فهرس الكتاب

الصفحة 1255 من 2255

وأيضًا المختار من رأي العلماء أن الأنبياء عليهم السلام قد يخطئون فيما قالوه مجتهدين ، سواء في ذلك أمور الدنيا وأمور الدين . وقد عاتب الله رسوله في مواضع اجتهد فيها . قال في سورة الأنفال ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الحياة الدنيا والله يرد الآخرة ، والله عزيز حكيم ، لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) . وذلك أنهم في غزوة بدر أسروا وجوها من المشركين هم زعماء قريش ، فاختلفوا: أيقبلون منهم الفداء أم يقتلونهم ؟ فكان رأي الصديق ونبي الله أن يقبلوا الفداء ، ورأى عمر أن يقتلوا ، فنزلت الآية تصديقًا وإحقاقًا لقول عمر ، فبكى رسول الله عليه السلام ، و بكى أبو بكر الصديق لذلك . رواه مسلم . و قال تعالى: ( عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ) . وقال ( عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى ، وأما من جاءك يسعى وهو يخشى ، فأنت عنه تلهى ) . وذلك أنه كان عليه السلام إذا جاءه صناديد قريش وقادتهم ، وجاءه ضعفاء المسلمين كابن أم مكتوم الأعمى أعرض عن الآخرين ، واشتغل بالمشركين ، رجاء أن تصيبهم الهداية ، وهو يحسب أن رضا الله فيما فعله ، فعاتبه عليه . وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"كانت امرأتان معهما ابنتاهما فجاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت صاحبتها إنما ذهب بإبنك، وقالت الأخرى إنما ذهب بإبنك، فتحاكمتا إلى داود عليه السلام، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان ابن داود فأخبرتاه، فقال: ائتوني بسكين فأشقه بينكما فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها، فقضى به للصغرى"رواه البخاري ومسلم . اجتهدا رأيهما في مسألة دينية ، فأصاب أحدهما . وفي سورة الأنبياء:( وداود

وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ، ففهمناها سليمان ) وهذا النوع كثير في القرآن والسنة . فكذلك حديث تأبير النخل غايته أنه اجتهد فيما لم يوح إليه ، فصار الصواب في خلافه .

والقول الفاصل في هذا الحديث أنه عليه السلام إذا قال قولا على سبيل الظن في الدين أو الدنيا فليس بلازم أن يكون صوابا ، بل يجوز عليه الخطأ . على أنه لا يقر على الخطأ بل يبين له الحق في حياته . وأما ما قاله على طريقة اليقين ، ثم لم يذكر خلافا له فليس بجائز بالمرة أن يكون خطأ سواء في الدين وأمر الدنيا . وقد قال القرآن ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما ) . وقد ثبت في الصحيح أن هذه الآية نزلت في التحاكم إليه في شئون الدنيا . وقال ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا . ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا ) الآية . وقد صح أن الآية نزلت في الدنيويات ، وأن عمر بن الخطاب قتل من لم يرض حكمه عليه السلام فيها . وقال ( والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) . لا نحتاج أن نذكر أن الآية صريحة في أن ما يقوله عليه السلام وحي من الله بلا فرق بين أمر وأمر . وفي سورة الحشر ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) فبعد أن ذكر حكم الأنفال ـ وهي من الأمور الدنيوية ـ قال ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) فهل ينتهي هؤلاء عن مقالتهم هذه ؟!.

وبهذا تم أن قول هذه الطائفة من الناس أن الدنيويات يجوز أن يخطئ فيها إطلاقًا قول لا يقبله الصواب ، وخطوة واسعة إلى الخروج عن حدود الشريعة وتجاوزها . وقد يجيء من يقول ممن يقرءون كلام هؤلاء: ليس بلازم أن يكون الرسول عليه السلام

مصيبًا في مسائل العقوبات ، والديون ، والحدود ، والزكوات ، وسائر الأموال قائلين: إنه كان في ذلك مجتهدًا ، ويحتجون بحديث تأبير النخل كما فعلت هذه الطائفة . وسوف ترى وتسمع .

حديث لا عدوى

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر". رواه البخاري ومسلم والحديث ثابت في الصحاح عن غير أبي هريرة أيضًا .

العدوى هي إنتقال المرض من إنسان أو حيوان إلي آخر . وهذا أمر واقع لا شك فيه . ويدل عليه النص والاستقراء والطب والإجماع .

فروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله عليه السلام: قال:"لا يورد ممرض على مصح". والممرض هو صاحب الإبل المريضة والمصح عكسه . أي لا تورد الإبل المريضة على الإبل الصحيحة حذر العدوى . وروى البخاري أم رسول الله عليه السلام قال"فر من المجزوم فرارك من الأسد"وروى مسلم أنه كان في وفد ثقيف القادم على رسول الله مجزوم ، فقال رسول الله"أرجع فقد بايعناك". وفي الصحيحين أنه عليه السلام قال:"إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تقدموا عليه ، وإذا وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا فرارًا منه".

هذه الأخبار كلها تدل على وجود العدوى . وأما الاستقراء فما زال الناس يشاهدون الصحيح ينتابه المرض إذا خالط المريض، ولا سيما بعض الأمراض، كالجرب ، والجذام ، وبعض الحميات . وأما الطب فقد أجمع قديمًا وحديثًا على أن ثم عدوى ، وكلهم ينهى عن مساكنة المريض . وأما الإجماع ففي البخاري ومسلم أن عمر بن الخطاب سافر إلى الشام ومعه الأنصار والمهاجرون فعلموا وهم في الطريق أنه وقع في الشام وباء ، فاستشار عمر من معه: أنرجع أم نمضي ؟ فقالت له طائفة: خرجت لأمر فلا نرى أن ترجع عنه .

وقالت أخرى: معك بقية أصحاب رسول الله عليه السلام ، فلا نرى أن تدخل بهم على هذا الوباء . ثم قفل عمر رضي الله عنه راجعًا بمن معه . فقال أبو عبيده: أفرارًا من قدر الله . أرأيت لو نزلت واديًا له عدوتان: إحداهما مخصبه ، والأخرى مجدبة ، أليست إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله ؟! . فهم لم يختلفوا في العدوى وإنما اختلفوا: هل يرجعون فرارًا منها ، أم يمضون اتكالا على الله ؟ ثم إن الميكرسكوب كشف سبب الأمراض ، وأنها حيوانات صغيرة جدًا تحل في الجسم فتقذف فيه سمًا ، وترعاه حتى يفسد . والحيوانات تنتقل بالمباشرة والمقاربة . إذًا فما معنى قوله"لا عدوى"؟ .

عنه جوابان: أولهما ـ أن قوله لا عدوى نهي لا نفي والمعنى لا يعد بعضكم بعضًا . أي لا تتعرضوا لذلك بل اتقوه ، واتقوا مكانه . وهذا كقوله تعالى ( فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ) أي لا يكن ذلك منكم . ومثل قوله عليه السلام"لا ضرر ولا ضرار"، وقوله:"لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس"وأشباه هذا كثير . و يصحح هذا الجواب آخر الحديث . فقوله (( لا طيرة ) )أي لا تشاؤم معناه لا تتطيروا ولا يقع منكم ذلك . وليس المعنى أن الطيرة مفقودة في الناس. وكذا (( لا هامة ) )وهي طير معروف (( ولا صفر ) )وهو الشهر المعروف . والمراد لا تعتقدوا في شهر صفر ولا في الهامة ما كان الجاهليون يفعلونه ويعتقدونه . وليس بممكن أن يكون نفيًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت