فهرس الكتاب

الصفحة 1250 من 2255

والجواب أن يقال: أن القمر لا يطلع على أهل الأرض كلهم في زمان واحد، بل يطلع على فريق منهم و يخفى عن آخرين، فلا يمكن أن تراه أهل الأرض في زمن واحد جميعا، فإذا انشق لم يلزم أن يراه كل أحد، فلا يلزم ما ذكروه إذًا.

وأيضًا إن ذلك وقع ليلًا، حينما نام أكثر الناس واستكنوا في بيوتهم، وقل الخارجون الناظرون إلى السماء. وقع في هذه الحالة لحظة قليلة، في مثلها يقل الناظر الفاطن له.

وأيضًا يجوز أن يكونوا رأوه، وفطن له خلق كثير منهم، ولكن خونوا عيونهم وخالوه خيالًا، لاستبعادهم أن يحصل مثله حقيقة، فهم يكادون يرونه من المحالات، فلم يذكره المؤلفون منهم لذلك سواء.

برهان ضروري على وقوع هذه المعجزة:-

لا شك أن القمر قد شاع في زمن التابعين، واشتهر أيما اشتهار، وحدث به الأئمة منهم الذين قولهم هو القول وحديثهم هو الحديث، وان الناس تلقوه عنهم بالتسليم والتصديق، وحدثوا به هم أيضًا من لا يقدرون من الرواة. ولا ريب انه لم تأت رواية ـ لا صحيحة ولا ضعيفة ـ أن أحدًا في ذلك العصر الزاخر بالصحابة والتابعين والعلماء والحكماء كذب ذلك، وقدح في روايته وراويه. هذان أمران أو مقدمتان لا شك فيهما عند من له إلمام بالرواية. فإذا انضم إليهما ما يعلم بالضرورة والتواتر عن أهل ذلك العصر، من العناية بالعلم و نقده وتمييز صادقه من كاذبة، وعليلة من صحيحه، بلا هوادة ولا مصانعة، وانضم إليهما أيضًا أن هذه المعجزة حادث عظيم، وآية كبرى، لا يمكن أن تكون مجهولة خفية على علماء ذلك العصر، لأنها من الأحداث الكونية الظاهرة، ومن المعجزات التي تحدى بها رسول الإسلام قومه وعزز بها دعوته، وجعلها من جملة براهينه على صدق رسالته: إذا علمنا هذه المقدمات الأربع علمنا يقينًا أن هذه المعجزة وقعت حقًا ،

وعلمنا يقينًا انه لا يمكن أن تكون كذبا، وأنها لو كانت كذلك لتوارد عن علماء ذلك العصر من الصحابة و التابعين إكذابها، والرد على ناقلها، ولما أمكن أن تشيع هذه الأكذوبة العظيمة في ذلك العهد، فلا يوجد من يكشفها، مع معرفة القوم وإحاطتهم بأحوال رسولهم وآثاره و آياته الصغيرة و الكبيرة، وإحاطتهم بذلك كله بالدقة النادرة.

فمن زعم إن ذلك خفي على علماء ذلك العصر ـ الذي هو أغنى عصور الإسلام بالعلم والعلماء ـ فقد أزرى بالمسلمين أي إزراء.

أرأيتم لو كتب كاتب اليوم بأن الشمس قد انشقت معجزة لرسول الله صلى الله عليه و سلم، أو أن القمر انشق بعد هجرته إلى المدينة، فهل يمكن أن تمضي هذه الإكذوبة من غير أن يكذبها العلماء و الكتاب ؟!. أنه لا بد أن يكذبوها. و أرأيتم لو كتب كاتب بأن رسول الله هاجر إلى الحبشة، أو انه رأى مصر أو الهند أو العراق، فهل يمكن أن تمضي هذه الأكذوبة من غير أن يكذبها العلماء و الكتاب ؟!. أو لو إن كاتبا كتب أن الشمس أو القمر قد انشق منذ عشرين عاما، ورآه الناس، فهل يمكن أن تمضي هذه الأكذوبة دون أن تكذب ؟!. أو لو إن كاتبا كتب أن الشيخ محمد عبده العالم المشهور ذهب إلى الحجاز، وأدى فريضة الحج، انه لا بد أن يكذب ذلك تلاميذه الذين يعرفون حاله، ولا يجوز أن تمضي هذه الأكذوبة في الناس ولا يكذبها اخصاء هذا العالم . فكذلك لا يمكن أن يكون انشقاق القمر ـ وهو من أعظم الأحداث وأغربها ـ كذبا ويحدث به في زمن التابعين ومن بعدهم ـ وهم كما وصفنا صلاحا وحرصا على العلم ومعرفة بأحوال الإسلام ـ فلا يوجد من يكذبها. وهل هذه من الأمور الهينة التي قد تخفى أو يختص بعلمها فريق دون فريق ؟ ولو أن كاتبا كتب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد أعطي ناقة كناقة صالح، أو عصا كعصا موسى، أو يدا كيده، أو أنه عاش في قومه كما عاش نوح، أو غير ذلك من الأمور التي لا يخفى صدقها، كما لا يخفى كذبها، لما عدم ذلك الكاتب من يكذبه، ويرد عليه قوله. وكذا لو حدث محدثون عن مشاهير العلماء و الفلاسفة بأمور

كبيرة، يعرف صدقها وكذبها عادة، فلا بد أن يوجد من يكذب الكذب في ذلك من العارفين

بسيرة ذلك الذي حدثوا عنه.

فمن ذلك نعرف بالضرورة التي لا تكذب انه لو كان انشقاق القمر إسطورة ـ كما يقول هؤلاء ـ لما شاع في عصر التابعين والذين يلونهم كل هذا الشيوع، دون أن يوجد من يكشفه ويرجعه إلى الباطل الذي هو منه. فهذا برهان قاهر على حصول هذه المعجزة على يد أشرف الخلق عليه الصلاة والسلام.

ولنا أن نقرر هذا البرهان بعبارة أخرى فنقول: لا شك أن أغلب المسلمين كان يدعي أن هذه المعجزة قد وجدت ـ إن لم نقل كل المسلمين. وإن الأحاديث الصحيحة قد تكاثرت في أصح كتب الإسلام بعد القرآن، بل في جميع كتب الإسلام، واشتهر ذلك اشتهارا طبق الآفاق و ذكره جميع الذين ألفوا في علامات النبوة، وجعلوه من آياته عليه السلام الكبرى، وتمدحوا به، وفاخروا به الأمم، وحاجوهم به أيضا. ومع ذلك كله لم يوجد بين اليهود، ولا النصارى، ولا غيرهم من أمم الكفر في ذلك العصر من نازع في وجود هذه المعجزة، ولا من ناكر فيها، أو قال كما قال هؤلاء المسلمون: لو أن القمر انشق حقيقة. لعلمه الناس كافة، ولما خفي علينا و على غيرنا، بل وجب أن نعرفه كما عرفتموه معشر المسلمين، ووجب أن يطلع عليه أهل الأقطار جميعا، وكما اطلع عليه أهل مكة . وبالجملة لماروا فيه هؤلاء الفضلاء ولكن هذا أمر لم يكن منه شيء .

ومن هذين الأمرين يبدو لنا، ولهؤلاء الفضلاء انه لا مطعن لطاعن في وجود هذه المعجزة، وانه لا تمكن المجاحدة فيها، وإلا لكان أولئك الكفار الخصوم هم أولى من هؤلاء المسلمين بهذا الإعتراض، وأسبق إليه منهم.

أفلا يكون هذا دليلا على ضعف اعتراض هؤلاء على هذه المعجزة كما كان إعراض العرب عن معارضة القرآن الكريم ـ وهم الخصوم الألداء ـ دليلا على ضعف معارضة من بعدهم ؟!. انه لكذلك .

هل تحسبون انه يوجد لخصوم الإسلام شبهات عليه صحيحة ـ كما زعمتم ـ فلا

يدلون بها ولا يعارضون ؟!. وهل يمكن أن تكون اعتراضاتكم هذه صحيحة فيعرض عنها

الأعداء ؟! اللهم لا

ولقد آسفنا وآسف كل مسلم أن يقول بعض من كتب في هذا من المتأخرين المعاصرين، المعروفين بالدين والتحقيق والدفاع عن الإسلام والسنة والفضيلة: إن رواية أحاديث انشقاق القمر تعد هنة من هنات علماء الإسلام وسقطاتهم التي توجب القدح فيهم وفي عقولهم، بل أسرف وقال: قد يكون ذلك قدحا في الإسلام نفسه وعيبا فيه. ونحن لا نقول عند هذا إلا ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ) اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا، ونعوذ بك اللهم من الهوى، فإنه لا يفلح يا ربنا من ابتليته بهواه.

حديث السحر

عن عائشة رضي الله عنها قالت:"سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي من يهود بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم حتى كان رسول الله يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله"رواه البخاري و مسلم وغيرهما. وللحديث روايات وبقية

وهذا الحديث صحيح الإسناد. وقد إعتاص على جماعة فكذبوه لا من جهة سنده، بل من جهة العقل ـ كما يقولون. ولهم على ذلك ثلاث شبه:

أولها ـ قالوا: هذا الحديث يصدق المشركين في قولهم ( وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت