فهرس الكتاب

الصفحة 1252 من 2255

رابعًا ـ نعلم أن المسحور يمكن أن يخلط في قوله و فعله ، كما نعلم أن الإنسان يجوز يخطئ ، وأن يغلط ، وأن يكذب ، وأن يضل و يغوى . والرسول إنسان ، وقد قلنا جميعًا إنه صلى الله عليه وسلم معصوم من هذه كلها ، مع أنها جائزة في حق الإنسان من حيث هو إنسان. فكذلك نقول: المسحور يجوز أن يخلط ، وأن يلبس عليه في قوله وفعله ، من حيث هو مسحور ، ولكن ذلك لا يجوز في حق الرسول من حيث هو رسول ، وان ناله السحر .

وتوضيح هذا نقول: أليس الرسول عليه السلام إنسانًا ؟ هم قائلون بلى ولا بد . فنقول ألا تعلمون أن الإنسان ممكن عليه أن يضل و أن يكذب ؟ . فلا بد من أن يقولوا: بلى . فنقول إذًا يمكن أن يقع ذلك من رسول الله عليه السلام لأنه إنسان. فسوف يقولون: لا يجوز ذلك فإذا قلنا لهم: ما الدليل على إمتناعه ؟ فسيقولون: هو الدليل على أن الله عصمه ، وأن الرسول مشروط في حقه ألا يقع منه شيء يخل بوظيفته . فكذلك نقول نحن في السحر كما قالوا سواء . فنقول: المسحور يجوز عليه الاختلاط و لكن الرسول ممنوع من ذلك على أي حال، لأن ذلك يخل بمقام رسالته . وهذا البرهان قاهر لمن تأمله .

وأما الشبهة الثالثة ، وهي أن الشيطان لا يتسلط إلا على الضعفة وأصحاب الغفلة فنقول:

هذه دعوى مجردة ، لا دليل يسندها ، لا من عقل ولا من نقل ، وهي خلاف المستقرأ المشهور . فقد تواتر عن الأمم ، تواترًا يذبح الشك ، إن الضعيف الحقير قد يتسلط على عقول الأقوياء العظماء ، بل قد يؤثر كلام الفاجر المهين في عقل التقي القوي، وقد يخدعه ، ويتلاعب بعقله، وقد يغير مجرى رأيه و فهمه ، وقد تغلب المرأة الأسيرة الكسيرة الرجل الشجاع على رأيه ، وتصرفه وفق رضاها

وهواها ، وقد تدفعه في الباطل و الضلال ، فيندفع إليه ـ وهو يعلم انه ضلال وباطل ـ بضعفها ولطفها . أو ليست الخمرة ، وما أسكر ، تسلب الرشيد رشده وتنهب العاقل عقله ، والحازم حزمه ؟ وهل الخمر أغلب سلطانا من الشيطان والساحر . وقد قال القرآن عن أيوب عليه السلام ( إني مسنى الشيطان بنصب وعذاب ) وقص عن آدم وحواء أن الشيطان أغواهما وخدعهما وطردهما من الجنة وأخبر عن موسى عليه السلام أنه قال ـ لما قتل القبطي ـ ( هذا من عمل الشيطان ) , وقال عنه: ( فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى ) فقد أوقعه السحرة في التخييل والخوف . والتخييل والخوف موضعهما القلب ، وهذا السلطان عليه . والأنبياء كلهم كانوا يخافون مما يخافه البشر عادة . فالأنبياء كسائر البشر ، عرضة للأعراض البشرية ، لم يتعدوا أفقها ، إلا أن الله خصهم بالعصمة فيما يوحى إليهم ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى إنما إلهكم إله واحد ) و أما الإستدلال بقوله ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) فيقضي بأن يكون جميع عباد الله الصالحين ناجين من أذى الشيطان . وهذا خلاف الإجماع والمشاهد والنصوص السالفة . والآية تريد بلا شك أن عباده الصالحين يسلمون من إغوائه وإضلاله كما قال في الآية الأخرى ( لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ) .

هذه حال شبهاتهم التي ردوا بها هذا الحديث الصحيح و هذا جوابها .

وبعد فقد يمكن أن يرد على هؤلاء وأن يحتج على جواز السحر للأنبياء بقوله تعالى ( فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف ) فقد صرحت الآية بأن سحر أولئك السحار قد أوقع نبي الله موسى في التخييل ، حتى تغيرت أمامه الحقائق ، فحسب الحبال حيات ، و الساكنات متحركات . وكلما صوب إلى الحديث من نقد و شبهة يمكن أن يصوَّب إلى الآية الكريمة . وإذا استطاعوا أن يتسلطوا بسحرهم على حاسة بصره فيسحروها ، استطاعوا أن يتسلطوا على

سائر حواسه ولا فرق، فتتغير قدامه الأشياء، ويظنها على غير ما هي عليه. فالآية مثل الحديث. إذًا فالحديث صحيح الإسناد والمعنى، ولا معقول يعارضه كما رأيت. فوجب قبوله،

والإيمان به. ولقد وسع الخرق هؤلاء الذين يردون الأخبار الصحاح بأمثال هذه الشبهات الداحضة، وجرأوا الجهال على أن يكذبوا كل ما لم يحيطوا بعلمه، وقد ظنوا أنهم ينصرون الدين بالقدح في الأحاديث، والله يشهد أنهم لا ينصرونه بذلك ولكن يخذلونه والله المستعان وحسابهم على الله ونسأله أن يهديهم وأن يشفيهم .

هذا ولتعلم أن في وقوع هذه الأعراض المتنوعة بالأنبياء ـ وهم خير خلق الله، وأكرمهم عليه ـ فوائد ترجع للعقيدة وغيرها. فإن من علم بأن أنبياء الله تصيبهم هذه الأعراض لم يغل فيهم كما غلت اليهود والنصارى في أنبيائهم وأحبارهم ورهبانهم ، فإن من ظهر الضعف وأمارات العبودية والإفتقار عليه ضعف الافتتان به، وقل الغلو فيه. وظهور القوة والكمال في الإنسان يوقع في الغلو فيه وما الّه النصارى المسيح وأمه إلا لأجل ما وهبه الله من آثار القوة ، مثل إحياء الموتى وغيره . والغلو في العباد خطر على العقيدة . خطر على الإيمان . وما غيّر التوحيد سواه. ولولاه ما رأيت هؤلاء الطائفين بالأضرحة والقبور ، ولما رأيت هذه الفتنة العظمى بالمشايخ و الأولياء رضي الله عنهم ، التي كادت تكون عامة في الأمم الإسلامية .ولولا الغلو لما ارتطم المسلمون فيما قال حافظ إبراهيم يخاطب الشيخ محمد عبده:

إمام الهدى إني أرى الناس أحدثوا لهم بدعًا عنها الشريعة تعزف

رأوا في قبور الميتين حياتهم فقاموا إلى تلك القبور وطوفوا

وباتوا عليها عاكفين كأنها على صنم في الجاهلية عُكَّف

وما ذكر القرآن الكريم عن الأنبياء تلك الأمور التي عاتبهم عليها للتشهير بهم ، والإشادة بأخطائهم ، بل ما ذكر ذلك إلا لأجل ما ذكرنا . وما يقول القرآن ، آمرًا أفضل خلقه وخاتم رسله عليه السلام ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا ) . قل ما أنا إلا إنسان مثلكم أمرض كما تمرضون وأجوع كما تجوعون وأخاف كما تخافون وأموت كما تموتون . وأما المنزه عن ذلك كله فهو الله سبحانه ، وهو إله واحد لا شريك له في ذلك ،

فاعبدوه وحده ودعوا ما سواه .

وكم ردد القرآن أن الأنبياء يقتلون، ويطردون ، ويعذبون ، ويهانون ، ويمرضون ، ويخافون ، وينال منهم أبلغ الأذاة. ولله في ذلك كله بالغ الحكمة. ومثل هذا حديث السحر. وكم يرد هذا الحديث على هؤلاء الذين حسبوا أن الله قد وكل التصريف إلى رسوله ، وإلى من دونه ، ووهبه القدرة المطلقة ، فراحوا يسألونه كلما يحتاجون إليه ، ويضرعون إليه . عندما ينزل بهم نازل ، راغبين راهبين ناسين أنه عليه السلام ما كان يقدر على الدفع عن نفسه الشريفة حتى ضربوه وأخرجوه وسحروه وبلغوا منه أقصى الأذى وهو في كل ذلك عاجز مفتقر إلى الله . وأين هذا من قول الشاعر:

يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم

فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح و القلم

إن لم تكن في معادي آخذًا بيدي فضلا وإلا فقل يا زلة القدم

يا سبحان الله ! ما أعظم جهل الإنسان وأشد غفلته ! ولو قرأ المسلمون نصوص دينهم ، وفهموها ، وتدبروها ، وعلموا آثار رسولهم ، وما كان يلاقيه ويصاب به ، وعلموا توحد الله بكل كمال دون الأنبياء والأولياء والملائكة لما أصاب عقيدتهم ما أصابها من تضعضع وخرافات وشبهات . فحديث السحر ونظائره يقوي الإيمان والتوحيد ، لا كما ظن هؤلاء أن فيه خدشًا للدين وأصوله .

حديث الذباب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت