فهرس الكتاب

الصفحة 1253 من 2255

روى أبو هريرة رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال"إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه فيه ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء"رواه البخاري وغيره . ورواه أيضًا ابن ماجه والإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري ، ولفظه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"في أحد جناحي الذباب سم وفي الآخر شفاء فإذا وقع في الطعام فامقلوه فيه فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء"

وهذا الحديث صحيح الإسناد لا مقدح فيه لقادح . وقد أنكره قوم طبيًا ، وقالوا: ان الذباب يقع على الأقذار والأوساخ الملوثة بجراثيم الأمراض ، فيأكل منها ، ويحمل بأطرافه ، فإذا وقع في الطعام ، أو في الشراب رمى فيه من تلك الجراثيم والأقذار التي حملها ، فصار الطعام وباء لا يجوز تناوله . فقالوا: ثم أن الحديث لم يقتصر على ذلك ، بل حض على التزيد من تلك الجراثيم ، فأمر أن يغمس باقي الذباب في الطعام أو الشراب ثم يؤكل . قالوا: ومثل هذا كيف يأتي إليه الشفاء؟! وهل هذا إلا مثل أن يقال: إن في الزبالات المطروحة في الحارات شفاء ودواء ؟! فليس بممكن أن يكون هذا الحديث صحيح المعنى ، وليس بجائز أن يكون رسول الله قاله . ولئن كان قاله ليكونن مخطئًا فيه ، وليكونن من قبل الرأي الذي ليس معصومًا فيه ، قالوا: والأنبياء قد يخطئون فيما قالوه رأيًا لا ما قالوه وحيًا . وليكونن كحديث تأبير النخل . قالوا: وقد قرر الأطباء أن جيوشًا عظيمة فتك فيها الذباب ، وجعلها فريسة المكروبات التي حملها ورماها فيما يأكلون ويشربون . هذا تلخيص شبهتهم في إضعاف هذا الحديث الصحيح .

ونحن نقول على ذلك: لا ريب أن الذباب يحمل الجراثيم الفتاكة ويلقيها فيما يقع عليه من طعام وشراب وغير ذلك . والحديث مقر بهذا مثبت له ، لأنه يقول (( في أحد جناحيه داء ) )وفي الرواية الأخرى (( سم ) )هذا حق لا نزاع فيه . وإنما الذي يقرره الحديث فوق ما عرفوا أن فيه شفاء أيضًا لذلك الداء ، أي هو يحمل مرضًا ويحمل علاجه ، ويحمل سمًا وترياقا . فمن أين علم هؤلاء أن ذلك الدواء الذي رواه الحديث ليس موجودًا في الذباب ؟! ومن أين علموا أن الذباب لا يحمل شفاء ؟! إن جهلهم لذلك لا يدل على عدمه في نفسه . وهم يعرفون أن عدم العلم بالأمر لا يدل على أنه مفقود في الواقع . هم لا يستطيعون أن يدلوا به ـ والحديث يسلمه لهم ـ أن الذباب يحمل داء فحسب . وما ذكر ليس مما يدفعه العقل أو الطب . لا يدفع العقل ولا الطب أن تجتمع المتضادات في الأمر الواحد ، والجسم الواحد . والطب الحديث يقرر أنه يوجد في الخنزير علاج لبعض الأمراض ، كما يقرر أن فيه مكروبات قاتلة ، وانه يوجد في الأفاعي وغيرها منافع . وقد قرر الطب الحديث أن بعض المكروبات يقتل بعضا ، وان بعضها يموت بما يحي به الآخر ،

وقرر انه إذا أريد الوقاية من بعض الأمراض ، كالجدري والحصبة ، وغير ذلك يطعم الحيوان أو الإنسان بسم ميكروب ذلك المرض فلا يناله المرض بإذن الله . أي يؤخذ مكروب مرض الجدري ، ويوضع في سائل مدة ، ثم يصفى ذلك السائل من الميكروب بعد ان يقذف فيه سمه ، ثم يحقن الحيوان أو الإنسان بهذا السائل فيتكون في ذلك المحقون مادة سامة مفترسة لمكروب ذلك المرض نفسه ، فلا يصيبه ، بل إذا أريد حماية السليم من الطاعون حقن جسمه بميكروبات الطاعون المماتة بالحرارة ، فتكون عند ذلك المحقون مناعة من الطاعون ، ومثل الطاعون مرض الهيضة . بل من الأمراض ما تحقن ميكروباته وهي حية في الإنسان للوقاية من المرض ، وذلك مثل مرض الكلب . وهذا كله من معالجة الداء بالداء . ويستظرف هنا قول الشاعر:

وكأس شربت على لذة وأخرى تداويت منها بها

وقال آخر: وداوني بالتي كانت هي الداء

وقول ثالث: فربما صحت الأجساد بالعلل

ومن الأمراض ما إذا أصاب مرة واحدة لم يصب أخرى . ومنها ماذا أصاب منع غيره . إذًا ليس غريبًا أن يكون بعض ما يحمل الذباب من الأمراض يفترس أنواعًا أخرى منها . وليس محالًا أن يكون في أحد جناحي الذباب حيوانات صغيرة تقتل حيوانات أخرى . هذا أمر ليس محالًا ، وليس مفردًا في بابه . وقد أخبر به الصادق الذي ( لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) والذي قامت البراهين الحسية والعلمية على أن كل ما صح سنده عنه من شئون الدنيا والطب حق وكلما يتقدم الزمن يظهر صدقه . ولو أخبر هؤلاء أحد أطباء الإفرنج بما دل عليه الحديث لما كذبوه ، بل لما شكوا في صدقه . أوليست الحية قد جمعت في جسمها داء ودواء ؟! ففيها السم القاتل ومن لحمها يركب الترياق الذي يقي ضرر السم ؟! وكذلك النحل فإن في أحد طرفيه العسل وهو شفاء وفي الطرف الآخر ما يخرج منه وهو داء . فحديث الذباب له نظائر كثيرة معروفة .

تصحيح الطب الحديث لهذا الحديث

معجزة للإسلام ونبيه

هذا الذي قدمناه كله على سبيل التقريب ودفع الغرابة والاستحالة أما تصديق الحديث بالنص فهاك ما يأتي:-

ألقى طبيب عصري في جمعية الهداية الإسلامية منذ سنة وكسور محاضرة جاء فيها ما حاصله:

(( يقع الذباب على المواد القذرة المملوءة بالجراثيم التي تنشأ منها الأمراض المختلفة ، فينقل بعضها بأطرافه ، ويأكل بعضًا ، فيتكون في جسمه من ذلك مادة سامة يسميها علماء الطب بمبعد البكتريا ، وهي تقتل كثيرًا من جراثيم الأمراض ، ولا يمكن لتلك الجراثيم أن تبقى حية أو يكون لها تأثير في جسم الإنسان في حال وجود مبعد البكتريا إلى ناحيته . وعلى هذا فإذا سقط الذباب في شراب أو طعام ، وألقي الجراثيم العالقة بأطرافه في ذلك الشراب فإن أقرب مبيد لتلك الجراثيم ، وأول واق منها هو مبعد البكتريا الذي يحمله الذباب في جوفه قريبًا من أحد جناحيه . فإذا كان هناك داء فدواؤه قريب منه وغمس الذباب كله وطرحه كاف لقتل الجراثيم التي كانت عالقة، وكاف في إبطال عملها ) )

هذا ملخص ما قاله ذلك الدكتور العصري .

وفي مجلة التجارب الطبية الانجليزية عدد 1037 سنة 1927 ما ترجمته: (( لقد أطعم الذباب من زرع ميكروبات بعض الأمراض، وبعد حين من الزمن ماتت تلك الجراثيم، واختفى أثرها ، وتكونت في الذباب مادة مفترسة للجراثيم تسمى بكتريوناج . ولو عملت خلاصة من الذباب في محلول ملحي لاحتوت على البكتريوناج التي يمكنها إبادة أربعة أنواع من الجراثيم المولدة للأمراض ، ولاحتوت تلك الخلاصة أيضًا على مادة خلاف البكتريوناج نافعة للمناعة ضد أربعة أنواع أخرى للجراثيم ) ).

وقد كتب بعض الأطباء الغربيين نحو هذا . فأصبح هذا الحديث الذي عده هؤلاء

المتسرعون كذبًا وخدشًا في الدين صحيحًا ومعجزة علمية خالدة . فلعلهم بعد هذا يقللون من تسرعهم في إصدار الأحكام ، وفي تكذيبهم ما لم يحيطوا بعلمه . فمن أين لابن الصحراء هذه المسائل الدقيقة الطبية لولا أن الله يوحي إليه ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت