فهرس الكتاب
وفي الحديث الصحيح انه قال عليه السلام"لهم الدنيا ولنا الآخرة"وليس في هذا ما يدل على كرامة ولا على فضل ، كما لا تدل الصحة والمال والشهرة في الدنيا والقوة على شيء من ذلك لصاحبها . وقد أخبر القرآن أن أعداء الله قد تمكنوا من رسله , فقتلوّا منهم فريقًا , وأخرجوا فريقًا آخر من ديارهم , وعذبوا آخرين وهذا غاية السلطان والتمكين . وليس هذا بمخالف لسنة من سنن الله ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا من المجرمين ) إلا أنه تعالى لا بد أن يقيم الدلائل على أن هؤلاء الأقوياء المسلطين ضلال من حزب الشيطان . وهذا ما سيفعله بالدجال . فقد كتب بين عينيه"كافر"يقرؤه كل أحد . وأصابه بغيب لازم , ونقصان ظاهر , وهو أنه أعور . وملأه بآيات النقص والضلال ، مع أنه يدعي الربوبية .
وهو أيضا سبحانه لا يديم سلطان الضالين بل يملي لهم حينًا ثم يأخذهم أخذًا عنيفًا
ويفضحهم . وكذلك يفعل بالدجال .
ثم أليس غاية ما في أخبار الدجال أنه ضال كبير يخلقه الله تعالى يأتي بالمنكرات العظيمة يضل به طوائف من الناس ، ناقصي العقول ، عباد الشهوات . ومثل هذا كل يوم نراه . فالله دائمًا يرسل المضلين والفاتنين . وما أظن الحضارة الغربية بمخترعاتها ، وصناعاتها ، وسلطانها , ونسائها , تقل عن الدجال إغواء للناس وإفسادًا للضمائر .
فليس في خلق الدجال مخالفة لما عهد من سنته تعالى . كيف وهو يخرج قبيل أن يخرج عيسى بن مريم عليه السلام , وهو الذي يقتله بعد أن يعيث ما يعيث في الأرض . ونحن نعرف من سنة الله أنه يرسل رسله ليأخذ الطغاة البغاة. كما أرسل موسى لفرعون، وإبراهيم لنمروز . فليس في أن يعطي الدجالين والكذابين والمتنبئين شيئًا من السلطان والقوة والخوارق ـ إذا ما أظهر كذبهم وحقيقتهم ـ تأييد لهم مطلقًا .
ثم هؤلاء كثيرًا ما يردون الأمور الثابتة والأخبار الصحيحة اعتمادًا على هذه الدعوى العريضة التي يترنمون بها دائمًا , وهي سنة الله . والله يعلم أن القوم لا يعرفون سنة الله , ولا يحيطون بشأنه .
وأما الشبهة الرابعة وهي قولهم: إن الله يعطيه ما يشابه معجزات الأنبياء ، وهو يقدح في صدقهم فيقال:
إن الفرق بين معجزات الأنبياء ، وبين ما أعطاه الدجال كالفرق بين الدجال والأنبياء أنفسهم . ولا يسوى بين معجزات الأنبياء وخوارق الدجال إلا من سوى بين السحر والكهانة ، وبين معجزات الأنبياء . إنه أعطى ذلك الدجال ما أعطاه من الخوارق الزائلة ، وأظهر الدلائل في ذاته ودعوته , وفي كل شيءٍّ منه على أنه كذّاب ، وأنه ضال وخبيث . فكتب بين عينيه"كافرًا"وأصابه بالعور ، وأحاط به النقصان من كل جانب ، في حين أنه يدعي الإلوهية لا النبوة . وأما الأنبياء فأعطاهم المعجزات القاهرات الخالدات ، وأعطاهم ما يدل على أنهم صادقون ، وعلى أن كل ما يدعون إليه حسن مقبول . وقد أعطى الله السحرة أشياء خارقة عجيبة . وكذا المتنبئين . فقد نزل عليهم الشياطين يساعدونهم في كثير على ضلالهم وإغوائهم وما كان ذلك قادحا في صدق الأنبياء . وأخبر القرآن أن
سحرة فرعون سحروا الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم . فألقى موسى عصاه فإذا هي تبتلع كل ما يأفكون . فبان كذبهم وخروا له ساجدين وانهزم المعاندون وزهق الباطل وعلت كلمة الحق . وكذلك يفعل الدجال يعيث في الأرض فسادًا شأن المفسدين ، كما نراه اليوم، وكما نعلمه قبل اليوم وبعده، حتى إذا أنزل عيسى عليه السلام قتله وأخزاه وأذابه .
ثم ليس ما أعطاه الله بمشابه ما أعطاه الأنبياء ، بل هو أحقر من ذلك وأهون على الله أن يفعله له . وما زاد على أن يكون ساحرًا ، أو شبه ساحر . وقد ورد في بعض الروايات أنه ساحر . وثبت في الصحيح أنه قال عليه السلام"إن معه جنة ونارًا . فالذي يراه الناس جنة هو نار ، والذي يراه الناس نارًا هو جنة"وهذا حال السحر . ولا يسوى بين ما أعطى الله محمد عليه السلام وإخوانه من الأنبياء وما سوف يعطى الدجال إلا من أصيب بعقله .
على أن هؤلاء لو تدبروا لعلموا أن خروج الدجال على ما وصفت الأحاديث يصدق الأنبياء ، ويقوي شأنهم ، ولا يقدح فيهم كما حسب هؤلاء . فانه إذا خرج كما أنبأ عنه رسول الله عليه السلام ـ بعد القرون الطويلة المجهولة ـ كان هذا من أعظم الأعلام على أن رسول الله عليه السلام صادق ، وأنه يوحى إليه ، وأنه لا يمكن أن تكون هذه المعلومات المحجوبة بأقفال الغيب أدركها بعقله .
فخروج الدجال ـ كما وصفت الأحاديث ـ لا يقدح في الأنبياء، ولا في صدقهم ، بل هو معجزة من معجزات الأنبياء ، وعلم من أعلام نبوءاتهم فليفطن المخالفون .
أما الشبهة الخامسة وهي إختلاف الروايات ، وأن اختلافها يوجب تساقطها فيقال:
هذه الشبهة من أعجب العجب . إننا نعلم أن جميع الأمور الهامة العظيمة لا بد أن يقع في وصفها اختلاف وتضارب أيضًا ، كما وقع في الدجال . فإذا قرأنا تاريخ عمر بن الخطاب , أو أبي بكر الصديق ، أو عبدالملك بن مروان ، أو المنصور ، أو ترجمة أمريء القيس ، أو المتنبئ ، أو الإمام الشافعي ، أو ابن تيمية ، أو غير هؤلاء من مشهوري الرجال وعظماء التاريخ ، وجدنا اختلافًا كثيرًا في صفاتهم ، وفي أعمارهم ، وتواريخ موتهم ، وموالدهم ، وأماكن حياتهم ، وغير ذلك . فهل يوجب هذا الاختلاف أن نشك في
وجودهم ، أو ننكرهم ، كما جعل هؤلاء الفضلاء الاختلاف في شيء من صفات الدجال موجبًا لأن يشكوا فيه وفي مجيئه ؟! أظن ذلك لا يرضاه أحد . بل لو نظرنا في تاريخ الأنبياء وسيرهم عليهم السلام لوجدنا الاختلاف في بعض ذلك .
إن الاختلاف الواقع في الدجال ليس اختلافًا في أنه يأتي أم لا يأتي . بل هو اختلاف في شيء من صفاته الراجعة لذاته أو لفعله . ففي بعض الروايات أنه أعور العين اليمنى ، وفي بعضها أعور العين اليسرى . وكذلك هل كان موجودًا في عصر الرسول . وهل هو ابن صياد أم غيره . لكن لا يوجد رواية ـ لا صحيحة ولا ضعيفة ـ تقول إنه لن يأتي ولن يخرج . فهل هذا الاختلاف يوجب أن يشك في وجود المختلف فيه ؟! لا يا قومنا . ولو كان كذلك لوجب أن يشك في كل تاريخي عظيم . فإنه لا يوجد شيء في التاريخ عظيم إلا ويوجد اختلاف عظيم في نعته وحاله مثل الرجال الذين سلف ذكرهم بل ويوجد اختلاف في الشيء الكثير من صفات الجنة وأهلها ، وفي الحساب , والعرض ، وفي القبر , ومنكر ونكير . فهل يوجب هذا أن نشك في وجود هؤلاء الأشياء .
والحاصل أنه خفي على هؤلاء الأئمة الفرق بين الاختلاف في وجود الشيء والاختلاف في صفته . فالأول هو الذي يقال فيه:"تخالفتا فتساقطتا"لا الثاني . وهاك مثلًا يقرب المسألة:
حدثنا جماعة من الناس أن العالم المشهور المعروف كان خطيبًا يوم الجمعة الماضية في الأزهر . وحدثنا جماعة أخرى تساوي الجماعة الأولى عدالة وكثرة أن العالم المذكور نفسه كان يوم الجمعة المذكورة خطيبًا في جامع عمرو بن العاص . فمثل هاتين الروايتين هما اللتان قد يقال فيهما:"تخالفتا فتساقطتا". ولكن حدثنا جماعة كالجماعة الأولى بأن الشيخ فلانا كان خطيبًا يوم الجمعة الماضية في الإمام الشافعي . ثم اختلفوا فيما كان لابسًا . ففريق قال: كان لابسًا جبة بيضاء ، وفريق آخر قال: كان لابسًا جبة سوداء ، فهذا الاختلاف في لون ما لبس ، مع الاتفاق على أنه هو الخطيب لا غيره ، لا يوجب تساقط الروايتين مطلقًا ولا أن يقال فيهما"تخالفتا فتساقطتا".