فهرس الكتاب
هذه إشكالات قد تعترض القارئ ، وقد ترد عليه ، وإن لم يستطع الإبانة عنها . وقد كذب الحديث أقوام لذلك. وهي واردات لا تصل إلى إضعاف الحديث الصحيح . وبيان ذلك:
أما الإشكال الأول وهو أنه يكون ظلمًا وبغيًا . فيقال: إن موسى ما كان يعلم أنه ملك الموت ، وأن الله بعثه إليه ، بل حسب أنه إنسي يريد العدوان عليه ، كما حسب إبراهيم ولوط الملائكة الذين جاءوهما أناسيّ فرأى أن الدفاع عن النفس جائز أو واجب . كيف وهو رسول الله أرسله لغرض من أشرف الأغراض ، وهو إقامة التوحيد والعدل في الأرض . وليس في الحديث ما يشهد بأنه عالم حقيقة الملك .
وأيضًا ربما ظن أنه تصلح مدافعة ملك الموت ، كما تصلح مدافعة الأقدار والنوازل التي ينزلها الله ويبعثها لقصم العباد ، فحسب أن المكلف يطالب بأن يدافع كلما هجم عليه مطلقًا ، فدافعه ، كما يجب علينا أن ندافع الموت ووسائله على قدر طاقتنا ، وإن كنا غير قادرين على دفعه .
وأيضًا ربما حسب أن الملك ليس ملزمًا بأن يقبض روحه ، فطلب منه الإمهال ، فلم يجب ، فأصابه بما أصابه . ولعله لم يكن قاصدًا فقء عينه . وقد قص القرآن من فعل موسى ما يقارب هذا . وهو ما حكاه عن قتل القبطي . قال في سورة القصص ( فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه ، قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين ، قال ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم ) وقال في ذلك ـ لما ذكره فرعون فعلته ـ من سورة الشعراء ( قال فعلتها إذًا وأنا من الضالين ) ولا نرى موسى كان مريدًا قتل ذلك القبطي، وإنما أراد أن يخلص الإسرائيلي منه ، فكانت القاضية .
أما الإشكال الثاني ، وهو أن الملك جاءه فرآه . فيقال إن الملائكة تأتي الأنبياء بصور الرجال ، كما جاءوا إلى إبراهيم وإلى لوط بهيئة أضياف ، وكما كان جبرائيل يجيء رسول الله . هذا شيء لا ينكر ولا يستشكل .
وأما الرواية التي رواها الإمام أحمد في الحديث وهي"وكان ملك الموت يأتي الناس عيانًا فلا أظنها صحيحة . وهي ـ إن كانت صحيحة ـ من قول أبي هريرة ، ليست مرفوعة ."
وأما الإشكال الثالث ، وهو أن موسى كان يشك في خلوده . فيقال: إن الاستفهام في الكلام يكون ضروب كثيرة . وليس بلازم أن يقارنه الجهل والشك . وقد يستفهم العالم والجاهل فلا يدل الاستفهام مطلقًا على إن المستفهم جاهل وشاك فيما استفهم عنه . فقد جاء الاستفهام في القرآن كثيرًا كقوله ( هل أتى حين على الإنسان من الدهر ) ، ( هل أتاك حديث الغاشية ) ، ( وهل أتاك نبأ الخصم ) ، ( آلآن وقد عصيت ) ، ( وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني ) الآية وأمثال هذا . فهل الاستفهام هنا يقارنه الشك ؟! كلا . ومثل هذا موجود في كلام الناس . فقد يقع الاستفهام منهم كثيرًا بلا شك ولا جهل . فكذلك قال موسى"ثم ماذا"لا يدل على أنه شاك في مصيره الأخير .
وأما الإشكال الرابع فنقول فيه: إن الله أرسل الملك إلى توفيه . والروايات شاهدة بذلك . ولكن لما رأى حرص موسى على الحياة ، وخوفه من الممات ظن أن الله ينسأ له في أجله ، فتركه . ولهذا يقول"أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ، أو أنه أثر فيه ما أصابه من موسى ، فرجع إلى ربه مشتكيًا قبل أن يقوم بمهمته . ولا مانع أيضًا أن يكون إرساله لتوفيه"
ليس على طريق الإيجاب والإلزام ، بل على طريق التخيير والتفويض . وقد جاء في الصحيح أن الأنبياء لا يموتون حتى يستشاروا ويخيروا بين الموت والحياة . فالملك يعلم أن موته في تلك الساعة ليس لازمًا . وعليه لم يبادر إلى توفيه ، أو أن الملك جاءه مخيرًا له بين الموت والحياة ، فظنه موسى عاديًا ، فلما صكه علم أنه لا يختار الموت فتركه .
وأما الإشكال الخامس فجوابه ما جاوبنا به الإشكال الأول ، وهو أن موسى لم يعلم أنه ملك الموت ، بل حسبه معتديًا عليه ، فلطمه لذلك دفعًا عن نفسه ، لا فرارًا من الموت ، ولا رغبًا في الحياة . فلما عرف أنه ملك الموت رغب في لقاء ربه ، واختار جواره ، كما اختار ذلك سائر الأنبياء بعد أن خيروا . ثم أي مانع من أن يختار الإنسان أولًا الحياة ثم الموت ؟ ليس في ذلك إستحالة ولا بعد . فلا يجوز رد الأحاديث الصحيحة بمثل هذه الواردات التي ترد على كل شيء ، والتي لا يسلم منها كلام ، وإن بلغ من السمو والصحة والجودة . والله أعلم .
النيل والفرات من الجنة
في حديث المعراج الطويل الذي رواه البخاري ومسلم وسواهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال"ثم رفعت سدرة المنتهى . فإذا بنبقها مثل قلال هجر ، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة ، وإذا في أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران . فقلت ما هذا يا جبريل ؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة ، وأما الظاهران فالنيل والفرات"وروى مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله عليه السلام أنه قال"أربعة أنهار من الجنة: النيل والفرات وسيحان وجيحان".
هذه الأنهار الأربعة موجودة في الأرض ، معروفة للناس من مبدئها إلى منتهاها ، مشهودة لهم منابعها الأساسية ، ومصادرها الأولية . ومن أجل ذلك كان هذان الحديثان مشكلين في ظاهرهما ، لأنهما ربما دلا على خلاف المشاهدة . فافترقت الآراء هنا . فكذبت طائفة الحديث . وأفرطت أخرى فقالت: إن الأنهار المذكورة تخرج الآن من الجنة ، وتنصب منها . ولم تعبأ بأن تنازع المشاهدة . وقالت طائفة: إن غي الكلام تشبيهًا . والمراد أن ماء هذه الأنهار يشابه ماء الجنة حلاوة وغزارة ودوامًا . وهذا القول لا يمكن إلا في الرواية الأخيرة .
أما الأولى فلا . وقالت طائفة: المراد أن من يشربون من الأنهار الأربعة هم من أهل الجنة . أي إن البلاد التي فيها هذه الأنهار سوف يؤمنون فيكونون من أهل الجنة . وقالت طائفة إن في الكلام تمثيلا. فسدرة المنتهى عبارة عن مركز التدبير للكون كله. فكل ما في الكون يدبر هنالك ، ويقضى ما يقضى فيه . فالنيل والفرات يدبران هنالك ويصدران عن مركزهما . فرسول الله صلى الله عليه وسلم رأى أمرهما وتدبيرهما يصدر من سدرة المنتهى لا ماءهما . وقالت طائفة: إن النيل والفرات رفعا ليلة المعراج إلى السماء بأعيانهما ، فرآها رسول الله عليه السلام ثم ، كما رفعت الأنبياء هنالك فرآهم . وقالت طائفة: هذه الأنهار المذكورة في الحديث أنهار موجودة في الجنة ليست هي الأنهار الموجودة في الأرض المعروفة ، وإنما توافقت أسماؤها . ففي الجنة أربعة أنهار تسمى بهذه الأسماء ، وفي الأرض أربعة أنهار هذه أسماؤها ، وقالت طائفة: قامت البراهين على صدق رسول الله عليه السلام وصحة هذين الخبرين عنه، فلزم أن نؤمن بذلك على مراد رسول الله عليه السلام ، ولا نكلف أنفسنا فهم ما لا نقدر على فهمه ، ولا نرد ما لم نحط به خبرًا ، ويا رب حقيقة واقعة لا نفهمها . ولعلما عجزنا عن فهمه اليوم نفهمه غدًا أو يفهمه غيرنا . أو لعل الزمان والحوادث تكشف لنا بعد ذلك عنه . وليس فهمنا وحدنا ميزان الحق والحقيقة . وفي السنة متشابهات . والمؤمنون هم الذين يقولون لما لا يفهمون ( آمنا به كل من عند ربنا ) ولا أضل ممن ذهب يرد ما لم يقدر على فهمه ، ولا أجهل ممن كذب بالشيء لأن الله لم يشأ أن يفهمه إياه .