فهرس الكتاب
وأما قول هؤلاء على الحديث: إنه من أمور الدنيا التي يجوز أن يخطئ فيها الرسول عليه السلام . فيقال: هل مثل هذا يقال رأيًا بدون وحي ؟! ولو قاله بعض الصحابة أو التابعين لقلنا إنه تلقاه ، وإن حكمه حكم المرفوع ، ولا يمكن أن يكون قاله اجتهادًا ، إذ لا يمكن أن يقول ذلك تهجمًا من غير رواية . وكل العلماء يقولون ذلك في أمثاله . وياليت شعري كيف قال ذلك وهو يجهله ؟! وكيف عرض أمته لخطر الذباب وما فيه من أمراض ؟! ومن الذي اضطره إلى أن يتهجم على أمور لا يستقل العقل والرأي بإدراكها وفهمها ؟! وكيف يعالج أمته وهو جاهل بأولويات الطب الضرورية ؟! والعلماء يقولون: إن من تعاطى الطب وهو جاهل به فهو ضامن . وروى عنه عليه السلام أنه قال"من تطبب ولم يعرف له طب فهو ضامن"والحكومات تعاقب اليوم فاعل ذلك. نعوذ بالله !
لقد نسبوا أكمل الخلق وأعقلهم إلى ما لا يصح من عاقل . ثم لماذا لم يسعه السكوت عما لم يسعه السكوت غما لا يعلم ؟! أليس ذلك أحوط وأحكم والله يقول ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) ؟! ونحن نعلم أن الذين وصموا رسول الله عليه السلام هذه الصمة ، وقالوا إنه قال ذلك برأيه لا يمكن أن يقولوا مثله من قبل عقولهم وآرائهم ، بل إن تورعهم وخوفهم من الإنتقاد يمنعهم من ذلك الهجوم . أو ما كان اللائق به ـ إذا كان الأمر كما يزعم هؤلاء ـ أن يقول: أظن كذا كما قال في خبر تأبير النخل ، لا أن يصدر كلامه فعل الموقن العالم ؟!. و إذا كان مخطئًا كما توهموا فلماذا لم يرد الله عليه خطأه بعد ؟! وهل يقره على خطأ وهو الأسوة الإمام ؟ ثم إن مقالة هؤلاء قد تدفع غيرهم يوما إلى أن يقولوا: إن جميع أبواب الربا والبيوع والمعاملات والعقوبات الموجودة في السنة هي من هذا القبيل ، هي من أمور الدنيا التي نحن أعلم من الرسول بها . فليس بلازم أن يكون الصواب حليفه فيها ، ولا لازم أن نتبعه فيما قال ، بل وتدفعهم إلى أن يقولوا: إن كل ما في الأحاديث من أحوال الأمم الماضية والآتية ، وكل ما ذكر قبيل الساعة من
الأهوال والأشراط ، وما ذكر في الآخرة من الأمور الشديدة: إن ذلك كله قد قاله الرسول رأيًا ، كما هؤلاء في الحديث المذكور .
إن تكذيب هذا الحديث ، ورمي جميع رواته بالكذب والخطأ الأيسر عندي من أن يقولوا مقالتهم هذه . وما ظنهم لو قال احد مثل قولهم هذا أمام أبي بكر الصديق ، أو عمر بن الخطاب ، أو غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم ؟ .
إذًا لقد صح هذا الحديث ، وأصبح معجزة من معجزات الإسلام الخالدة .
حديث تأبير النخل
عن طلحة قال: مررت مع رسول الله بقوم على رؤوس النخل فقال"ما يصنع هؤلاء"فقلت يلقحونه فقال رسول الله"ما أظن يغني ذلك شيئًا"قال: فأخبروا ، فتركوه ، فأخبر رسول الله بذلك فقال"إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فاني إنما ظننت ظنا ، فلا تؤاخذوني بالظن ، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به ، فإني لن أكذب على الله"وعن رافع بن خديج قال: قدم رسول الله عليه السلام المدينة وهم يأبرون النخل فقال"لعلكم لو لم تصنعوا كان خيرًا"فتركوه ، فنفضت ، فذكروا ذلك له ، فقال"إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا حدثتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر"وعن أنس ان رسول الله عليه السلام مر بقوم يلقحون فقال:"لو لم تفعلوا لصلح"قال: فخرج شيصًا ، فمر بهم ، فقال"مال نخلكم"قالوا: قلت كذا وكذا قال"انتم أعلم بإمور دنياكم"روى ذلك كله مسلم في صحيحه .
وقد إستدل قوم بهذه الروايات على ان الرسول ليس معصومًا من الخطأ في أمور الدنيا ، وليس واجبًا إتباعه وتصديقه فيها . بل قالوا يعرض ما يقول على ميزان النقد كسائر الناس ، فإن جاء موافقًا قبل وإلا رد عليه . فردوا لذلك أحاديث صحيحة في البخاري وغيره .
ولا ريب أن هذا مشكل جدًا . لأن من أمور الدنيا أبواب المعاملات، والعقوبات ، والحروب ، والمواعظ ، والطب ، وأخبار الأمم الماضية والآتية . فهل يقال: ان رسول الله
عليه السلام يخطئ في ذلك ، وإنه ليس واجبًا إتباعه فيه وتصديقه ؟! لا جرم ان قولا كهذا معدود من الخروج على الدين وصاحب الدين .
إذًا فما معنى هذه الروايات ؟! الجواب أن يقال: هذه الروايات صريحة في انه قال لهم ذلك بعبارة الظن ، وافهم أنه ظنه ظنًا مستيقنًا . فتدل على أن ما ظنه ظنًا يجوز أن يخطئ فيه ، سواء في ذلك الدنيويات ، والدينيات . لكن لا يقر على الخطأ . وأما ما قاله على سبيل الإيقان فلن يكون من ذلك .
ويقال أيضًا: الروايات صريحة في أن ما قاله ظانًا من قبل رأيه جائز أن يقع فيه خطأ ، وما قاله عن الله لم يجز فيه ذلك لا فرق بين أمور الدنيا والدين ، فالتفريق بينهما بالطريقة المذكورة ليس صحيحًا .
وأيضًا قد قابل القول بالرأي بالتحديث عن الله فقال"لا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله فإني لن أكذب على الله"وقال إذا حدثتكم بشيء من دينكم فخذوا به ، وإذا حدثتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر"فدل على أن ما قاله على سبيل اليقين فهو عن الله ، وهو لازم الأخذ به ، وليس بجائز الخطأ عليه ، ليس بين الدنيويات والدينيات فرق . وهذا خلاف قول هؤلاء الذين يغلطونه عليه السلام في أشياء أصدر قوله فيها موقنًا مستدلين بهذا الحديث . وهو رد عليهم لو تدبروا وتريثوا ."
وأيضًا الأمر الدنيوي الذي يقوله عليه السلام إما أن يكون قاله برأيه ، أو يكون قاله وحيًا عن الله . أما الثاني فلا يمكن أن يناله خطأ . وهذا بالإجماع . وأما الأول فهو الذي يمكن أن يصاب بشيء من الخطأ ، كما شهد الحديث .
إذًا فالعبارة الصحيحة في هذا المقام أن يقال: الأمور الدنيويات قسمان: وحي عن الله . واجتهاد رأي ( الأول ) معصوم فيه ولا ريب ( والثاني ) هو الذي يجوز فيه الخطأ .
وأما إجمالهم الدنيويات كلها بأنها يجوز فيها الخطأ فأمر لا يصح . والحديث الذي استندوا عليه راد عليهم .
وأيضًا الأمر الذي قاله الرسول جازمًا ، ومات عليه ، ولم يذكر خلافه ، ولا سيما إذا كان من أمور الغيب ، كحديث الذباب وأحاديث الدجال ، وسجود الشمس تحت العرش لا
يمكن أن يكون خطأ ، ولا يمكن أن يكون قاله برأيه وظنه . وقد صح عنه عليه السلام أنه قال:"الظن أكذب الحديث"وفي كتاب الله ( وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا ) وأنحى باللائمة على الظانين في آيات . وجعله من أخلاق الكافرين ( إن يتبعون إلا الظن ) ( ما لهم به من علم إلا إتباع الظن ) . فليس بممكن أن يهجو الظن والظانين ، ثم يوافقهم على ما هجاهم لأجله .