب أن نفهم أن ذلك قد حصل فعلًا ، كما أنه إذا قال: سوف يقع ، و كذلك إذا قال إمرؤ القيس أو غيره من الشعراء:"فعلت"وجب أن ذلك ماضيًا .
وإذا أريد بالفعل الماضي الاستقبال جيء بقرينة في الكلام خارجية صريحة . فمثلًا لما قال الله تعالى: ? أتى أمر الله ? و كان مراده الأمر الذي لم يأت . قال: ? فلا تستعجلوه? ، فقوله: ( فلا تستعجلوه ) دليل على أنه أمر لم يحصل بعد . ونظائر ذلك في
القرآن الكلام كثير .
هذه هي طريقة الكلام التي قام عليها التفاهم والتخاطب بين الناس ، وعلم بها بعضهم مراد بعض ، وبنوا عليها أحكام دينهم ودنياهم وعلومهم وآدابهم وتواريخهم وعلى ذلك آخذوا وعاقبوا ، وأما أن يصمد الصامد إلى الفعل الماضي وفيقول: إن هذا يراد به الآتي، ويصمد إلى الفعل الآتي فيقول إن المراد به الماضي إعتباطًا وبلا دليل فهو أمر يفسد الحقائق وقانون التخاطب والتفاهم، ويجعل الكلام غير مفهوم المراد، كثير التضليل . وعلى ذلك لزم أن نفهم أن قوله ( وإنشق القمر ) فعل ماض وأن القمر انشق حقيقة معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
فأن قلت: الأمر كما تذكر ، فالفعل ماض والقمر قد انشق في زمنه عليه السلام ، إلا أني أخالفك في معنى انشقاقه فأزعم أن معنى انشقاقه هو وضوح الأمر وبينونته ، وهو كناية عن ظهور صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وظهور رسالته .
قلت: من الباطل ضرورة من لغة العرب التي يجب تنزيل القرآن عليها أن يقال
( إنشق القمر ) على أن يكون المعنى وضح الأمر و بان . وصعود هؤلاء إلى القمر أسهل عليهم و أقرب إليهم من أن يدلوا بكلمة واحدة من كلام العرب تعبر بانشقاق القمر عن وضوح الأمر ، ولو قال قائل: إنشق القمر ، وكان يريد بقوله وضوح أمر يعنيه ، أو وضوح الدين لكان ملغزًا معميًا بل مدلسًا ملبسًا . وليس بنافع هذا القائل المحسّن لهذا التفسير أن يكون بعض الناس قاله أو ذهب إليه . فكم من أقوال باطلة ضرورة باعتراف هذا المحسن في اللسان والدين والمعقولات. وأحسب أن هذا التفسير من تفاسير الباطنية، فأنهم يفسرون القرآن تفسيرًا باطلًا بداهة، ويزعمون أن اللغة تناصره. ومن تفاسيرهم أن الصلوات الخمس عبارة عن أسماء أشخاص ، وكذلك يفعلون بالحج والزكاة والصيام وسائر أسماء الدين، ويدعون أنهم يخالفوا اللغة ولا الدين . فهل ينفع مفسر إنشقاق القمر بوضوح الأمر أن يقوله قائل ، أو يكتبه كاتب ، أو يطبعه طابع ؟! .
ثم لا أظن بلاغة القرآن تسمح أن تقول ( إقتربت الساعة ) و وضح الأمر( وإن
يروا آية يعرضوا )فأي تناسب بين هذه الأجزاء ، وأيِّ إقتراب بين إقتراب الساعة ووضوح الأمر .
ثانيها ـ لئن جاز أن تؤول هذه المعجزة ، وهي انشقاق القمر ليجوزن أن تؤول معجزات الأنبياء الواردة في القرآن . وجاز أن يصل لتأويل إلى ما ذكره القرآن من أن عيسى كان يحي الموتى ويبرئ الأبرص والأكمه ، ويكلم الناس في المهد . وأن يصل التأويل إلى عصى موسى ويده ، وإلى ناقة صالح ، وإلى إلقاء إبراهيم في النار ونجاته منها ، وإلى إلقاء يونس في بطن الحوت ، وإلى معجزات داوود وسليمان الكونية العجيبة . فإذا لم يكن من الصعب تأويل إنشقاق القمر لم يكن منه تأويل معجزات هؤلاء الأنبياء . وقد أولها قوم ورد عليهم هذا الذي أول إنشقاق القمر، وأوسعهم ملامًا وتضليلًا. فهل يصعب أن يقال: إن إحياء عيسى للموتى عبارة عن هدايته الضالين الكافرين ، وإنه كان يبرئ الأبرص والأكمه بمهارته في الطب ، أو يكون المراد بالأبرص والأكمه فاسدوا الأخلاق ، وإبراؤهم عبارة عن تقويمهم . وهكذا إلى أن نأتي على بقية المعجزات .