فهرس الكتاب
روى البخاري ومسلم عن رسول الله عليه السلام أنه قال:"العين حق"وزاد مسلم"ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين"وثبت في البخاري وغيره عنه عليه السلام أنه كان يعوذ الحسن والحسين بهؤلاء الكلمات"أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة"ويقول"كان إبراهيم يعوذ بهن إبنيه إسماعيل وإسحاق". والأخبار في هذا الباب متواترة .
وقد اتفقت الأمم بالإجمال على أن للعين تأثيرًا . فلا تجد أمة إلا وفيها من يعرف بذلك ، ومن يصدقه ويعترف به ، ويروي فيه الروايات الكثيرة العجيبة التي يستحيل أن تكون كلها كذبًا ، وأن يكونوا تواطؤوا على الجهل والغلط والكذب فيها . بل يكاد يكون في كل بلدة من يعرف عنه ذلك الداء الوبيل ، والناس يحكون عنه الأشياء الكثيرة ، ويذكرون أنهم شاهدوها .
وسمعنا من أناس كثيرين أنهم يعرفون أناسًا لا تخطيء لهم عين حتى أنهم يقصدون لذلك . فإذا ما أراد إنسان الوقيعة بآخر أجر من يعرف بهذا للقيام بهذه المهمة ، فيقوم بها خير قيام ، ويقضي على تلك الفريسة بكلمة أو نظرة . وحدثني إنسان أنه كان في قريته شخص عرف بالحسد حتى إنه إذا مر فريق من الطير في السماء قال لهم: أي هذه الطيور تريدون ؟ فيشيرون إلى واحد فيقول فيه كلمة ، أو ينظر إليه نظرة ، فيخر ذلك الطير صريعًا . وكذلك يصنع بالبهائم والروايات في ذلك كثيرة . وكلنا يسمع من ذلك الشيء العجيب وإن كنا نرتاب في صحة كثير منه .
ونحن لا نقول: إن جميع ما يروى صحيح . وإنما نقول إنه مستحيل أن يكون كله غير صحيح . ولا شك أن أغلب أهل الأرض يؤمنون بذلك . والذين ينكرونه هم طائفة قليلة من المتعلمين السطحيين ولا أظن أن جمهور النوع الإنساني يتفق على الخطأ القرون الطويلة . ولئن جاز أن يتفقوا على الخطأ في أمر عقلي نظري فليس بجائز أن يتفقوا على الخطأ في أمر يرجع دليله إلى المشاهدة والحاسة . وأمر العين راجع إلى المشاهدة والحاسة . ولئن جاز هذا الذي لا يجوز فلن يجوز أن تجتمع الأديان كلها على الخطأ . وقد اجتمعت كلها على أمر العين ، والإصابة بها . والدين الإسلامي يقرر ذلك أصدق تقرير . وفي القرآن الكريم ما يومئ إليه . قال تعالى: ( قل أعوذ برب الفلق ) السورتين . فقد أنزل الله فيه قرآنًا ، وأمر الرسول بالتعوذ منه . وفي سورة يوسف حكاية عن يعقوب ( وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة ) الآية. يقول طوائف من المفسرين: إنه خاف على بنيه العين إذا دخلوا مجتمعين ، فأمرهم أن يدخلوا مصر متفرقين لئلا تصادفهم عين حاسدة .
وأما الطائفة المولعة بالإنكار والجحود فقد كذبت أمر العين ، وأنكرت الحسد ، وعدت المصدق به من العوام ، ولم تعبأ بأن تصادم دينًا أو تصادم روايات كثيرة صحيحة ، واتفاق جماهير لا يحصون . لم تبال بشيء من ذلك . وليس معها من دليل على تكذيبهم وإنكارهم الإنكار البات غير الاستبعاد القائم على الجهل المحض .
فإذا ما قيل لهم: من أين علمتم إنكار ما أنكرتم؟! وما برهانكم على أن الديانات مخطئة ، والأمم غالطة ، والروايات كاذبة ؟! لم يكن لهم من جواب غير أن يقولوا: لا يمكن أن يصيب الشخص الآخر بغير اتصال وملامسة ، ولا يمكن أن يؤثر بالحسي المادي إلا حسيّ ماديّ مثله نراه ونبصره بأعيننا ؛ فإذا ما قيل لهم ما المانع من أن يؤثر المعنوي بالحسيّ ؟! وأن تؤثر الروح بالجسم وبالروح أيضًا من غير ملامسة ومقاربة ؟! وما المانع أيضًا من أن يؤثر الجسم بالجسم بلا اتصال ؟! أو ما المانع من أن ينبعث من روح العائن أو من عينه أو من جسمه أمر يصرع المعين وان لم نبصره ؟! ما المانع من ذلك وإن كنت لا تراه ؟! وليس كل ما لا يرى باطلًا . وقد كان الناس قبل أن يخترعوا"الميكروسكوب"ينكرون الميكروبات لأنهم لا يبصرونها ولا يحسونها. ولو ذكرت لهم لكذبوا بها ، ولما آمنوا بها. أوليس من"الميكروبات"
ما دق على"الميكروسكوب"وما هو فوق"الميكروسكوب"؟! أي إن من النسمات التي تعرف"بالميكروبات"التي بها تحدث الأمراض ما لم يشاهد حتى الآن ، وما لم يحس مع العلم أنه يحدث الأضرار ويقتل الأحياء ؟! ولو قيل ذلك لطائفة الجحود والإنكار لم يكن لها من جواب فيه مقتنع .
فيا هؤلاء المنكرون ! ماذا تنكرون من ذلك ؟! أو لسنا نرى الحي يموت بمجرد أن تفارقه الروح ، ويحي بوجودها فيه ؟! وهل رأينا الروح أو أحسسناها ؟! أو لسنا نرى الحي يمهد ، أو يموت موتًا أصغر إذا جاءه ذلك الشيء المجهول المعلوم الذي نسميه نومًا أو موتًا ، ويصحو ويقوم إذا ما فارقه ونحن لا نحس ذلك ولا نبصره ؟! أو ليس الساحر يؤذي المسحور من غير إتصال ولا تلاق ؟! أو ليس الهم يذيب الجسم ، والفرح ينعشه ويملؤه رونقًا وبهاء . والفرح والهم غير محسوسين ولا مبصرين ؟! أو ليست الذكرى تلعب بالذاكر لعب النكباء بالرمح الخطل ، والذكرى غير محسوسة ولا مبصرة ؟! فماذا تنكرون بعد هذا يا هؤلاء ؟! إن من الأفاعي لنوعًا يخطف الأبصار ويسقط الأجنة من بطون أمهاتها عند المشاهدة والرؤية . وهذا النوع هو الذي قال فيه رسول الله عليه السلام"اقتلوا الأبتر وذا الطفيتين من الحيات ، فإنهما يسقطان الحبل ويلتمسان البصر"؟! وإن لم يقنعكم هذا قلنا لكم: إن من الأشجار لشجرة تنفعل بالرؤية والمقابلة ، فتنكمش إذا نظر إليها ناظر ، وتذبل وتتضاءل . وقد ذكرت ذلك المجلات المصرية نقلًا عن الغربية . وصورت هذه الشجرة .
تصحيح العلوم العصرية لهذه الأحاديث:-
فإن لم يقنعهم ما قدمناه قلنا لهم: أنظروا إلى التنويم المغناطيسي . أنظر كيف ينوم الشخص الآخر ، ويفقده حواسه ، ويتصرف فيه كما يرى ، بمجرد أن يقف أمامه ، وأن ينظر إليه ويفكر فيه . بذلك يقضي شعوره ووجدانه ، حتى لا يحس ضربًا ولا ألمًا . وليس في هذا التنويم شيء من الاتصال والملامسة , وإنما هو تسليط روح على روح . أليس هذا هو مثل الحسد الذي ينكرونه ويجحدونه أثبته العلم إثباتًا لا يتحمل النقض ؟! .
إن التنويم المغناطيسي ، وتصرف المنوِّم في المنوَّم هو من عمل الروح وتصرفها . وكذلك الحسد الذي يأبون الإيمان به:
والروح لها شأن عجيب غامض . والزمان يفسرها شيئًا فشيئًا .
والناس كلهم يلزمهم أن يؤمنوا بتأثير العين ، وبتأثير غير المباشر ، وبتأثير الروحي المعنوي في الحسيّ المادي . فإنهم جميعًا يقولون: إن لهذا العالم المتقلب المضطرب ، الحي ، الميت ، المتحرك ، الساكن , قاهرًا وسلطانًا غائبًا عن الأبصار والحواس يدبره كما نراه بلا اتصال ولا مباشرة . وليس تدبيره إياه موقوفًا على أن يتصل به ، وأن يباشره . إذًا مالهم أنكروا ذلك في الأرواح وهم به مؤمنون ضمنًا . هم بين أمرين: إما أن ينكروا رب العالم ومصرفه . أو ينكروا قولهم الذي أنكروا به تأثير العين .
ما يروى عن إبراهيم من الكذب