فهرس الكتاب
وأيضًا هذه الآيات ليست أبين في النفي من آية الانشقاق وأحاديث الإثبات. فإن آية الانشقاق و أحاديثه نص في معناه. وأما الآيات التي زعموها نافية فلا يقدر المخالف أن يدعي أنها نص في نفي انشقاق القمر. وحينئذٍ ليس من العدالة أن يترك البيِّن الواضح للخفي المتكلف، ومن فعل ذلك فقد فاته الإنصاف والإتزان الفكري.
والحديث وهو قوله"ما من نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيًا"معناه أن سائر الأنبياء كان أكبر معجزاتهم التي يعتمدون عليها في التحدي والإعجاز ماديًا، وإن كانت لهم معجزات أخرى علمية ـ وهذا أمر لا ريب فيه ـ وأن أكبر معجزات محمد عليه السلام التي يعتمد عليها في التحدي والإعجاز علمية وهي القرآن، وإن كانت له معجزات أخرى مادية ومعنوية أيضًا.
هذا معنى الحديث الذي لا يصح العدول عنه.
مخالفة ذلك لسنة الله:-
قالوا: إن سنة الله التي لا تبديل لها أن يهلك المكذبين بلا إمهال بعد أن يرسل الآيات المادية. فإذا ما أنزل على أمة من الأمم آية مادية من الآيات معجزة لرسول من الرسل فلم يؤمنوا وأصروا على كفرانهم وضلالهم أهلكهم بلا إمهال، كما أهلك قوم نوح وصالح وموسى وشعيب ولوط وغيرهم. فلو كان القمر انشق حقيقة معجزة له صلى الله عليه وسلم لوجب أن يهلك قريشًا لأنهم لم يؤمنوا بعد ذلك بل كذبوا وأعرضوا كما قال في السورة ( و إن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وكذبوا واتبعوا أهواءهم ) إلى آخر الآيات، وهم لم يهلكوا، فلا جرم أن تكون مسألة الانشقاق أسطورة من الأساطير، هذا تحبير هذه الشبهة، وهي غلط لا حيلة فيه وإن حسبها أصحابها معجزة قاهرة. وبيان ذلك أن الله لم يهلك المكذبين الكافرين بمجرد أن كذبوا بعد الآيات سواء أكانت باقتراح أم بغير اقتراح، وإنما أهلك تلك الأمم بعد أن أسرفوا في الفساد وتمادوا في الكفر حتى قنط أنبياؤهم من إيمانهم. فنوح عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وهم له مكذبون كافرون، بعد أن أرسل الله لهم الآيات بأعوام، ولم يهلكهم في هذه المدة المديدة، بل لم يهلكهم إلا بعد أن أيس نوح من إيمانهم و إيمان ذرياتهم، فدعا الله عليهم فأهلكهم كما هو مذكور في القرآن. و كذلك فرعون و قومه لم يغرقوا بمجرد أن كذبوا موسى عليه السلام بعد أن جاءهم بالآيات التي اقترحوها، وإنما أغرقوا بعد أن هرب موسى بقومه، فأتبعوهم لأخذهم وإبادتهم، فأخذهم الله ذلك الأخذ العنيف، و نجى رسوله و قومه . وما كان إغراقهم بمجرد التكذيب، وإلا لما تركوا إلى ذلك اليوم. ومثل هؤلاء قوم صالح، لم يهلكوا بعد أن جاءهم صالح بالآية الكبرى ـ وهي ناقة الله ـ وكذبوا، بل أهلكوا بعد أن عقروها. وما كان مطلق التكذيب موجبًا ذلك. ومثل هؤلاء قوم لوط، لم يأخذهم الله ذلك الأخذ
بالتكذيب فقط، بل بأن أرادوا أن يعملوا تلك الفاحشة الشنعاء بأضياف لوط، وهم ملائكة الله. وهكذا شأن من أخذه الله. فليس من سنة الله أن يهلك الأقوام لمجرد تكذيب الآيات
مقترحة وغير مقترحة. فإذا انشق القمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم و لم يؤمن قومه لم يوجب ذلك أن يهلكوا فورًا. وليس ذلك من سنة الله كما أريناك. فهذه الشبهة غلط يجب أن يفطن له الذين تعلقوا بها وحسبوها شيئًا وما هي إلا خيال زائل.
وهل يمكن أن يقال: إن من حكمة الله وسنته أن يهلك قريشًا لما كفروا بعد أن انشق القمر والله يعلم أنهم سوف يؤمنون قبل موت رسوله ، وسوف يفتح بهم البلاد والقلوب، وسوف يكونون من حزبه وحزب رسوله المفلحين، وسوف يخلق الله من ذريتهم أولئك العلماء والأبطال والعباد الذين سطر الدهر تاريخهم من نور وفضائل ؟! . كلا فليس إهلاك هؤلاء من سنة الله ولا حكمته وإنما سنته أن يهلك أمثال قوم نوح الذين لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، وهم لا يزدادون إلا عنادًا و كفرًا، إلا فاجرًا كفارًا. هذه سنة الله وحكمته.
ثم قول القائل: من سنة الله ألا يفعل إلا كذا، ولا يمكن أن يترك كذا، ويجب أن يهلك كذا كلام ملآن بالجرأة، وقول لا حد له ولا ضابط به يعرف. فمن أين علم هؤلاء أن الله لابد أن يهلك كل من كذب بعد أن تظهر الآيات ؟!. لا بد من أمر يعرف به. ولو فرضنا أن الله أهلك الأمم الخالية بمجرد التكذيب. بعد أن أتت الآيات، لم نعلم من ذلك إن الله لا بد أن يهلك كل من كذب. أو ليس هؤلاء يتزعمون أن آيات جميع الأنبياء الأولين كانت مادية ؟!. فهل يقولون إن سنة الله التي لا تبديل لها أن تكون كل آيات الأنبياء كذلك ؟!. يكذبه أن معجزة محمد عليه الصلاة و السلام علمية وهي القرآن. أو لبسوا يدعون أن الله قد أباد الأمم لما كذبت أنبياءها، بعد ما جاءتهم الآيات ؟!. فهل كانت سنة الله إبادة المكذبين بعد الآيات ؟!. فقد كذبت قريش رسولهم بعد أن جاءهم بآية الآيات وهي القرآن، فلماذا لم يبيدهم ؟! . أما التفريق بين الآيات المادية والعلمية فلا دخل له في ذلك، لأنه إذا استحق المكذب بالآيات المادية الإهلاك، كان المكذب بالآيات العلمية أحق به ، لأن الآيات
العلمية كالقرآن أدل على صدق صاحبها من الآيات المادية لأن الأخيرة قد تتحمل التأويل و التشكيك. وهذا المعنى يسلم به المخالف. وما كان إستحقاق الماضين الإهلاك لأن
آياتهم كانت من نوع كذا، وإنما كانوا جديرين بذلك لأنهم كذبوا رسلهم، مع أنه ظهر ما يدل على صدقهم، ولأنهم تمادوا في الكفر والمنكرات. فليراع المنازعون هذا الكلام جيدًا.
مخالفة ذلك لعلم الفلك:-
قال فريق من المتفلسفين الملحدين ومن قلدهم: إن الأجرام العلوية لا يطرأ عليها خرق ولا انشقاق، ولو وقع شيء من ذلك لفسد نظام الجاذبية فتناثر العالم، فلا يمكن أن يكون القمر إنشق لذلك.
ونحن نقول: هذه شبهة من يجحد الخالق القادر المختار، ومن يجحد جميع الخوارق من المعجزات والكرامات، ومن ينكر قيام الساعة وخراب العالم. لأن ذلك كله خلاف ناموس الطبيعة ـ كما يدعى ـ وهذا القسم من الناس قليل لا يؤبه له، وهو صائر إلى الإنقراض و الزوال، وليس له إلا أن يقال له تعلم. فإن علوم الفلك والطبيعة العصرية الأوربية تنادي بغلط هذه الشبهة، فهي لا ترى مانعًا من خرق الأفلاك بل وفسادها بل يقرر أولو هذه العلوم ما هو أثبت من ذلك في الغرابة. فهم يقولون إن الأرض قطعة نارية إنفصلت من الشمس. وقد يستدل المسلمون منهم على ذلك بقوله تعالى ( أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقًا ففتقناهما ) . ويفسرون الآية بأنهما كانتا شيئًا واحدًا ، وهذا معنى قوله: ( رتقًا ) ، ثم انشقت الأرض من الشمس ، وهذا معنى قوله: ( ففتقناهما ) ويقولون: إن القمر كان جزءًا من الأرض إنفصل منها. وقد يستدل المسلمون منهم بقوله تعالى ] أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها [ أي بانفصال القمر منها ـ كما يقولون ـ فإذا كان حصل مثل هذا، ولم يحصل فساد الجاذبية، ولا تناثر للعالم، فلن يحصل ذلك بانشقاق القمر. وهذا بين. فالشبهة باطلة في الأديان كلها، وفي علوم الفلسفة العصرية.
خفاء ذلك على أهل الأقطار:-
قالوا: أن انشقاق القمر من أعظم الأحداث الكونية التي تتحفز الدواعي إلى نقلها
وتدوينها وروايتها، فلو كان ذلك وقع فعلا لذكره أهل الفلك و التنجيم، ولاشتهر في سائر الأقطار أيما اشتهار، وهم لم يذكروه، فخفاؤه عليهم يدل على انه لم يقع.