فهرس الكتاب

الصفحة 1266 من 2255

وأما الشبهة الثالثة ، وهي أن الأشياء المذكورة عن إبراهيم معاريض وليست من الكذب . فيقال: هذا أمر راجع إلى اللغة ، لا إلى النظر والعقل ، ولا ريب أن المعاريض تسمى كذبا . فإن المتكلم المخبر يعنى بكلامه معنى في نفسه ، ويريد أن يفهم من يخبره معنى . فإن كان الواقع مخالفا لما يريد أن يفهمه المخبر السامع ، فهذا هو الكذب المحض البريء من

الصدق ، وإن كان مخالفًا لما يريد أن يفهم السامع فقط فهو كذب من جهة التفهيم ، صدق من جهة ما يعنيه. فهو كذب من جهة، صدق من جهة أخرى وهذا ما يسمى بالمعاريض في اللغة .

ولا ريب أنه لو سأل سائل عم إنسان معك فقال لك: من هذا ؟ فقلت: هذا أخي . وأنت تريد أن تفهمه أنه أخوك من النسب ، وفهم أنه كذلك ، وهو في الواقع بعيد النسب عنك ، وإنما أردت أخوة الإسلام ، لكنت كاذبا ، ولشمل قولك هذا تعريف الكذب . ولو كان عليك لأحد دين ، فطالبك ، فقلت ليس عليَّ له شيء ، وأقسمت على ذلك ، لكنت كاذبًا آثمًا وإن كنت تعني معنى آخر في نفسك صدقا . وكذا أمثال ذلك في الكلام . وأقوال إبراهيم عليه السلام هي من هذا القسم . ومن الإسراف الذي لا يرضاه الله أن نرد الأخبار الثابتة في الاختلاف على موضوع لغوي لم يتثبت منه .

وأيضًا الذي يبدو من القرآن أن هذه الأقوال منه عليه السلام كذب محض في ذات الله ، لإذلال الكفر والضلال ، وليست من المعاريض ، ولا سيما قوله ( بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون ) والتآويل التي يحملونها هذه الآية لا تصح . وذلك كما كان بعضهم يقف في القراءة على قوله ( بل فعله ) ويبتدئ بقوله ( كبيرهم هذا ) ولا يريد أن يكون ( كبيرهم ) هو الفاعل . ويجعل ( كبيرهم هذا ) مبتدأ وخبرًا . وهذا ضرب من الألغاز والتعمية لا يوجد في كلام من يريد أن يفهم مراده . وكما يقول فريق: إن قوله ( بل فعله ) مشروط بقوله ( إن كانوا ينطقون ) أي فهم لا ينطقون ، فهو لم يفعله . وهذان القولان مبنيان على أن إبراهيم كان عربي اللسان . وما كان كذلك . ومراد إبراهيم عليه السلام بقوله هذا أن يوبخهم ، وأن يفند آراءهم ، وأن ينبههم إلى غلطهم وضلالهم بأسلوب لا يضطرهم إلى الانجفال منه . لأنه إذا قال: إن الذي كسر الأصنام هو الصنم الكبير عرفوا أنه لا يمكن الصنم أن يكسر شيئا ، ولا أن يفعل شيئا . وعرفوا أنهم على ضلال في عبادتهم هذه الأصنام حاسبين أنها تقضي لهم شيئا ، وتدفع عنهم شيئا ، وعرفوا أن الدعوى بأن كبيرهم هو الذي كسرها لا تقبل ، وعرفوا أن زعمهم فيها ما يزعمون كذلك لا يقبل ، فنتج المطلوب الذي كان يقصده عليه السلام ، وهو أن يعرفوا في أنفسهم أنهم في ضلال مبين ، وأن أصنامهم ليس لها أن تفعل ، ولا أن تعبد ، ولا أن ترجى . وهذا من محكم الرد على المخالف وحكيمه . ولقد أخذ هذا الرد مجراه ، وبلغ من

أنفسهم ما أراده عليه السلام فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا ( انكم انتم الظالمون ) ولكن العناد سحبهم بعد إلى ضلالهم وإلى مشاكسة الحق بعد عرفانه . وهذا شأن كثير ممن أضله الله قديمًا وحديثًا ( ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ) .

وقد جاء في صحيح مسلم في حديث الشفاعة أن أحد كذباته عليه السلام هي قوله للشمس والقمر والكوكب ( هذا ربي ) من سورة الأنعام . ولم يذكر قصة الجبار . وهذا ظاهر في أنه أراد الكذب الصريح في ذات الله . وما يذكره بعض الناس في الآية من التقدير"أهذا ربي ؟"على أن هناك استفهامًا حذف فهو ضعيف جدًا من جهة اللغة ومن جهة سياق الآية نفسها . وقوم إبراهيم كانوا يعبدون الشمس والقمر والنجوم، فأراد عليه السلام أن يستدرجهم ، وأن يبطل ما يذهبون إليه بطريقة خفيفة لطيفة لا يهربون منها ، ولا ينكرونها ، فيدعى لهم أولا أنه منهم ، وأنه على رأيهم ليستأنسوا به وبما يقول ، وليستمعوا إليه ثم يرجع على عقيدتهم بالإبطال تدريجيًا شيئًا فشيئًا ، فيبطل أولا إلوهية الكوكب لما يشاهده هو وهم فيه من أمارات التسخير و التصريف الاضطراري لمصرف قاهر فوقه . وذلك أنه مسوق ومقود إلى جهة معينة ، في مواعيد معينة ، في سرعة معينة ، لا يعدوها ولا يقدر أن يعدوها . وهذا ظاهر عليه وعلى سائر ما نرى من المخلوقات . والإله لا يكون مسخرًا مذللا مقهورًا . وهذا معنى ( لا أحب الآفلين ) ثم يفعل ذلك في جميع معبوداتهم حتى الشمس التي هي أعظم ما يرى وأجمله وأضواؤه بذلك البرهان العجيب وهو ما يشاهد فيها من الضعف والسير البريء من الاختيار الذي لا يمكن أن تخرج عنه ومن نظر إلى الشمس وإلى سيرها بل إلى الأفلاك كلها علم ضرورة أنها مصرّفة مسوقة بلا اختيار وأنها تسبح في أفلاكها سبوحًا قهريًا ليس لها فيه إرادة . وإلى هذا الإشارة بقوله ( لا أحب الآفلين ) .

ولو أن إبراهيم بدأهم بالإنكار والتجهيل . أو لو أنه أنكر آلهتهم مرة واحدة ، وجمعها في كلمة الإنكار ، لما كان لقوله أن يبلغ من أنفسهم ما بلغ ، ولما كان له أن يظهر عليهم كما ظهر . ولهذا أعظم القرآن طريقة إبراهيم هذه . وقال في خاتمة الآيات ( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ) فيا ليت من يدعون إلى الله وإلى الإصلاح الديني أو الوطني يقتبسون شيئًا من طريقة أنبياء الله ، ويسلكون ما يسلكون في

دعوتهم . وأما قوله ( إني سقيم ) من الصافات فنحن نذكر القصة من أولها ليفهم مغزاها .

( وإن شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أئفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون مالكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربًا باليمين وأقبلوا إليه يزفون قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعلمون قالوا ابنوا له بنيانًا فألقوه في الجحيم فأرادوا به كيدًا فجعلناه هم الأسفلين ) .

والذي يبدو من سياق الآيات أنه كان هو وهم في مكان واحد لدى أصنامهم ولعل ذلك كان لعبادتهم . وأنه اليوم الذي يخرجون إليها ليرفعوا لها النذور والتعظيم والعبادة كما يفعله أمثالهم اليوم في بلادنا هذه في الأولياء والصالحين ، وإن قوله ( فنظر نظرة في النجوم ) هي النظرة المذكورة في سورة الأنعام التي رأى فيها الكوكب والقمر والشمس ، وأبطل إلوهيتها . ثم إنهم بعد ذلك الموقف وذلك الحجاج أرادوا الرجوع إلى مساكنهم ، والإنفضاض من حول أصنامهم . وكان إبراهيم قد صمم في نفسه على أن يحطم أصنامهم ، وأن يصيرها جذاذًا إذا رجعوا وخلفوه ، فأراد أن يتخلف عنهم ، فقال لهم: إنني لا أقدر على القفول لأني مريض فلا أبرح مكاني هذا . فلما ذهبوا وتركوه راغ إلى أصنامهم فأعمل فيها معول الحق فحطمها تحطيما وصيرها هباءًا إلا أكبرها ليتهمه بما فعل . ثم إنهم علموا بما فعل ، فجاءوا إليه مسرعين محنقين ، فطفق يجادلهم ويحاجهم ، فما قبلوا منه حجة ولا برهانًا ، وما كان لديهم ، وما كانت حجتهم إلا أن أججوا له نارًا وقذفوه فيها ، وهذه هي حجة المبطلين دائمًا في السابق واللاحق ، في الأولين والآخرين . فجعلها الله عليه بردًا وسلامًا ونجاه مما أرادوا به ، وجعلهم هم الأخسرين . وكذلك العاقبة تكون أبدًا للمتقين والفوز للصابرين .

هذا هو ظاهر الآيات ومن القصة من غير أن نراجع تفسيرًا أو أن نسمع كلامًا فيها من أحد . فقوله ( إني سقيم ) كذب في ذات الله ، كما قال رسول الله عليه السلام ، وكما ظهر من الآيات . هذا عن الشبهة الثالثة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت