فهرس الكتاب

الصفحة 1248 من 2255

وقالوا: إن انشقاق القمر يخالف القرآن و الحديث . فأن المشركين كانوا يطالبون الرسول بالآيات الكونية فلا يجيبهم الله إلى ما طلبوا واقترحوا. وهذا بيم في القرآن، قال في سورة يونس ( و يقولون لولا أنزل عليه آية من ربه قل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) و مثلها في سورة الرعد. و في سورة طه ( و قالوا لولا يأتينا بآية من ربه . أولم تأتيهم بينة ما في الصحف الأولى ) و في سورة العنكبوت ( وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله و إنما أنا نذير مبين. أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة و ذكرى لقوم يؤمنون ) و في سورة الأنعام ( و قالوا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية و لكن أكثرهم لا يعلمون ) و في سورة الإسراء ( و ما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ، وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل الآيات إلا تخويفا ) . وفي البخاري و مسلم أنه قال عليه السلام"ما من نبي من الأنبياء إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة"

قالوا: فهذه النصوص تدل على أن الله لم ينزل على المشركين ما طلبوه من الآيات

المادية فكيف نتركها لهذه الروايات ؟!.

ونحن نقول: ليس في شيء من الآيات المذكورة ولا الحديث أن الله تعالى لم ينزل على رسوله ولا آية واحدة، ولا أنه لا يمكن أن ينزل، والذي تدل عليه الآيات والإستقراء أن المشركين لم يعطوا من ذلك كل ما سألوه ، وقد ذكر القرآن مطالب المشركين وعنادهم و تعسفهم فيه ، ففي سورة الإسراء ( و قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرًا ، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفًا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا ، أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابًا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرًا رسولا ) وفي سورة الفرقان ( وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل عليه ملك فيكون معه نذيرًا أو يلقي عليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها )

فالله لم يعطهم أمثال هذه المطالب ، والآيات المذكورة دالة عليه، وليس فيها البتة الدلالة على أن الله لم ينزل عليه آية كونية مطلقًا. وقد حكى القرآن عن الرسل مع أقوامهم مثل هذا مع أنه قد نزل عليهم آيات كونية. ففي سورة إبراهيم حاكيًا عن المشركين ( قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين ، قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده ، وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) . والسلطان هنا الآية . و في سورة هود ( وقالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين ) إلى آخر الآيات. فهل دلت هذه على أن الله لم ينزل على هؤلاء آيات ؟!.

ويقال أيضًا إن في الآيات المذكورة ما يدل على عكس ما ظن المنازعون فان قوله ( فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) وقوله قل إن الله قادر على أن ينزل آية لكن أكثرهم لا يعلمون وقوله ( وما نرسل الآيات إلا تخويفا ) تشير إلى نزول الآيات إشارة

تكاد تكون صريحة. فقوله ( انتظروا ) بعد طلبهم ذلك كالتصريح بأن الإنتظار للآيات وقوله ( قل إن الله قادر على أن ينزل آية ) كالتصريح أيضًا بأن ذلك سوف يكون، وقوله( وما

نرسل بالآيات إلا تخويفا ) كالتصريح أيضًا لأن ( نرسل ) فعل مضارع ولا بد من تحققه في المستقبل فإن لم يكن ذلك على خاتم الأنبياء فعلى من يتحقق. وأيضًا إذا كان إرسال

الآيات تخويفًا من الله لعباده فهل يترك قريشًا بلا تخويف وهل يبخل عليهم بذلك ؟ فالآيات تنتج خلاف ما استنتج المخالفون. وقوله ( وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ) لا يدل على أن الله امتنع من أن يرسل آيات مطلقًا ، وإنما معنى ذلك إن الكفار كانوا يطالبون النبي عليه الصلاة والسلام بمثل الآيات التي جاء بها الأنبياء قبله ، كعصا موسى ويده ، وناقة صالح ، وكإحياء عيسى للموتى ، ويقولون إذا جئتنا بذلك آمنا لك وصدقنا فأبى الله عليهم ذلك وقال ما منعنا أن نرسل إليهم الآيات التي طلبوا إلا أنها لن تجدي فيهم ولن يؤمنوا بها كما لم يؤمن بها من قبلهم من الأمم وهم مثلهم عنادًا وضلالا . فالذي أخبر القرآن أن الله امتنع من أن يرسله هو ما كان مثل آيات الأنبياء التي تكون هي الآية الكبرى لأنبيائه لا مطلق الآيات . ودليلنا على ذلك أن الله قد أرسل آيات كثيرة إلى قريش على نبيه عليه الصلاة والسلام بالإجماع ، وليس بممكن أن يأتي رسول بلا آيات تدل على صدق دعواه .

وأيضًا إن الآية تقول ( وما منعنا أن نرسل بالآيات ) فلو فرضنا أنها دليل على أن الله لم يرسل آيات لم تدل على أن الله لم يرسل آية واحدة كإنشقاق القمر .

وأيضًا مما لا يصار إليه أن يقال: إن الآيات السالفة تدل على أن الله لم يرسل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم آية ، فإن القرآن آية الآيات . وقد تواترت الروايات الصحيحة أن الله تعالى قد أعطى رسوله من الآيات المادية الشيء الكثير غير القرآن حتى قدرها بعض العلماء كما في فتح الباري بألف ومائتين وقدرها آخر بثلاثة آلاف. وقد عقد الإمام البخاري في صحيحه بابًا سماه علامات النبوة ذكر فيه طرفًا من معجزاته المادية ذكر فيه بضعًا وخمسين حديثًا، وروى في هذا الباب عن علقمة عن عبدالله بن مسعود قال: كنا نعد

الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفا. كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقل الماء فقال: أطلبوا فضلة من ماء فجاؤا بإناء فيه ماء قليل فأدخل يده في الإناء ثم قال: حي على الطهور

المبارك والبركة من الله. ولقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل وقد ذكرت هذا الحديث دون غيره لأنه سمى ذلك آيات. وقد ألف أئمة كتبًا خاصة سموها علامات النبوة ذكروا فيها أمورًا كثيرة من الدلائل المادية على رسالته. و من أنكر جميع ذلك غير القرآن فهو في حاجة إلى أن يقال له تعلم.

فهل هذه الآيات تدل على كذب هذه الأخبار كلها ؟! هذا خلاف الإجماع، وخلاف الضرورة، فإننا لا نشك أن ذلك لا يمكن أن يكون كذبًا كله... ـ وإن كان يجوز على فرد ذلك ـ وإذا لم تدل الآيات على كذب ذلك لم تدل على نفي انشقاق القمر لأنه واحد منهما.

ويمكن تصوير هذا بعبارة أخرى فنقول: الآيات التي ذكروها إما أن تكون دليلًا على نفي الآيات المادية مطلقًا أو تكون دليلًا على نفي نوع خاص منها. الأول لا يمكن أن يصار إليه لأنه عليه السلام قد أوتي آيات مادية كثيرة بالإجماع و التواتر، فنبع الماء من بين أصابعه وسبح له الحصى والطعام حتى سمعوه، وحن الجذع الذي كان يخطب عليه لما أن تركه، وزاد الطعام والشراب، على يديه. وذلك كثير. وإن أريد الثاني فمن أين علم المخالفون أن انشقاق القمر من القسم الذي منع إنزاله ؟! هم يحتاجون إلى دليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت