فهرس الكتاب
وثاني الجوابين ـ أن يكون نفيًا لما كان عليه الجاهلية ، لا لنفس العدوى ، لأن أهل الجاهلية كانوا يبالغون في أمر العدوى والتشاؤم ، ويوسوسون فيهما حتى يمتنعون من زيارة المرضى ، والقيام عليهم ، وقد يمتنعون من الأسفار التي أزمعوها تطيرًا وتشاؤمًا ، وأنا أعرف عالمًا فاضلًا من المحققين أصيب بهذا الوسواس فضر بصحته كثيرًا ، وأضناه ، وأنحل جسمه ، حتى إنه ليصافح الأصحاء إذا ما ألجيء إلى ذلك بأطراف أصابعه ، ويجذبها منهم سريعًا خائفًا أن يكونوا حاملين أمراضًا فيعدوه ، ومن رأي هذا الأستاذ أنه لا يصح الدخول على المريض مطلقًا ، ولا زيارته . فقيل له: إن زيارة المريض واردة في الشريعة ، وهي من محاسنها . فقال: إذا زار زائر مريضا وجب عليه
ألا يدخل عليه ، بل يقف بعيدًا ويسلم عليه بالإشارة . ومثل هذا الأستاذ كثير . ولا جرم أن تشاؤمًا يوقع صاحبه في هذا لأعظم ضررًا من الاختلاط بالمرضى ولهذا ينعى الأطباء كثيرًا عن المبالغة في الخوف والتشاؤم .
فهذا النوع من العدوى هو المنفي المبطل بهذا الحديث ، لا أصل العدوى وهذا مثل قوله تعالى ( يأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون ) والشفاعة والخلة ـ الصداقة ـ موجودتان على وجه مشروع . والمنفي في الآية هي الشفاعة والخلة التي كان يظنها الكافرون الجاهلون . وكذا قوله ( من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال ) وخلال جمع خلة ، وهي الصداقة . وقوله ( فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ) ، وقوله ( مالكم من دونه من ولي ولا شفيع ) وهذا كله نفي لما يدعيه المشركون . وكذلك قوله"لا عدوى"هو نفي لما كان عليه الجاهليون الغالون . ويقرب من هذا المعنى أن تسمع قائلًا يقول: في المسلمين خير كثير ، ولهم قوة ، وفيهم علماء وفلاسفة فتقول: ليس فيهم شيء من ذلك ، وأنت لا تعني بذلك الإبطال العام ، وإنما تريد أن تبطل المبالغة التي دل عليها قول القائل .
وبهذا اتفقت أقوال النبوة وأحدث النظريات الطبية .
وقول عمر بن الخطاب: نفر من قدر الله إلى قدر الله من الكلمات النوابغ الجوامع التي يندر وجود مثلها ، وهي من أسمى ما تصل إليه القرائح البشرية ، ومما تنضى دونها عقول الفلاسفة والحكماء . وهي من الأمثال الطائرة السائرة . وإنه لخليق بأمة تنتهي بدائه أمييها إلى هذه المراقي السامية أن تسود العالم ، وأن تذل لها أعناق الأكاسرة والقياصرة . والمثل الذي ضربه لأبي عبيدة يكاد يكون مشكاة النبوة . فلله عمر ، ولله العرب حكماء علماء كادوا من فقههم يكونون أنبياء !! .
أحاديث الدجال
تواترت الأخبار النبوية في جميع كتب السنة الصحاح وغيرها تواترت لا يدع للريب
مكانا انه يخرج في آخر الزمان قبيل الساعة مخلوق فتان كذاب يسمى الدجال ، يخلق الله على يديه أمور تعد عظيمة من الخوارق ، يمتحن بها عباده كما يمتحنهم كل في كل آن ، ويميز بها المنافق من المؤمن ، والثابت العقيدة من مزعزعها . قد روى ذلك عن محمد عليه السلام من لا نقدر على إحصائهم من صحابته رضوان الله عليهم . وخرجه من لا نقدر أن نعدهم من العلماء والمؤلفين في كتبهم . واشتهر بين المسلمين شهرة تغني عن أن يستدل على وجوده ، أو يشك فيه حتى أدخلوه في صلواتهم يستعيذون من كل يوم أكثر من خمس مرات ، ويذكرونه في الليل والنهار ، يسألون الله الوقاية من شره ، والحفظ من فتنته ، قارنين بين الاستعاذة منه والاستعاذة من جهنم لتلازمهما حسًا ومعنى ، لأنه حامل راية جنودها ، وقائدهم إليها . حتى أمر رسول الله ـ كما في مسلم ـ بالاستعاذة منه في الصلاة أمرًا . ورأى فريق من العلماء أن من لم يستعذ منه في صلاته فصلاته ملغاة . وهذا لاهتمام الشارع به ، ولخوفه على أمته منه ، ولعظم بلواه . أعاذنا الله منه .
فهذا الدجال معلوم عند عامة المسلمين علما ضروريًا لا يشكون فيه كما لا يشكون في أن رسول الله عليه السلام ولد في مكة ومنها هاجر إلى المدينة ، وتوفاه الله فيها ، ودفن فيها ، وبنى مسجده فيها ، وكما يعلمون أن الله فتح له مكة ، وأذل به كفار قريش وطواغيت العرب في حياته . بل كما يعلمون أعداد الصلوات وأن منها الجهريات والسريات ومنها الثلاثيات والرباعيات والثنائيات ، وكما يعلمون أوقاتها وهيئاتها بالإجماع . وبالإجمال ليس لديهم شك في خروج هذا الدجال، وفتنته العظمى. ولا شك أن إيمانهم به ، وعلمهم له أكثر من إيمانهم وعلمهم بخروج ابن الزبير على عبد الملك بن مروان ، وقتل الحجاج الثقفي له . على أنه لا يمكن الشك في الأخير ، ومن شك فيه كان أحوج إلى التعليم من المجادلة .
وقد استشكل بعض العلماء في هذا العصر ـ الذين يحبون الاستشكال لأنه استشكال، والذين يعشقون خلق الشبهات لحاجات في النفوس ـ أحاديث الدجال وما ذكر عنه، وشككوا فيها، وألبوا الاعتراضات على صحتها. وهذا تشكيك منهم في الضروريات، وإبطال لها بالشبهة النظرية الهزيلة، كما ترى إن شاء الله. وما علمنا أن الأمور المتواترة
تهدم بالشبهات والإحتمالات ، كما لا نظن أن هؤلاء الشاكين المشككين يقبلون مثله في رجال التاريخ ، كما لا نظنهم يقبلون الشك في وجود الحجاج الثقفي ، وعبد الملك بن مروان ، والمأمون ، وعنترة العبسي، وامرئ القيس ، والبحتري ، وأبي تمام ، وأمثالهم . بل نحسبهم يعدون الشاك في هؤلاء الرجال . ولو قام قائم ينكر وجود دولة الفاطميين في مصر ، والقرامطة في الإحساء لعدوه من الذين لا تليق بهم مخاطبة العقلاء . ولا ريب أن أخبار الدجال أكثر من أخبار هاتين الدولتين، والعلم بها للخاص والعام أبين من العلم بهما ولو شك شاك في أن الفاتحة تقرأ في أول كل ركعة، أو شك في التكبيرات في الصلاة، أو في القراءة في القيام ، والتشهد في الجلوس لما فرقنا بينه وبين الشاك في ان رسول الله حدث عن الدجال واخبر بخروجه .
والحاصل أن الشك في الدجال شك في الضروري ، فلا يقبل ، ولا يعذر فيه أحد . وقد نجد هؤلاء يترنمون بدعوى الإجماع ، والتواتر ، والشهرة إذا ردوا على مخالفيهم . ولا نعتدي إذا قلنا إنهم كثيرًا ما يتعثرون بالتناقض ، وكثيرا ما يهدمون قي مكان ما بنوه أزمانا في أماكن أخر . وليس على الله بعيدا أن يرزقهم الاعتدال والقصد . ونحن نذكر اعتراضاتهم ـ بحوله تعالى:
الشبه على أحاديث الدجال
قالوا: أولا ـ لو أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الدجال خارج قبل الساعة ولا محالة لجعل الناس في أمن من قيام الساعة ما لم يخرج الدجال ، ولما كانوا في خوف مستمر من مفاجئتها إياهم . ولا ريب أن المصلحة في أن يظلوا أبدًا خائفين من قيام الساعة ومفاجئتها ليحملهم ذلك على أن يصلحوا ، ويجتنبوا الموبقات وغضب الله .
قالوا: ثانيًا ـ هذا مخالف للقرآن الكريم لأنه يقول في الساعة ( لا تأتيكم إلا بغتة ) ولو كان الدجال خارجًا قبلها ، ومن أشراطها لما كان إتيانها بغتة ، بل لكان بعلم .
قالوا: ثالثًا ـ هذا الدجال يدعي لنفسه أكبر الدعاوي ، وهي الربوبية . والروايات
تخبر أن الله يخلق على يديه الأمور العظيمة ، ويمكن له في الأرض . وليس من سنة الله أن يؤيد الكاذبين ، ولا أن يعطيهم ما به يفتنون ويروجون نحلتهم .
رابعًا ـ إن الروايات تحدث أن الله يهبه من الخوارق ما يشبه معجزات الأنبياء . وهذا يقدح في صدق الأنبياء .
قالوا: خامسًا ـ إن الأخبار فيه متخالفة تخالفًا يوقعها في السقوط ، وألا يعتد بها .