فهرس الكتاب

الصفحة 1257 من 2255

قالوا: سادسًا ـ هذا الدجال أعظم الفتن التي تقع أمام الساعة ـ كما تقول الروايات ـ فلماذا لم يذكره القرآن ويهتم بشأنه . وقد ذكر ما هو أقل منه خطرًا وخطورة ؟! فلو كان حقًا لما أغفل القرآن ذكره .

هذه هي شبههم التي شكوا وشككوا لها في أخبار الدجال ونحن نقول في جوابها سائلين الله العون والسداد:

أما الشبهة الأولى فنقول: لئن كانوا في مأمن من أن تقوم الساعة ومن أن تفاجئهم قبل أن يخرج الدجال ليكونن في خوف ووجل مستمر من مفاجئة الدجال الذي وصف بأعظم الأوصاف البشعة . فيحملهم ما يتوقعون من خروج الدجال ، على أن يصلحوا ، وأن يتقوا ، فتحصل النتيجة المطلوبة وهي أن يكونوا خائفين وجلين ، ليكونوا متقين لله صالحين .

ونقول أيضًا: بيننا وبينكم الواقع والمشاهد والمستقرأ . أنظروا إلى المحدثين الذين رووا أحاديث الدجال واشراط الساعة ، وآمنوا بها إيمان الموقنين . وأما كانوا أتقى الناس ، وأخوف الناس لله تعالى ، مع أنهم عالمون أن بينهم وبين الساعة تلك الاشراط وذلك الدجال ؟! فهل منعهم ما علموا من ذلك أن يكونوا على ذلك الصلاح والورع ؟! .

ونقول أيضًا: لسنا في شك أن في رواية أخبار الدجال على حقيقتها والإيمان بها ما يجنب المخالفات ، وما يزيد المسلم إيمانًا بالله ، وتقوى له وفرارا من عصيانه ، ورغبة في طاعته . ويتبين لك ما أقول إذا ما قرأت هذه الأحاديث على جماعة المؤمنين المصدقين ، ورأيت كيف يتأثرون ، وكيف ينزعجون ، وكيف يرغبون في الدين ، ويرغبون عن المخالفة . وكذا إذا ما قرأتها بينك وبين نفسك مصدقًا بها . فالنتيجة التي

تكون في أخبار الدجال وخروجه هي في الحق خلاف قول هؤلاء .

وأيضًا قد ذكر الله تعالى في آيات عدة سعة عفوه ، وغفرانه ورحمته ، وكذلك ذكر رسول الله . وهذا قد يثبط بعض الناس عن الطاعات ، وقد يغري بعضهم بأن يرتكب ما لا يصح إعتمادًا على سعة هذا الفضل . فهل دل هذا على أن هذه النصوص باطلة وكذب ؟! أو دل على أن التحديث بها غلط ؟! ومثله أخبار الدجال . وقد أخبر رسول الله أصحابه أنه لا بد أن ينصر الله دينه ، وأن يظهره على الدين كله ، وأن الله سوف يفتح لهم البلاد ، ويملكهم كنوز فارس والروم . وهذا كله قبل أن تقوم الساعة طبعًا . فقد جعل أصحابه والمسلمين في مأمن من قيام الساعة . فهل أخطأ في ذلك ؟! وهل كذب فيه ؟! وهل قلل تقواهم ؟! .

وأيضًا هذه الشبهة تدل على أن الساعة ليست لها أشراط البتة لئلا يكون الناس في مأمن منها . وهذا خلاف القرآن . قال الله ( فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة ، فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم ) وقال ( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك ، يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها ) الآية . وقال ( وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يؤمنون ) . فليتدبر هؤلاء شبهتهم هذه فليس كل ما يكتب علمًا .

وأما الشبهة الثانية ، وهي مخالفة قوله ( لا تأتيكم إلا بغتة ) . فنقول: مجيء الدجال إما أن يكون علامة على أن الساعة جاءت أو على أنها اقتربت جدًا . على الأول يكون مجيء الدجال مجيئًا للساعة وهو بغتة ، فهي مثله بغتة ، ويكون مجيئه كمجيء جزء منها . وعلى الثاني فليس العلم باقترابها يمنع أن تأتي بغتة ، ولا شك في هذا . قال الله تعالى: ( اقتربت السعة وانشق القمر ) وقال: ( اقترب للناس حسابهم ) فهل نافي هذا لقوله ( لا تأتيكم إلا بغتة ) ؟! وهل نافي عليهم اقترابها بأنها لا تأتيهم إلا بغتة .

وأيضًا إما أن يوافقوا على أن للساعة أشراطًا أم لا يوافقوا . فان وافقوا على أن لها أشراطًا ـ وشرط الشيء علامته ـ فالاعتراض الذي أوجدوه على الدجال وارد على الأشراط التي آمنوا بها ، فما كان جوابا لهم هنا كان جوابًا هناك . وإن قالوا ليست لها

أشراط فقد خالفوا القرآن فهو يقول: ( يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها ) ، ويقول: ( وإذا وقع القول عليهم أخرجنا عليهم دابة من الأرض تكلمهم ) وقال ( وإنه لعلم للساعة ) .

وأيضًا قال في القاموس"البغتة الفجأة . وبغته فجأه"، وقال"فجأه هجم عليه"إذًا قوله: ( لا تأتيكم إلا بغتة ) معناه لا تأتيكم إلا هجومًا . فهل مجيء الدجال قبلها يمنع أن تأتي هجومًا ؟! ليتدبر ذلك المخالفون .

وأيضا الذي في الأحاديث الصحيحة ان الدجال يجيء قبل الساعة ، وليس فيها مقدار الزمن الذي بينه وبين الساعة . والروايات تدل على أن الزمن مجهول وأنه طويل . إذًا لا تزيد روايات الدجال على أنه ينزل قبل الساعة الموعودة . وهل العلم بأن قبل إتيان الشيء إتيان شيء آخر يمنع أن يكون إتيان الآخر بغتة ومجهولًا وبعيدًا أيضًا ؟! وصحابة رسول الله كانوا يعلمون أن الساعة لن تقوم حتى يتم الله دينه، ويظهره على الأديان كلها. وهذا الإظهار والإتمام لا بد أن يكون قبل الساعة فهل خالف ذلك قول القرآن ( لا تأتيكم إلا بغتة ) ؟! .

وأيضًا قد صرح القرآن الكريم بأن ياجوج وماجوج خارجون قبل الساعة ، وأنهم بيننا وبينها . قال في سورة الأنبياء: ( حتى إذا فتحت ياجوج وماجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا ) ، وفي سورة الكهف ( قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حفًا وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور ) فشبهتهم على خروج الدجال تتناول هذه الآيات . ولا جرم ان شبهة تطعن القرآن في صميمه باطلة داحضة . أليس هؤلاء المخالفون يعرفون ان الساعة لا تقوم إلا بعد أمور كثيرة ، وأشياء طويلة ؟! ولا نحسبهم يجوزون أن تقوم اليوم أو غدا أو بعد غد ، مع أنهم يقولون: إنها لا تأتي إلا بغتة .

وأما الشبهة الثالثة وهي تأييده بالخوارق ـ وهو الكذاب ـ ومقالتهم إن مثل هذا مخالف لسنة الله . فيقال: سنة الله تأبى أن يعطي الكذاب الخوارق التي تؤيد دعواه الباطلة بغير أن يقرنها بما يكشف حقيقتها وكذبه . أما أن يعطي الكفار والكذابين

والدجالين شيئًا من ذلك ، مع إظهار الدلائل على أنهم كاذبون ومضلون ، فليس في هذا مخالفو لسنة الله ، ولا تغرير بعباده . ولقد أعطي الشياطين ، والسحرة ، وكبار الضالين قوة وصحة وغنى ومهارة في علوم الدنيا وصناعاتها ما لم يعطى عباده المؤمنين وأعطى أمم الكفر ما نراه اليوم عزة وسلطانا وسعة وملك لم يكن بعضه اليوم للمؤمنين . بل قد أعطى الشيطان من السلطان على النفوس والعقول والتصرف فيها ، والتغلب عليها شيئا لم يعطه رسله ولا عباده الصالحين ، حتى إنه ليجري من الإنسان مجرى الدم في جسمه ، وأعطاه من طول العمر ما لم ينله غيره من خاصة عباده . وأعطى فرعون وقومه ملكا لم يعطه موسى وأنصاره . وبالجملة فقوة الضلال وسلطانه أقوى من سلطان الإيمان ونفوذه في أكثر الأوقات . وفي مثل هذا يقول القرآن: ( وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم ) ، وقال: ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرًا ) ، وقال: ( ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفًا من فضة ومعارج عليها يظهرون ، ولبيوتهم أبوابًا وسررًا عليها يتكئون وزخرفًا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا ولآخرة عند ربك للمتقين ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت