فهرس الكتاب
وهذه الأقوال كلها ضعيفة كما ترى ، لا تأنس بها النفس ، المؤمنة ولا الجاحدة ، وإنما الرأي الراجح الصحيح أن نقول: أما الحديث الأول فهو آت على سبيل التمثيل . فقد مثل له صلى الله عليه وسلم النيل والفرات هنالك تمثيلًا ، كما مثلت له الجنة والنار في عرض الحائط وهو قائم يصلي ، حتى تقهقر وراءه لما رأى النار ، وتقدم أمامه لما رأى الجنة ليأخذ عنقودًا ، وحتى رأى أناسًا يعذبون في النار ، وكما مثل له عيسى بن مريم والمسيح الدجال ، أحدهما يتبع الثاني ، وكما مثل له موسى عليه السلام وهو راكب حاجًا ينحدر من الوادي ، وكما عرضت عليه الأمم أمة أمة ، فرأى سودًا سادًا الأفق ، فقيل له: هؤلاء قوم موسى ، وكما زويت له الأرض فرأى
مشارقها ومغاربها ، وكما رأى عمرو بن لحي يجر قصبة في النار ، ورأى المرأة التي عذبت الهرة بالحبس حتى ماتت . وقد رأى ليلة المعراج الأنبياء في السماء ، بعد أن صلى بهم إمامًا في بيت المقدس ، وبعد أن رأى موسى يصلي في قبره ، وكذلك رأى نسمات الكافرين والمؤمنين عن يمين آدم وشماله في السماء . وقد رأى غير ذلك . وقد ذهبت طوائف من العلماء إلى أن ذلك كله على سبيل التمثيل والتصوير . فكذلك حديث النيل والفرات . مثلا له عليه السلام في السماء قرب سدرة المنتهى فرآهما . فهذا الرأي يساير الحس والعقل والشرع واللغة ، ولا يخالف منها واحدًا . فلزم حمل الخبر عليه . ولا مندوحة عنه. ولله سر في تمثيل هذين النهرين له عليه السلام في تلك الليلة العظيمة ، في تلك البقعة المباركة ، وهو أن يكون رمزًا وإشارة إلى أن الله سوف يفتحهما على أمته ، ويجعلهما تحت سلطان شريعته ، لأنه قد علاهما وتجاوزهما ارتفاعًا ، وصارا تحت ذاته الشريفة ، وفي ذلك ما فيه من البشرى له ماديًا ومعنويًا . هذا معنى الرواية الأولى .
وأما الرواية الثانية ، وهي"النيل والفرات وسيحان وجيحان من الجنة"فالمعنى المختار أن يكون المراد أن الله أنزلهن من الجنة قديمًا ـ بعد أن كن فيها ـ لمنفعة الناس ، وجعلهن في أماكنهن الآن من الأرض . وقد يشهد لذلك قوله تعالى ( وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض . وإنا على ذهاب به لقادرون ) وقوله ( أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ) وقد كان آدم وزوجه في الجنة فأخرجا منها وأهبطا الأرض وكان الشيطان فيها فطرد منها . فكذلك الأنهار المذكورة . ولتعلم أن الرواية لم تقل إن الأنهار في الجنة ، بل قالت من الجنة . ولا يخفى عليك ما في العبارتين من الفرق . فالعبارة الأولى قد تدل على أنهن موجودات في الجنة . وأما الأخرى فتكاد تصرح بخلاف ذلك .
وثم رأى ثان في الرواية الأخيرة . وهو أن هذه الأنهار سوف تكون في الجنة ، وسوف تكون من شراب أهلها ، وسوف يدخلهن الله فيها بعد أن يكملهن ويزيدهن حلاوة وعذوبة كما يفعل بالمؤمنين . هذا ما يتحمله هذان الحديثان من البيان الآن .
الحر من فيح جهنم
تكاثرت الأخبار في الصحاح وغيرها عن رسول الله عليه السلام أنه قال"إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم"، وقال"اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا ربي أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف ، أشد ما تجدون من الحر ، وأشد ما تجدون من الزمهرير".
وقد أشكلت هذه الأحاديث أيضًا . فإن ظاهرها أن الحرارة التي نحسها في الصيف ، والبرودة التي نحسها في الشتاء صادرتان من النار . وهذا يكاد يكون بطلانه من قسم الضرورة . فإن الحرارة والبرودة ناتجتان من موقف الشمس من الأرض لا من جهنم . وهذا مما لا ينازع فيه أحد من العقلاء .
وقد أجاب فريق من العلماء عن ذلك وقال: إن الكلام فيه تشبيه . والمراد أن شدة الحر مثل فيح جهنم في الحرارة . ويرد هذا القول الرواية الأخيرة ، فهي صريحة بأن الحرارة والبرودة من تنفس النار . ثم كيف يقال: إن حرارة الصيف مثل حرارة النار التي بطلع على الأفئدة ، والتي تشوي الجلود شيًّا ، والتي ( وقودها الناس والحجارة ) والتي نار الدنيا جزء من سبعين جزءًا منها كما في الحديث الصحيح ؟! وصح عن رسول الله عليه السلام أنه قال"أهون أهل النار عذابًا من له نعلان من نار بغلي منهما دماغه". فكيف يقال: إن الحر مثل نار هذه أقل أوصافها ؟! أليس هذا مثل أن يقال: إن قرصة النملة مثل عضة الأسد ، أو مثل ضربة السيف وطعنة الرمح ؟! لا ريب أن حمل الحديث على هذا باطل شرعًا وعقلًا ولغة .
وأجابت طائفة أخرى قالت: إن الأحاديث على ظاهرها ، وإن الحرارة التي يجدها الناس في القيظ هي خارجة من جهنم . ولم يبالوا مخالفة المشهود . وعندي أن تكذب الحديث أفضل من هذا القول .
والجواب الصحيح في الحديث ، الذي لا يعدل عنه أن الحرارة من الشمس ، وأن الشمس من النار . أي إن الشمس جذوة من جذواتها ، وشرارة منقدحة منها . فالحرارة الآتية منها هي آتية من النار . وليس أمامنا مانع من أن تكون الشمس من النار . وقد تكاثرت
الأحاديث الصحاح بأن الشمس تدنو يوم القيامة من العباد ، وتصليهم نارًا حامية ، حتى يأخذهم العرق فيلجمهم ، وحتى يستصرخوا بالأنبياء من عذابها النكر وربما كان قوله تعالى: ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ) دالا على ذلك . فالشمس معبودة ، فهي ذاهبة مع عابديها إلى النار . وهي نار محرقة فهي من النار . هذا رأي .
وثم رأي ثان في الحديث ، وهو أن يقال: حرارة الصيف من الشمس ، وحرارة الشمس مكتسبة من النار وآتية لها منها ، فالحرارة آتية أصالة من النار . أو يقال: ما الشمس إلا شرارة من شرر النار ، إنقذفت منها ووقفت كما هي الآن لمصالح العباد .
هذه أمور ثلاثة في الحديث لا نرى عائقًا من أن تكون تفسيرًا له . وبها يزول ما في الخبر من إشكال .
الحمى من فيح جهنم
ومثل هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم"الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء"رواه البخاري ومسلم .
الحمى حرارة تتولد في الجسم إذا أصيب فيه أحد مراكز التدبير بسميات المكروبات ، أو بآلام أخرى شديدة . فإنها إذا أصيبت بذلك فسدت حركتها ونظامها ، فتولدت الحرارة المسماة بالحمى . هذا أمر لا شك فيه . ولكن ظاهر الحديث خلافه . فإنه ربما دل أن حرارة الحمى آتية من لهب النار المعدة للكافرين .
فقالت طائفة: إن في الكلام تشبيهًا . والمراد أن حرارة الحمى كحرارة جهنم في الإيلام والإيجاع . وفي هذا القول ما في القول الأول على الحديث السابق من الضعف .
والرأي الصحيح أن نقول: إن حقيقة الحمى ـ كما ذكرنا ـ تتولد في الجسم لإصابة مركز من مراكز التدبير فيه . غير أن الحرارة المتولدة بذلك هي من جهنم رأسًا . أي إن الله أخرج من النار جزءًا يسيرًا ونثره في الأرض يصيب به بعض خلقه إذا ما توفرت أسباب الإصابة . وأسبابها القريبة هي ما يذكره أهل الطب . ولكن الحديث تكلم فيه من جهة منشئه
ومبتدئه . ولا مانع أن يكون من غيرها . فإذا ما جاء الخبر الصادق بأن ذلك من النار لزم القول به .