فهرس الكتاب

الصفحة 1251 من 2255

ثانيها ـ قالوا هذا يزيل الثقة بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإنه إذا سحر وخيل إليه أنه يفعل الأمر ـ وهو لم يفعله ـ أمكن أن يخيل إليه أنه أوحي إليه، وهو لم يوحى إليه، وانه بلغ ما أوحي إليه، وهو لم يبلغه. وبالجملة أمكن أن يقع بالتخييل في كل أمور الدين، وأن يصدر عن خيال في كثير مما يأتي وما يذر، فلا يكون في فعله ولا قوله حجة ولا اطمئنان لذلك.

ثالثها ـ قالوا: السحر من عمل الشياطين، وصنيع النفوس الشريرة الخبيثة. وهؤلاء لا يتسلطون إلا على من غفل عن الله، ولم يستعصم بأسمائه و صفاته، ومن قصر في الطاعات وأعمال البر. أما من تحصن بعبادة الله، ولهج بذكراه ، وعاذ بحماه ، كالأنبياء، فليس للشيطان ولا للشريرين عليهم من سلطان. قال تعالى ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين )

هذه شبهاتهم التي اعتلوا بها في توهين هذا الخبر الصحيح. والشبه الثلاث ضعيفة جدًا إذا ما تؤمّلت

أما الأولى وهي تصديق الكفار فنقول:

( أولا ) كان الكفار يقولون: إن محمدًا بشر، وإنه فقير ويتيم، وإن أغلب من يتبعه الضعفاء الفقراء. فهل نكذبهم في ذلك ؟!. ويقولون: ( مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ) فهل نكذبهم ؟!. ويقولون إنه لا يعلم الغيب ولا يقدر على إهلاكنا ولا على إتياننا بالآيات فهل نكذبهم في ذلك. و يقولون نحن أكثر مالا وولدًا من أتباعه، ويقولون إن محمدًا أنكر آلهتنا، وسفه أحلامنا، وصدنا عما كان يعبد آباؤنا وجعل الآلهة إلهًا واحدًا فهل نكذبهم في ذلك كله ؟! و قد أخبرنا الله عن الأمم الماضية أنها قالت لرسلها ( إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما يعبد آباؤنا ) فهل هم كاذبون في ذلك ؟! بل قد صدقتهم رسلهم ( قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ) وكان الكفار يقولون: إن الله خالق كل شيء ، وإن أصنامنا لا نخلق ولا تنفع ولا تضر. فهل هم كاذبون في ذلك ؟!. و بالإجمال كانوا يقولون أقوالا كثيرة صادقة لا يجوز أن نكذبهم فيها لئلا نكون مصدقين للكفار. ما قال هذا أحد، بل الصدق يجب أن يصدق، سواء أن يكذب، سواء أكان من كافر أم من مؤمن. وإنما معنى ذلك أن الظالمين كانوا ينسبون إلى الرسل كل ما يظنونه ظن هؤلاء أن السحر يقدح في الرسالة، فكذبوا الأخبار فيه . والظنان خطأ . إذًا ليس ما قاله الكفار كذبا ً. و إذا ليس تكذيبهم في كل شيء قالوه لازمًا ، بل لا يكذبون إلا فيما قام البرهان على أنه كذب ، ولا يخالفون إلا فيما قام الدليل على مخالفته رشد ، وهذا أمر لا يحوم حوله خلف، فلا يلزم إكذاب الظالمين في مقالتهم هذه حتى تقوم الحجة من العقل أو

النقل على أنهم كاذبون . وما علمنا أحدا قبل هؤلاء يستدل على خطأ القول بأن قالته طائفة من الناس ، ولا علمنا من قال إن الكفار لا يصدقون في شيء ما . و مما يبين هذا أن قبل هذه الآية ( وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام و يمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرًا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها ) ثم قال تعالى بعد ذلك ( و قال الظالمون إن تتبعون إلا رجلًا مسحورًا ) فهل هم كاذبون في ذلك كله ؟ اللهم لا .

( ثانيًا ) إننا نعلم إن الكفار لا يريدون بقولهم هذا أن يثبتوا لرسول الله صلى الله عليه و سلم ما أثبته هذا الحديث . وهو أن فلانا من اليهود سحره بضعة أيام ، فأدركه شيء من التغير ، وخيل إليه أنه يفعل بعض الشيء وهو لا يفغله ، ثم أن الله شفاه من ذلك . لنهم لا يريدون ذلك بلا شك . والمخالفون لنا يعلمون ذلك أيضًا . وإنما يريد الكافرون بقولهم هذا أن رسول الله عليه السلام إنما يصدر عن خيال وجنون في كل ما يقول ويفعل ، وفيما يأتي وما يذر ، وأنه ليس رسولا ، وأنه لم يوح إليه شيء ، وأن القرآن ليس من عند الله ، وإنما هو خيال مسحور ، وانفعال مجنون ، وبناء عليه ليس علينا تصديقه ولا أتباعه .

فإذا آمنا بما دل عليه الحديث و قلنا: إن الرسول سحر بضعة أيام ، لم نكن مصدقين للمشركين ، ولا موافقيهم فيما أرادوا وعنوا ، لأن الذي عناه الحديث ، ومن صحح الحديث ، غير الذي عناه هؤلاء الظالمون .

وإذا تغاير القصدان لم يكن هناك تصديق ولا موافقة . وهل يقدر المخالفون أن يقولوا: إن مراد هؤلاء الذين قالوا ( إن تتبعون إلا رجلا مسحورًا ) أن الرسول صلى الله عليه وسلم سحر وقتا ما، وناله بعض التغير، ثم أدركه الله بالشفاء ، وحفظ وحيه ودينه من أن يصل إليه شيء من ذلك التغيير والتخييل ؟ أم أنهم يريدون إن هذا القرآن الذي جاء به ، والدين الذي شرعه ، ليس هو كلام الله ، ولا من عند الله ، وإنما هو صادر عن هذيان ، وتغير بال ؟ هذا هو ما يعنون ، و هم كاذبون فيه ، والحديث لا يصدقهم ولا من صدق الحديث . والأمر واضح بين .

وأما الشبهة الثانية ، وهي جواز الاختلاط عليه في الوحي فنقول: أولًا ـ نحن ما علمنا عصمته من ذلك ، لعلمنا انه لم يسحر ، ولا يجوز عليه السحر . بل علمنا انه معصوم في تبليغه ببراهين أخرى كثيرة منها أن الرسول لا بد أن يكون معصوما من الخطأ في البلاغ . وهذا البرهان موجود في حالة السحر وغيرها . وإذا كان البرهان على العصمة مما خافوه موجودًا في جميع الحالات لم نخش ما ذكروا ، ولم نجوزه عليه في حين ما . ولا أظن قارئًا يتدبر ذلك جيدًا ثم يشك فيه .

ثانيًا ـ إما أن يكون لدى هؤلاء براهين على أن الرسول معصوم من الخطأ في البلاغ، أم ليس لديهم شيء من ذلك إلا علمهم أنه لا يسحر. فان كان الأول، فماذا يضر وجود السحر، والبراهين المانعة من وجود ما خافوه موجودة في الحالين، وموجودة أبدا ؟ وإن كان الثاني قلنا لهم: ومن أين علمتم انه لا يسحر ، وانه لا يجوز أن يسحر، وأنتم لا تعلمون عصمته إلا من عصمته من السحر ؟ أي فما البرهان على العصمة من الوقوع في السحر ؟ أليس هذا من التدليل على الشيء بنفسه . و أيضا ـ على الفرض الأخير ـ ما التدليل على عصمته من غير السحر ، وما الدليل على أنه معصوم من الخطأ في التبليغ ، وقد فرضنا انه لا برهان معهم على عصمته من ذلك إلا قولهم انه معصوم من السحر .

ثالثًا ـ تواترت الأخبار على إن الرسل ينسون . قال الله عن موسى ( قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا ) , وقد صح رسول أنه قال"كانت هذه من موسى نسيانا", وقال تعالى عنه وعن غلامه ( فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما ) وقال ( ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما ) و قال لخاتم الرسل ( سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله انه يعلم الجهر وما يخفى ) , وقد صح أن رسول الله عليه السلام سمع قارئا يقرأ آية فقال"ذكرني آية كنت أنسيتها", وتواتر عنه عليه السلام أنه نسى في صلاته ، وانه قال ( إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني ) والشبهة التي أوردها على السحر ترد على النسيان ـ إن كانت صحيحة ـ فما كان جوابا لنا عن السحر . وإذا جاز عليه الاختلاط إذا سحر جاز عليه إذا نسى . فإذا احتمل أن يخيل إليه

في التبليغ في حالة السحر جاز أن ينسى في التبليغ ، وجاز أن ينسى بعض ما أوحي إليه وأن ينسى أشياء من القرآن و الدين . وإذا علموا انه معصوم من ان ينسى ذلك أو أشياء منه ، فاليعلموا انه معصوم من أن يقع في التبليغ تخييل ـ وإن خيل إليه في غيره ـ والمسألتان سواء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت