فهرس الكتاب
الرأي الأول ـ قالوا: إن موسى عليه السلام لام آدم على المصيبة التي وقع فيها هو وبنوه ، وهي الإخراج من الجنة ، لا على الذنب الذي هو الأكل من الشجرة . قالوا: والمصيبات يجب الرضا والتسليم لله فيها لأنها من فعل الخالق سبحانه لا فعل المخلوق . قالوا: وقد مدح القرآن الصابرين على المصيبة قال ( وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وألئك هم المهتدون ) وقال ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل ان نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور ) وقال ( ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهدي قلبه ) قالوا:فالمصيبات التي يبتلي الله بها عباده ليس لهم أن يجزعوا منها ، وأن يحزنوا ، بل عليهم الرضوان بها ، والتسليم لله . قالوا: وموسى أعقل واعرف من أن يلوم آدم على ذنب قد تاب منه ، وقبل الله توبته ، وغفر له ، واجتباه بعده . وإنما كان ملامه له على الإخراج من الجنة الذي هو صنع الله ، وعلى ما حصل منه ، وهو إخراج أولاده من الجنة، وتعريضهم للدنيا وتكاليفها ، وما فيها من أذى وردى . قالوا: ورواية الحديث شاهدة بذلك فإن فيها"أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة"وفيها"أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة"وفيها"ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض"فهذه الروايات شهيدة على أنه لامه على المصيبة التي وقعت بعد ذنبه ، لا على ذنبه وبهذا بريء الحديث من الإشكال . هذا هو الرأي الأول .
الرأي الثاني ـ لم تقع المحاجة بين آدم وموسى إلا بعد أن تاب آدم من ذنبه ، وتاب الله عليه ، وغفر له ، ورضيه ، وعمل بعده الأعمال الصالحة التي جعلته من أصحاب الجنات ، ومن المقربين عند الله، ومن أنبيائه المصطفين ، فالحجاج بعد ذلك كله . والملامة على الذنب يراد بها زجر المذنب لئلا يعود إلى ذنبه مرة ثانية . أما إذا أذنب ثم تاب من ذنبه توبة نصوحًا ، وقبلت توبته فلا فائدة بالملام ، ولا يجوز ذلك مطلقًا . لأن
المراد منه حينئذٍ الإساءة والتوبيخ وهذا لا يحل . ألا ترى أننا لو لمنا إنسانًا كان ترك الصلاة بعد أن تاب ، وحافظ عليها كل المحافظة ، لكنا أحق باللوم منه ، ولكنا مخطئين غير مصيبين ؟ وكذلك من لام كافرًا على كفران سلف منه ، ثم تاب منه كان مخطئًا غير مصيب . فهذا الحديث من هذا . فموسى لام آدم على ذنبه الذي تاب ، فكان محجوجًا غير مصيب ، لأنه لم يفد لومه ، ولم يثمر غير إيجاع آدم وإيذائه . وقد روى مسلم في صحيحه أن امرأة جاءت رسول الله عليه السلام فاعترفت على نفسها بالزنا ، فأمر بها فرجمت ، فأقبل خالد بن الوليد ـ وهي ترجم ـ فرماها بحجر وسبها . فقال نبي الله"مهلًا يا خالد . لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له". نهاه رسول الله عن أن يسب امرأة زانية لأنها قد تابت . والتائب يتاب عليه . فكذلك آدم عليه السلام لا يجوز أن يلام على ما تاب عليه .
وهذا الرأي هو الرأي الصحيح الذي يلزم حمل الحديث عليه أما الرأي الأول فليس بذاك . فإن قوله أتلومني على أن عملت عملًا كتبه الله عليّ صريح في أن موسى لامه على العمل لا على المصيبة .
وأيضًا مما لا يصح أن يلوم موسى آدم على المصيبة التي هي من فعل الله ، ولا فعل لآدم فيها ، وهي إخراج ذريته من الجنة .
وأيضًا لو كان لامه على المصيبة لكان ذلك لأنه السبب في المصيبة ، والعامل الأول في حلولها . ولا ريب أن المذنب يلام على ما أنتجه عمله . ولو عصا عاص فأنزل الله عقابًا عم ذلك العاصي وأهل بلدته لساغ ملامه على ما أصاب أهل البلدة . ولو إعتدى معتد من بلد فقتل إنسانًا ، فهجم أهل القتيل على بلدة القاتل فأوقعوا بهم للام أهل البلدة القاتل على ما جره عليهم من بلاء ، ولقالوا له: آذيتنا واعتديت علينا . وهم صادقون .
فإن قلت: ما ذهبت إليه في الحديث مذهب صحيح ، ولو لا أن ظاهر الحديث خلافه . فإن روايات الحديث كلها تدل على أن آدم دفع عن نفسه بالقدر لا بالتوبة . فانه قال"أتلومني على أمر قد قدره الله عليّ قبل أن أخلق"إلى آخر الروايات . ولو كان المعنى ما تذهب إليه لقل"أتلومني على أمر قد تبت منه وتاب الله علي".
قلت: لا شك أنه إذا كان للأمر سببان ، أو علتان فأكثر جاز ذكر أحدهما وطي الآخر وتنحيته إن كان معلومًا . فقد يراك إنسان ، ومعك زكاة مالك تريد أن تدفعها إلى واحد من أصحابها ، فيقول لك:"إدفعها لفلان فإنه فقير"والعلة الثانية المطوية في هذا الكلام"ومسلم"فإن الزكاة لا تدفع للفقير إلا إذا كان مسلمًا . وكذا إذا رأيت من يطلب عاملًا قلت: استعمل فلانًا فإنه مسلم"أي"وأمين وكفء"وإذا رأيت من يريد قتل إنسان قلت له:"لا تقتله فإنه مسلم"وأنت تريد أنه مسلم ، وأنه لم يجن ما يستحق به القتل . وإذا رأيت من يؤذي ذميًا قلت له:"لا تؤذه فإنه ذميَّ"أي"مسالم لم ينقض عهده". وقد يقال لك: لماذا قدمت فلانًا على غيره . فتقول:"لأنه عالم"أي"وصالح"وقد يقال لك لم تحب فلانًا فتقول:"لأنه من العرب"أي"ومن الفضلاء". وأمثال ذلك في الكلام العربي كثير معروف . وكذلك حديث الباب . ذكر أحد السببين، وهو القدر. وطوى الآخر ، وهو التوبة ، لأنها معلومة للمتخاطبين ."
فهذا الحديث قاعدة من قواعد الآداب النبوية ، وخلق من أخلاقه السامية . وهي أن يكون فعل الإنسان كله للمصلحة والفائدة فلا يفعل شيئًا إلا إذا كان نافعًا فلا يعظ عاصيًا إلا إذا ظن أنه ينتهي عن عصيانه ، أو يقلل منه ، لا أن يلج فيه ويتمادى .
لطم موسى لملك الموت
عن أبي هريرة عن رسول الله قال:"أرسل ملك الموت إلى موسى . فلما جاءه صكه . فرجع إلى ربه ، فقال أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت . قال: ارجع إليه وقل له ليضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة قال: أي ربي ثم ماذا ؟ قال: ثم الموت . قال: فالآن". رواه البخاري ومسلم . وفي رواية عند مسلم قال:"قال ملك الموت لموسى: أجب ربك . فلطم موسى عين الملك ففقأها"قال:"فردها الله عليه".
هذا الحديث صحيح الإسناد وفي معناه إشكالات:
أولًا ـ لو فقأ أحدنا عين واحد من عامة الناس لعد فاسقًا باغيًا . فما حال من فقأ
عين ملك مقرب ؟! إن فسقه وظلمه يكون أعظم وأظهر .
ثانيًا ـ الحديث يدل على أن ملك الموت جاء موسى ظاهرًا فأبصره . وهل ملك الموت يبصر ؟! .
ثالثًا ـ الحديث يدل على أن موسى ما كان يعلم بأنه مائت لا محالة ، بل يشك في خلوده . ولهذا يقول:"ثم ماذا"كأنه لا يعلم أن الموت من بعد .
رابعًا ـ إما أن يكون الله أرسل ملك الموت إلى موسى ليتوفاه أو يكون الملك ذهب من تلقاء نفسه . على الأول كيف يرجع إلى الله قبل توفيه ؟! أو ليس قادرًا على ذلك وإن كره موسى والحديث يشهد على أن الله أرسله ؟! وعلى الثاني كيف يجوز لملك أن يتوفى نبيًا من أنبياء الله المرسلين لإنقاذ البشرية من الشرك والفساد بلا أر من الله ، ألا يكون معتديًا أهلًا لما نزل به ؟! .
خامسًا ـ لا شك أنه ما لطم الملك فأطار عينه إلا كراهية الموت وحبًا للحياة إذًا ماله لم يقبل ذلك العمر الذي عرضه الله عليه وهو عدد الشعرات التي تتناولها يده إذا وضعها على ظهر ثور ؟! فهذا قد يشعر بشيء من التناقض .