فهرس الكتاب
ثم إن الإختلاف في صفة الأمر ليس من الإختلاف الذي يوجب أن يقال: تخالفتا فتساقطتا . فان الاختلاف في صفات . فإن الإختلاف في صفات الشيء ليس اختلافًا في الشيء ضرورة. ولا يوجد أمر نقلي عظيم إلا و يوجد إختلاف في كثير من صفاته وأوصافه . وقد نجد اختلافًا يعد من الكثير في صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحجه ، وصيامه ، وجهاده ، وولادته ، وصورته ، وحياته ؛ فهل نقول في ذلك: تخالفتا فتساقطتا ، فنقول إنه لم تكن له صلاة ولا صيام إلى آخره . وكذلك نجد إختلافًا في أحوال الجنة والنار ، والسماء و الأرض، وفي الحساب والعقاب ، وفي الأنبياء ، والملائكة ، والجن . فهل يقال في هذه الأخبار إنها متساقطة كلها، فينبني عليه أن تكون أن تكون هذه الأشياء غير موجودة .
وليعلم هؤلاء أن الروايات التي يقال فيها:"تخالفتا فتساقطتا"هي الروايات المختلفة في أصل المعنى . فلو جاء خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لم ينشق القمر ، ولن ينشق، وجاءت رواية أخرى عنه تقول: إنه انشق، أو سوف ينشق، لأمكن أن يعد بعض الناس هذا النوع من التخالف المتساقط .
وأما القدح الثاني وهو أن بعض الروايات من مرسلات الصحابة فنقول:
أولًا ـ هذا لا يقدح في الآية كما لا يقدح في الأحاديث المسندة. وقد صح عن ابن مسعود في الصحيحين وغيرهما مسندًا أنه رأى ذلك بنفسه . وكذلك صح في صحيح مسلم عن ابن عمر ، وجاء عن غيرهما مسندًا في غير البخاري ومسلم من طرق عدة. فهبوا أن الأخبار الأخرى المرسلة ليست صحيحة فالآية والأحاديث المسندة كافية في إثبات المسألة . وأيضًا إن الرأي الصحيح أن مرسلات الصحابة رضي الله عنهم حجة لأن
المعقول المتبادر
أنهم يحدثون عن الصحابة الذين شاهدوا ذلك أو سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنهم لا يحدثون إلا عن أهل العدالة المعروفين لهم بالدين والأمانة . وهذا لازم إذا كان الخبر يسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أليس مما ينضاف إلى المحال أن يقال إن هؤلاء الصحابة الذين أرسلوا هذه القصة إنما أخذوها من كعب الأخبار أو نظيره ولا يقال: إنهم أخذوها عن الصحابة الذين كانوا ملازمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كبار المهاجرين والذين كانوا في مكة يوم وقعت الواقعة ؟!و كيف يمكن أن يكونوا قد أخذوها عن كعب الأحبار ؟! ووهب بن منبه وغيرهما من مسلمة أهل الكتاب إنما يروون عنهم الإسرائيليات والروايات عن أنبيائهم السالفين، لا أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم . هذا هو الغالب المعقول. وهل يمكن أن يكون المهاجرون والأنصار وفضلاء الصحابة يتعلمون سيرة رسول الله ومعجزاته من مسلمي أهل الكتاب التابعين الذين لم يروا الرسول ؟! أوليس من المحال الذي يربأ العاقل بنفسه أن يصدقه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تأبيدًا لدعوته بين كبار الأنصار و المهاجرين، وهو تحديث كاذب، وحادث لم يكن، فلا يكذبوه في رواية لا صحيحة ولا ضعيفة ؟! ولو فرضنا أن كعبًا هو الذي حدث أنسًا وعبدالله بن عباس عن هذا الحادث العظيم، ثم لم نجد من رد عليه قوله ولا كذبه لوجب أن نوقن أن الحديث صحيح، ولا يمكن أن يكون كذبًا.
ويمكننا أن نقرب ذلك فنقول: لنفرض أن جريدة كبرى من جرائد مصر"كالأهرام"كتبت أن الشمس إنشقت شقتين ضحى ، ووقعت إحدى شقتيها على الأرض ، ورآها الناس عيانًا ، فهل يمكن أن تقر الأهرام على هذه الأكذوبة فلا يوجد بين الصحف والكتاب من يكذبها ؟! لا شك أنه لا بد من تكذيبها إلا أن تكون صادقة. فكذلك لما أن حدث كعب الأحبار وغيره من التابعين عن هذا الحادث الهائل ، ولم نر من كذبة من أولئك العلماء الذين هم أحرص على تكذيب الكذب من غيرهم ، وجب أن تكون تلك الرواية صحيحة بداهة. وهذا من طرائف هذا البحث ، بل هو من أعظم البراهين على وقوعه .
وأما القدح الثالث وهو أنه حادث عظيم فيجب أن يروى متواترًا لو كان صحيحًا ،
وفقدان تواتره يدل على إختلاقه. فنقول عليه: هذا يقضي بتكذيب جميع الخوارق التي وقعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولغيره من الصحابة والأتباع، لأنه لم يروا منه شيء متواترًا، مع أنها أشياء تتحفز الدواعي على روايتها.
فصح أن رسول الله كان يخطب على جذع نخلة فلما اتخذ منبره وترك الجذع طفق الجذع يحن حنينًا كالطفل حتى نزل رسول الله وضمه إليه وسكته. وصح أن الماء نبع من بين أصابعه. وصح أنه دعا شجرة فجاءته ثم أمرها بالرجوع فرجعت لما طلب منه بعض المشركين دليلًا على نبوته. وصح أنه كان يزيد الطعام والشراب على يديه حتى إنهم كانوا يأكلون منه فيزيد. وصح عنه أن بعض ذوي العاهات كالعميان يجيئونه فيدعو الله لهم فيبرؤون. وصح أنه صعد على جبل أحد ومعه بعض الصحابة فاهتز الجبل فقال"أثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان". وهذه أخبار كلها صحيحة عند أهل العلم لا خلاف بينهم في صحتها.
وجاء أن عمر بن الخطاب نادى ـ وهو يخطب المسلمين فوق منبر المدينة ـ قائد جيوشه وهو في بلاد فارس قال: يا سارية: الجبل ـ يا سارية الجبل ـ فسمعه القائد فانحاز بالجيش إلى الجبل. وجاء أن خالد بن الوليد شرب السم وسلم منه، وأن بعضهم نزل عليه دلو من السماء، وبعضهم كانت تضيء له عصاه إذا قام من عند رسول الله في الظلام. ونظائر هذا عديدة. وليس منها شيء متواترًا التواتر الذي يعنون. فهل تكون كلها كذبًا ؟ هذا القدح يقتضي تكذيبها، وهذا لا يقوله من يعرف ما يقول.
وأيضًا التواتر إما أن يراد به شهرة المتواتر وذيوعه وكثرة من رووه وعرفوه، وإما أن يراد به روايته بالأسانيد الصحيحة على شريطة المحدثين متواترًا بنفس الأسانيد
الصحيحة. إن أريد الأول فلماذا لا يكون حديث الانشقاق متواترًا ؟ فقد اشتهر أي اشتهار، وروي فيما لا يعد من الكتب القديمة والحديثة، وعرفه الخاصة والعامة، وما برح المسلمون يستدلون به على المخالفين، ويضعونه في حساب المعجزات الإسلامية. وكم من الأمور ما يؤمن هؤلاء بأنها متواترة مع أنها لم تشتهر اشتهار انشقاق القمر. وإن أريد
الثاني لم يكن صحيحا، فإن المتواتر لا يشترط فيه أن يكون تواتره بالأسانيد
الصحيحة ، بل يكون التواتر برواية الكفار والفساق . وأكبر الأمور التاريخية والدينية ليست متواترة على هذا التعريف .
وأيضًا الانشقاق جاء في القرآن ، والقرآن متواتر ، وليس يلازم أن يكون التواتر بروايات الحديث، وإنما المراد التواتر فقط، وأما التنصل من ذلك بتأويل الآية فليس بدافع وجود التواتر لأن المتواترات جميعًا يمكن تسليط التأويل عليها . وقد أول أقوام من الملحدين ما في القرآن من شئون البعث، والحساب، والعقاب، والجنة، والنار، وعذاب القبر، وعالم الأرواح، مع أنها متواترة. على أن التأويل يدرك الروايات كما يدرك الآية فلو جاء الانشقاق في الحديث متواترًا كما اقترح هؤلاء لأولوه كما فعلوا في الآية .
مخالفة ذلك للقرآن:-