فهرس الكتاب
وأما قوله"فأبردوها بالماء"فهو موافق للطب العصري ، حتى إن الأطباء العصريين يضعون ألواح الثلج على أجسام بعض المحمومين . غير أنه لا يجوز استعمال ذلك وتعاطيه بدون إرشاد الطبيب واستشارته . فقد يكون فيه ضرر لبعض المحمومين . والدواء كله إذا استعمل بوصف الجاهل عاد ضررًا ، وإن كان في أصله نافعًا مفيدًا . بل الغذاء إذا لم يؤخذ بالحكمة والتقدير كان قاتلًا أو ضارًا . فكل شيء يحتاج إلى رئيس ومختص يضعه بحكمة وتقدير . فالحديث يدل أن الماء البارد مما تعالج به الحميات ولكن بعد أن يعرف الميزان والمقدار فيه النافع ، وبعد أن يقدره العارفون به ، والعارفون بالطب . وهذا كما يقال: القرآن هدى ورشاد . وإذا قرأه غير العاقل وغير الفاهم له قد يكون ضلالا له وفتنة . وأمثال ذلك . فهذا الحديث من معجزات محمد صلى الله عليه وسلم الطبية العلمية التي لا يمكن معرفتها إلا بوحي أو تعلم ، وهو لم يتعلم ، فلا جرم أن تكون وحيًا .
الكافر يأكل في سبعة أمعاء
عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"المؤمن يأكل في معى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء"رواه البخاري ومسلم وروى مسلم عن أبي هريرة أن ضيفًا ضاف رسول الله وهو كافر فأمر له بشاة فحلبت فشرب حلابها ، ثم أخرى ، ثم أخرى ، حتى شرب حلاب سبع شياه . ثم أنه أصبح فأسلم فأمر له بشاة فشرب حلابها فأمر له بشاة فشرب حلابها ، ثم بأخرى فلم يستتمها . فقال رسول الله:"المؤمن يأكل في معى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء".
بيان الحديث أن المؤمن حقًا ، الصادق في إيمانه ، كثير التفكير في الآخرة ، وفي عذابها ، كثير الخوف من الله ، ومن عصيانه وعقابه ، كثير الخضوع والعبادة ، كثير السهر والتهجد والصلاة والصيام ، كثير الجهاد في سبيله وسبيل دينه ، كثير الورع والإبتعاد عن الحرام وعن مظانه ، وعن الشبهات ومواقعها ، كثير العناية بدينه وفهمه ، كثير البحث
والتنقيب عما يرضي الله ويقرب منه ، وعما يغضبه ويباعد عنه ، كثير الاحتياط لعقيدته وإيمانه خوف أن يصيبه شيء من غبار البدع والشبهات ، كثير الرغبة في الجنة والزهادة في الدنيا ولذاتها ، كثير هذه الأمور كلها: يقل نصيبه من الدنيا من مأكل ومشرب ، وملبس ومسكن ، وجمع مال فهو يأكل في معى واحد فقط . وهذا كناية عن أنه قليل حظه من الدنيا ولذائذها بتعلقه بالأمور المذكورة اللازمة للإيمان الصحيح . ولا يريد الحديث أن خلقته مخالفة خلقة الكافرين ، ولا أن تركيب بدنه خلاف تركيب بدن غيره .
وأما الكافر الذي لا يبالي بالدين ، ولا بما يغضب الله أو يرضيه ، فهو عكس المؤمن في ذلك . فليس له شيء يهمه سوى الدنيا ، والاستكثار منها ، والجمع لها ، والتفنن في تناول لذاتها ، واختراع المأكولات والمشروبات . فلا يبالي أن يأكل حرامًا ، وأن يجمع حرامًا ، ولا يبالي بالفقراء والمحتاجين ، الذين يتضاغون حوله جوعًا وعريًا ، لا يعرف لله ساعة يهب نفسه له فيها بعبادة ومناجاة ، أو تفكر في آلائه وشؤونه . وبالإجمال كل شيء فيه موقوف على الدنيا وعلى خدمتها . فهو كثير الحظ منها ، كثيرة الحظ منه ، فهو يأكل بسبعة أمعاء . أي أنه لا يراد بها حقيقتها . وهذا العدد يراد به التكثير لا التحديد ، مثل السبعين . كما تقول: لا يقبل الله من كافر عمله ولو عبده سبعين عامًا ، ولا من مبتدع بدعته ولو تقرب إليه بها سبعين عاما . وكذا تقول: سبع سنين . قال الله تعالى ( ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ) وقال: ( إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) لا يريد الله بذلك حقيقة السبعين ، ولا حقيقة السبعة ، وإنما يريد مطلق الكثرة .
وكذا الأكل هنا لا يراد به الأكل المعروف وهو إزدراد الطعام ، وإنما يراد معنى أعم ، وهو التمتع بها بالأكل ، أو اللبس ، أو الجمع والإدخار . وهو كقول الله ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) وقوله: ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقًا من أموال الناس بالإثم ) وقوله: ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا ) . فهذه الآيات لا تعني الأكل المعروف ، وإنما تعنى شيئًا أعم من ذلك هو ما تقدم . وبهذا يسلم الحديث من الإشكال الذي أورد عليه .
والذين جعلوا الحديث مشكلا هم الذين حسبوا أن الأكل هنا هو الأكل المعروف وأن
الكافر يأكل كما يأكل المؤمن سبع مرات . فعلموا أن هذا المعنى ليس صحيحًا ، وهو خلاف مشهود . فأجابوا عن الإشكال أجوبة ليس فيها مقنع . منها أن طائفة قالت: إن الحديث مراد به كافر معين ومؤمن معين .
ولعلك تقول: هذا الذي تذهب إليه في الحديث حسن لو لا أن الرواية الأخيرة تعانده فيما يبدو ظاهرها أن الأكل المراد به الأكل بدليل هذا إلى شرب سبع حلبات ـ وهو كافر ـ فلما أسلم شرب حلابًا واحدًا . فهذا كالتصريح أن الكافر يأكل كما يأكل المؤمن سبع مرات . فالأكل هنا هو الأكل ، والسبع هنا هي السبع .
فأقول لك: إن الأكل هنا جنس يتناول أنواعًا . يتناول الأكل حقيقة ، ويتناول اللبس ، والسكن ، والادخار ، والجمع ، وكل ما فيه تمتع .ودليل ذلك الآيات المتقدمة . وإذا ذلك كذلك فأحد أنواع الأكل الأكل المعروف ، كما فعل الرجل المذكور في كفره وإيمانه ، والأنواع الأخرى التي يتناولها لفظ الأكل دل عليها قوله"والكافر يأكل في سبعة أمعاء".
وسبب الحديث لا يكون مخصصًا عمومه . فالعموم باق على حاله ، وإن كان السبب خاصًا لا عموم له . وبيان هذا أن الرسول عليه السلام لما رأى ذلك الكافر وكثرة ما يأكل ذكر خلقًا من أخلاق الكافرين ، وهو التمتع باللذات المادية بشره وشدة . والمعاني تتداعى . وتفسير هذا قول العلماء"العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"يريدون أن اللفظ عامًا في دلالته وإن كان خاصًا سببه . وغالب عمومات الشرع أسبابها خاصة .هذا من جهة الأكل . أما من جهة العدد فلا ريب أنه لا يريد في مثل هذا الاستعمال تحديد العدد . ومثل ذلك أن تقول: فلان يتكلم بسبعة ألسن ، أو سبعة أفواه ، ويأكل في سبعة بطون ، او سبع أيدي ، وينظر بعيون كثيرة ، ويمشي بأرجل عديدة ، وأمثال ذلك . لا شك أن القائل لذلك لا يقصد العدد المذكور ، وإنما يريد المبالغة . ومن فهم من هذه الأقوال العدد فهو كمن فهم من قوله تعالى ( تجري بأعيننا ) وقوله ( والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون ) وقوله ( وخلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعامًا ) العدد . وكان كذلك الوزير الذي قال له الحجاج: اقطع لسان هذا . يشير إلى شاعر مدحه ونال إعجابه . فأخذ الوزير الموسى وآلة القطع وأحضر الشاعر ليقطع لسانه . وكان الحجاج يريد أن يعطيه مالًا يكف لسانه عن ذمه .
وبما ذكرنا صار الحديث واضحًا ، وقاعدة من قواعد الأخلاق الإسلامية . وهي أن المؤمن العاقل الحكيم لا بد أن يكون مستقلا من الشهوات المادية ، مستقلا من خدمة الدنيا لذاتها ، ليس بذلك الطماع الجشع ولا اللحز الشحيح ، ليس بعزيز عليه أن يضيع ماله في وجوه البر والخير ، بل له شأن أسمى من ذلك ، وغرض أعلى ، وهو تنمية الروح وتذكية العقل . ولا أهدم لأخلاق الأمم ، وللمدينة الفاضلة من الحرص على الماديات والشهوات .
أحاديث العين