فهرس الكتاب

الصفحة 1246 من 2255

إن من جوز تأويل انشقاق القمر أو أوله فعلا لزمه ذلك لا محالة . ونحن نعلم مع مؤول انشقاق القمر أن هذا فاسد بالإجماع والضرورة .

ولا أظن هذا المخالف يخالف أن قوله ( وإنشق القمر ) مع الأحاديث المروية فيه أدل على ما نقول من قوله في عيسى إنه كان يحي الموتى ، ويكلم الناس في المهد على ظاهرها .

ثالثها ـ كل الآيات التي بعد الآية المذكورة تدل دلالة صريحة على أن المراد أن القمر قد انشق حقيقة معجزة له علية السلام وهاك الآيات: ? إقتربت الساعة وإنشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ، وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر ، ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر ، حكمة بالغة فما تغني النذر ? إلى آخر السورة .

أفليست الآيات كالتصريح بما نقول ؟! وهل يكون سياقها منتظمًا إلا إذا كان

المعنى كذلك ؟!. أوليس قوله ( وإن يروا آية يعرضوا و يقولوا سحر مستمر ) وقوله ( ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر ، حكمة بالغة فما تغني النذر ) برهانا قاهرًا وتصريحًا واضحًا؟!. وإلا فأي تجامع في أن يقول: اقتربت الساعة و سينشق القمر ، وإن يروا آية يعرضوا إلى آخره ؟! أو يقول اقتربت الساعة ووضح الأمر إلى آخره ؟!. ألا يكون هذا الكلام مفككا ضعيف التأليف ؟! .

وقد اعترض هنا بعض المنكرين وقال: لو كان المعنى ما تذهبوا إليه لقال: فأعرضوا إلى آخره. أي لجاء به فعلا ماضيًا . وهذا الإعتراض ليس بالقوي، لأن المعنى في الآية أنهم كلما رأوا آية أعرضوا وكذبوا فالتكذيب والإعراض دأبهم، وهذا ما يدل عليه الفعل المضارع فانه يدل على الاستمرار والتجدد ، كما نقول فلان يرشد الناس . أما الفعل الماضي بأن يقول: فأعرضوا وقالوا فلا يدل على هذا المعنى ظاهره والمعنى من مقاصد الآية. ومثل هذا الاستعمال شائع في القرآن وفي كل العرب وغير العرب ومثله قوله تعالى: ? إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ? .

فالآية التي بعد ( إنشق القمر ) صريحة فيما نقول. وليس بجائز أن نذهب بالكلام عن سبيله المألوف المعروف. و فهم الكلام يلزم أن يراعى فيه أول السياق وآخره . ولا يجوز بحال أن يعرض عما قبله وما بعده . ولا يفهم غرض القائل من قوله إلا بما بعده وما قبله غالبًا فيجب الاعتماد على ذلك.

رابعها ـ إن مفسري القرآن قاطبة فسروا الآية كما ذكرنا إلا ما يؤثر من روايات شاذة ، و لكل شيء شذوذ. وما صح عن أحد ممن يؤتم به في الدين أنه فسر الآية خلاف ذلك. وقد ذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره الإجماع على ذلك، ولم يذكر ابن جرير ولا البغوي ولا غيرهما من المتقدمين الأثريين خلافًا فيه. ولينظر القارئ في هذه التفاسير . أما مفسرو المتكلمين فيوجد في تفاسيرهم كل شيء، و يوجد فيها الإختلاف في كل شيء ، حتى في آيات أصول الدين البينة القطعية، وينقلون فيها الروايات التي ليس لها أصول. ولا

نجرأ ـ كما لا نظن هؤلاء المخالفين يجرؤون ـ على أن نخالف السلف قاطبة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في تفسير القرآن بأشياء وقعت أمامهم ورأوها أو رآها

آباؤهم .

خامسها ـ إن قوله ( وإنشق القمر ) معطوف على ( إقتربت الساعة ) . والأول لفظه ماض ، ومعناه كذلك يقينًا ، كما قال في السورة الأخرى ( إقترب للناس حسابهم ) . و قال عليه السلام في الحديث الصحيح المشهور"بعثت أنا و الساعة كهاتين".

إذًا يجب أن يكون المعطوف مثله ماضيًا لفظًا ومعنى . ولا نحسب أنه يجوز في كلام العرب أبدًا أن يقال: قام فلان ، وقعد فلان . ويكون الأول ماضيًا لفظًا ومعنى، والآخر ماضيًا لفظًا مضارعًا معنى. فما أعسر أن يوجد ذلك في الكلام. وكذا لو قيل: ذهب فلان إلى الحجاز وذهب فلان إلى اليمن لما جاز أن يكون الأول ماضيًا دون الثاني. وهذا أمر بين مشهور . فكذلك فعلا الآية ? إقتربت الساعة وإنشق القمر ? يجب أن يكونا ماضيين معناهما ولفظهما.

ثم قد جاء أن حذيفة بن اليمان الصحابي المشهور كان يقرأ ( إقتربت الساعة وقد إنشق القمر ) وهذا لا يمكن أن يحمل على الاستقبال لأن ( قد ) تحقق وقوعه ، وتبعده عن الإستقبال . وهذا معنى قول النحويين: ( قد ) حرف تحقيق .

هذه الأمور تدل دلالة يقينية على أن القمر قد انشق معجزة له عليه السلام من جملة معجزاته المادية الكونية الكثيرة. وليعلم المخالفون أن الشكوك والشبهات لا حد لها ولا نهاية تقف عندها ، فمن أعطاهم مقوده رمته في لجج من الضلالات عميقة. فلينج المسلم بنفسه منها وليستعذ بالله من الإرتطام فيها.

هذا وقد أنكر قوم من المتفلسفين الملحدين، ومن مشى أعقابهم ـ تقليدًا ـ انشقاق القمر، وكذب المسلمون منهم الأخبار الصحيحة، وصرفوا الآية عن وجهها وحرفوها عن موضعها، واعتلوا بعدة شبه نذكرها هنا و نذكر جوابها اختصارًا:

القدح في الروايات:-

قدحوا في الأحاديث وقالوا:

أولًا - إنها مختلفة متضاربة فيجب تساقطها . فبعضها يقول انشق القمر ونحن في مكة . وبعضها يقول: ونحن في منى . وبعضها يطلق الإنشقاق ولا يقيد مكانه ، وبعضها يقول: فرأيناه منشقًًا فوق جبل كذا . وبعضها يقول: فصار ذلك الجبل بين شقتي القمر .

ثانيا - إن بعض الذين رووا الحديث لم يشاهدوا الحادث ، إما لصغر أسنانهم، أو لأنهم ليسوا موجودين مكة وذلك كرواية أنس بن مالك وعبدالله بن عباس . فأحاديثهم من قسم مرسل الصحابي، والإرسال ـ وإن كان إرسال صحابي ـ يهون شأن الحديث. لأننا لا ندري عمن رواه ذلك الصحابي، ولعل أخذه عن راو ضعيف.

ثالثًا - إن انشقاق القمر حادث عجيب نادر تتوثب الدواعي إلى نقله متواترًا قطعيًا، وقد جاء غير متواتر. قالوا: ومن علامات وضع الخبر أن يكون في أمر غريب كبير فلا يكون متواترا. فلو كان القمر إنشق حقيقة ، ورآه الناس لجاء عن الصحابة الكبار كالخلفاء وغيرهم متواترًا ، ولاحتجوا به في مواطن كثيرة لإقامة الدلائل على المخالفين .

هذا حاصل الشبهة الأولى

وجوابها: إما الأول وهو اختلاف الروايات فهو مما لا ينقضي منه العجب . فهل هنالك تخالف أو شبه تخالف بين أن يقولوا: انشق و نحن في مكة ويقولوا: انشق ونحن

في منى ؟! فان قولهم"ونحن في مكة"يريدون أن ذلك وقع قبل الهجرة إلى المدينة، وقد جاء مصرحًا به في بعض الروايات، ولفظه"قبل أن نصير إلى المدينة"ولا شك أن من كان في منى يقول له من هو في الخارج انه في مكة . وفي القاموس"ومنى كأي قرية في مكة". و أما الرواية التي ذكرت الانشقاق مهملة ، ولم تذكر مكانًا فليس فيها ما يسمى مخالفة للروايات التي ذكرت أنهم كانوا في منى أو في مكة البتة . وهل إذا قال قائل: رأيت رسول الله يعمل كذا، وقال آخر: رأيته يعمل ذلك العمل في مكان كذا يعد هذا

تخالفًا موجبًا تساقط الروايتين ؟! اللهم لا. وإذا قال قائل: رأيت فلانًا يعمل عملًا. وقال آخر: رأيته يعمل ذلك العمل في مكان ذكره يعد تخالفًا ؟! اللهم لا. فكذا قولهم في بعض الروايات إنه"انشق فوق الجبل"والقول الآخر إنه"رؤى الجبل بين شقتي القمر"ليس فيه تخالفًا مطلقًا فلا ريب أن هذه الشبهة من الشبه الدواحض لدى البرهان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت