فهرس الكتاب

الصفحة 1265 من 2255

عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات . ثنتين منهن في ذات الله . قوله ( إني سقيم ) وقوله ( بل فعله كبيرهم هذا ) "قال"وبينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة فقيل له: إن هذا رجل معه امرأة من أحسن الناس . فأرسل إليه فسأله عنها . فقال: من هذه ؟ قال: أختي . فأتى سارة فقال: يا سارة ليس على وجه الأرض مسلم غيري وغيرك . وإن هذا سألني عنك فأخبرته أنك أختي . فلا تكذبيني . فأرسل إليها . فلما دخلت عليه ذهب ليتناولها بيديه . فأخذ فقال: إدعي الله لي ولا أضرك . فدعت الله فأطلق . ثم تناولها الثانية ، فأخذ مثلها وأشد . فقال: إدعي الله لي ولا أضرك . فدعت الله فأطلق . فدعا بعض حجبته فقال: إنك لم تأتي بإنسان إنما أتيتني بشيطان . فأخدمها هاجر . فأتته وهو يصلي . فأومأ بيده: مهيم ؟ قالت: رد الله كيد الكافر في نحره ، وأخدم هاجر"رواه البخاري . ورواه مسلم بسياق آخر مخالف لهذا السياق بعض المخالفة . والحديث صحيح الإسناد لا مغمز فيه . موافق لما في القرآن الكريم . مفسر لما ذكر عن إبراهيم عليه السلام فيه .

وقد كذب الحديث جماعة ، واعتلوا بعلل ضعيفة:

قالوا أولًا ـ هذا خلاف قول الله تعالى في إبراهيم من سورة مريم ( واذكر في الكتاب إنه كان صديقًا نبيًا ) قالوا والصديق هو الذي لا يكذب .

وقالوا ثانيًا ـ لا بد أن يكون الرسول معصوما من الكذب . ولو جاز عليه الكذب لما وثق بشيء من قوله . وهذا خلاف الإجماع وخلاف الدين .

قالوا ثالثًا ـ إن الأمور المذكورة عنه عليه السلام ليست من مادة الكذب ، ولا مما يصدق عليه تعريفه . إن هي إلا معاريض . وفي المعاريض مندوحة عن الكذب . فالحديث الذي يقول إنها كذب لا يكون صحيحًا لمخالفته اللغة والواقع .

وقالوا رابعًا ـ إذا كان مثل ذلك يسمى معاريض , ويسمى كذبًا ، فلماذا اختار رسول الله في حق خليل الله أبشع اللفظين ؟! ولماذا لم يقل أحسنهما ؟! ولماذا لم يسمه معاريض ؟! .

هذه هي شبهتهم التي كذبوا الحديث لأجلها .

ونحن نقول في جواب هذه الشبهات:

أما الأولى ، وهي أنه صديقًا نبيًا . فلا ريب أن مغزى الآية هو الثناء على إبراهيم بفضيلة الصدق . بيد أن الصدق صدقان: صدق ممدوح وآخر مذموم . كما أن الكذب كذبان: كذب ممدوح وآخر مذموم . وقد يجب الكذب أحيانًا ، كما يحرم الصدق أحيانًا . وقد يزم الصادق تارة ، كما يحمد الكاذب أخرى . فالممدوح من الكذب هو ما كان فيه مصلحة دينية ، أو دفع مظلمة ، أو فساد . والمذموم من الصدق هو ما جلب أحد هذه المفاسد أو كلها . فلو سألك ظالم عن إنسان يريد أن يقتله ظلمًا ، وكان يترتب على أن تصدقه قتله ، لوجب عليك أن تكذبه ، ولحرم عليك صدقه . ولو كان في منزل أحدنا أحد أنبياء الله ، فجاء من يريد إيذاءه ، أو قتله لوجب علينا ألا نخبر بوجوده ، ولكان الكذب فضيلة ، والصدق هو الجريمة . ولو سألك عدو للمسلمين عن موطن ضعفهم ، وعن مقتلهم ، لما جاز لك أن تخبره الخبر على وجهه وللزم التضليل لذلك العدو . ولو كان يترتب على كذب المصريين جميعًا أن يخرج الإنجليز من مصر ، وأن يستقلوا في بلادهم ، لكان كذب المصريين كافة من الواجبات المقدسة الدينية والوطنية . ولو رأيت من يريد الفجور بامرأة ، وكنت قادرًا على دفع الفجور بالكذب ، للزم أن تكذب .

وبالإجمال فكل كذب يجلب مصالح عامة للدين ، أو للوطن ، فهو من الفضائل . وكل صدق يجلب فسادًا أو عدوانًا للدين أو الوطن فهو من الرذائل . وسر الكذب أنه ليس مذمومًا لأنه مؤلف من"ك . ذ . ب"وأن الصدق ليس ممدوحًا لأنه مركب من"ص . د . ق"بل مدحهما وذمهما لما يثمرانه من فساد وصلاح . وقد كان رسول الله عليه السلام يورى في حروبه ، ويقول"الحرب خدعة"وكان يجوز لأصحابه أن يكذبوا ، وأن يقولوا فيه وفي دينه ما تدعو إليه الحاجة إذا أراد المكنة من أعداء الإسلام ، وصناديد الضلال الذين وقفوا في طريق دعوته ، وخانوا عهوده , ونقضوا مواثيقه ، وأسرفوا في التأليب عليه وعلى دينه . كما أباح لمحمد بن مسلمة أن يقول ما شاء في قتله كعب بن الأشرف اليهودي الذي آذى الله ورسوله ، وأخذ يدعو العرب وغيرهم لحرب الإسلام وحرب المسلمين بما أوتي من جاه ومال . وقد كان رسول الله عليه السلام راكبًا مع أبي بكر رضي الله عنه في سفر الهجرة ، فكان الناس يعرفون أبا بكر يجهلون رسول الله . فكانوا يسألون أبا بكر من هذا الذي معك ؟ فيقول"هذا هاد يهديني السبيل"فيفهمون أنه يريد الطريق . وهو يريد السبيل إلى الله . وقد صح في مسلم عن رسول الله عليه السلام أنه قال:"ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيرًا وينمي خيرًا"وفيه أيضًا عنه أنه لم يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث: في الحرب ، والإصلاح بين الناس ، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها .

إذا كان الصدق منه الممدوح والمذموم لم يمكن أن يمدح إبراهيم عليه السلام بالصدق المذموم البتة . الآية تريد مدحه الريب . فلا تعارض بين الحديث بين هذه الآية كما ترى . وهذه الكذبات المذكورة هي من الكذب الممدوح المباح الذي قد دفع عدوان المعتدي ، وفيه حفظ عرض من أشرف الأعراض وخذلان كافر من أظلم الظالمين . ولهذا يقول إنها في ذات الله . فالآية في شط والحديث في آخر .

ثم إننا إذا أردنا أن نفهم قوله ( صديقًا ) من حيث ما يدل الوضع العربي لم يدل على ما قالوه . فإن"الصديق"هو كثير الصدق مبالغة في"صادق"وليس معناه المعصوم الذي لا يكذب .

وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عبدالله بن مسعود عن رسول الله غليه

السلام أنه قال:"لا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا ، ولا يزال يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا"فهل معناه أنه يكون معصومًا من الكذب ، او من الصدق . وأمثال ذلك في لسان العرب . فمثلًا"الطيِّع"هو كثير الطاعة مبالغة في"طائع"وليس معناه الذي لا يعصي أبدًا . وكذا"الكذاب"وهو كثير الكذب و ليس هو الذ لا يصدق . هذا عن الشبهة الأولى .

وأما الشبهة الثانية ، وهي أنه لو كذب لما وثق بشيء من قوله فيقال نحن: لا نجوز عليه الكذب المذموم الممنوع ، ولا الكذب في الوحي والتبليغ فيلزم ما قالوا . وإنما نجوز من ذلك مثل ما في هذا الحديث وهو الكذب الذي فيه دفاع عن الفضائل والآداب والأعراض والدماء من غير أن يكون منه شيء في التبليغ فليس بلازم ما ذكروه .

وهذا كما نعلم أنه جائز لكل مسلم أن يكذب إذا كان في كذبه مصلحة عامة راجحة على صدقه ، أو كان فيه دفع عدوان عن عرض أو دين أو فضيلة كما أسلفنا . وهذا لا يسلب جميع المسلمين العدالة وصفة الأمانة .

وأيضًا قد قامت البراهين على أن الأنبياء عليهم السلام معصومون في التبليغ والوحي ، ولا يطعن في عصمتهم ما ذكرنا . وكل شيء يجب أن يكون موجودًا إذا وجد برهانه . وبرهان عصمة الأنبياء موجود مطلقًا فيجب أن تكون لهم العصمة مطلقًا . وهذا قول لا يرد ، إلا أن يزعم المخالف أنه ليس له برهان على عصمتهم إلا إذا كذب هذا الحديث ومافي معناه . وهو غير ممكن أن يقوله .

وأيضًا هذه الشبهة لاحقة النسيان والخطأ في الاجتهاد . وقد يخطئون فيما اجتهدوا فيه ـ لكن لا يقرون على الخطأ ـ لا فيما قالوه وحيًا عن الله . فما كان جوابا عن النسيان والاجتهاد كان جوابًا عن هذا الحديث سواء . هذه الشبهة الثانية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت