فهرس الكتاب
وأما الشبهة الرابعة ، وهي قولهم: لماذا اختار أبشع اللفظين ؟ فيقال: إن قوله"كذب في ذات الله"ليس فيه بشاعة ، وإنما يكون بشعًا لو قال"كذب"وسكت . أما إذا ذكر أن
الكذب كان في ذات الله، ولأجل الله ورضوانه فما فيه شيء، وليس بحرام . بل قد يكون جائزا ، وقد يكون واجبًا إذا ما كان الصدق فيه فساد في الأرض أو خذلان لحق كما قدمنا . وكيف يكون الواجب بشعًا ، وكيف لا يكون التحديث عنه جائزًا لا شيء فيه .
وأيضًا إن مثل هذه العبارة ضرب من ضروب المدح والثناء ، ضرب من الإطراء . فإذا قيل: لم يكن من فلان في حياته كلها كذب ـ لا في هزل ولا في جد ـ إلا في ثلاث كذبات كان ذلك القول في أقصى عبارات المدح . وهذا كما يقال"كفى المرء نبلًا أن تعد معايبه"، فحصر عيب الإنسان لا يكون عيبًا . فإذا قيل: لم يعص فلان إلا مرتين في حياته كان هذا القول مديحًا قطعًا . وليس معناه أن الكذب نفسه ممدوح ، ولكن المدح يؤخذ من العبارة كلها .
وأيضًا قد ذكر القرآن في حق الأنبياء عبارات قد تكون مثل نسبة الكذب إلى إبراهيم وقد تكون أشد . فقال في خاتمهم ( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) وقال ( واستغفر لذنبك ) وقال في آدم ( وعصى آدم ربه فغوى ) وقال ( وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعًا وأناب فغفرنا له ذلك ) وهذا في القرآن غالب .
وحينئذٍ يقال: هذه الكلمات إما أتكون على ظاهرها ، وأنه وقع منهم ذنوب ، فلتكن كذبات إبراهيم منها ولتكن من الذنوب الجائزة في حق الأنبياء . وإما ألا تكون على ظاهرها ، وأنهم ليست لهم ذنوب في الحقيقة ، وتلك الآيات مذهوب بها عن ظاهرها . فيقال: إذًا لماذا اختار هذا التعبير البشع الذي يوهم النقصان ؟ ولماذا لم يأت بالعبارات البعيدة عن ذلك ؟ وهذا السؤال في الآيات كالسؤال في الحديث . فما كان جوابًا عن الآيات كان جوابًا عن الحديث .
حديث الذي حرق نفسه
عن أبي هريرة عن رسول الله عليه السلام قال:"قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله: إذا مت فحرقوني ، ثم اذروا نصفي في البحر ونصفي في البر ، فوالله لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين . فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم . فأمر الله البحر فجمع ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه ثم قال: لم فعلت هذا ؟ قال: من خشيتك يا ربي ، وأنت أعلم ."
فغفر الله له"رواه البخاري ومسلم . وروياه أيضًا من حديث أبي سعيد . ورواه البخاري عن حذيفة ."
قد عد هذا الحديث قوم مشكلا فإن ظاهره أن الرجل كان شاكا في قدرة الله لأنه قال لئن قدر الله عليّ . وقد غفر له . ومن شك في قدرة الله لم يكن مسلمًا . ومن لم يكن مسلمًا لم يكن أهلًا لأن يغفر له . فالحديث من المشكلات .
فأجابت طائفة قالت: إن"قدر"هنا بمعنى ضيق كقوله تعالى ( يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) وقوله: ( وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن ) وقوله في ذي النون ( إذ ذهب مغاضبًا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات ) كل ذلك صائر إلى معنى ضيق .
وهذا القول ضعيف لأن تقدير الكلام إلى"لئن عذبني ليعذبني"وهذا يقرب من إتحاد الجزاء والشرط ، لأن التضييق لا يعبر به في الكلام الفصيح عما في الآخرة، وعما بعد الموت . وإنما يستعمل في الدنيا وضيقها وفقرها وبؤسها . وأما الآخرة ففيها العذاب والآلام والنيران الحامية . فما معنى التضييق في الآخرة . على كل حال سياق الكلام يأبى هذا القول .
قالت طائفة: كان جائزًا في الشرائع الأول أن يغفر لمن كفر ، وهذا الرجل الذي شك في قدرة الله كان من بني إسرائيل . وهذا قول لا يلتفت إليه .
وقالت طائفة: إن الجاهل قد يعذر بجهله ، وإن جاء كافرًا ، ما دام غير متعمد وهذا الرجل جاهلا . فهو معذور غير مأخوذ . وهذا القول كالأول لا يعتد به . ولو صح لنجا اليهود والنصارى وطوائف الكفر الذين كفروا بجهالة وما كانوا عالمين .
وقالت طائفة: إنه قال ذلك القول في حالة وجل وخوف وغيبوبة فغلط لسانه ، وتفوه بما لم يرده . وهذا كالرجل الذي قال"اللهم أنت عبدي وأنا ربك"من شدة الفرح والأعمال بالنيات . والله لا يؤاخذه إلا بما قد عقد عليه القلب ، لا بما سها به اللسان . ولا يقرب من الصواب أن يكون مقام هذا الرجل مقام من يغلط لسانه ، ومن يقول ما لا يريده جنانه . ومن البعيد الذي يضاف إلى المستحيل أن يكون ذلك القول غلطًا لسانيًا لم يقصده القلب .
الجواب الصحيح:
والجواب الصحيح أن الكلام فيه شيء من المجاز ، وأنه قد وضع اللازم فيه موضع الملزوم , أو وضع السبب موضع المسبب وأن تقديره"لئن جمعني ليعذبني عذابا"فوضع القدرة موضع الفعل ، لأن الفعل تلازمه القدرة , ولا يمكن أن يكون فعل بلا قدرة . فإذا كان فعل علمنا أن هناك قدرة . وإذا علمنا أن هناك قدرة علمنا أنه يجوز أن يكون فعل ، وإذا امتنعت القدرة امتنع الفعل ، وإذا امتنع الفعل فليس بلازم أن تمتنع القدرة . ومثل هذا التوسع في الكلام مألوف معروف عند العرب , شائع في مخاطباتهم , بل هو موجود في كلام الناس اليوم . فهم يقولون: هل تقدر أن تذهب معي ؟ وهل تقدر أن تذهب إلى مكان كذا ؟ وأن تفعل كذا ؟ وهل تقدر أن تقول لفلان وأن تكلم فلانًا ؟ ويقولون: إنك لا تقدر أن تقول لي مقالة كذا , ولا تقدر أن تكتب في موضوع كذا . وأمثال هذا الكلام الشائع . يقولون ذلك لمن يستطيع أن يفعل وأن يعمل ، وهم يريدون بالقدرة هنا الفعل ، وإنما عبروا بها عنه لأنها لازمة له وسابقة ولا يكون إلا بها. فكذلك معنى قوله"لئن قدر علي ليعذبني"أي لئن جمعني وحاسبني ليعذبني . وقد جاء في القرآن آية مثل هذا الحديث تمامًا قال الله تعالى في آخر سورة المائدة ( إذ قال الحواريون يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ) وما كان الحواريون شاكين في أن الله يستطيع أن يفعل ذلك ، وإنما أرادوا ( بيستطيع ) يفعل ، ولا خلاف .
وقد حسب هذا الرجل أنه إذا فرق نفسه ذرات في القفار والبحار كان أهون على الله من أن يجمعه وأن يحاسبه ، وكان أقل في نظر نفسه من أن يعبأ الله بجمع تلك الأجزاء الحقيرة الضائعة المبعثرة . هذا ما كان حسب ، وما كان قدر في عقله . ولا يمكن أن يكون شاكا في قدرة الله . والحديث يدل على أنه مؤمن به خائف منه ومن عقابه , مؤمن بعذابه وحسابه . حتى إن القصة يتبادر منها أنه كان مليًا بسيطًا ليس بالفيلسوف الباحث . ومثل هذا لا يكاد يصح أن يكون منكرًا لقدرة الله . هذا تحقيق كلمة القدرة هنا .
شبهة أخرى:-
فإن قلت: ما قلت في كلمة القدرة لا بأس به إلا أن في الحديث إشكالا آخر . وذلك أن
صنعه هذا يدل على أنه كان شاكا في بعثه وبعث من تفرقت أجزاؤه , ولو لم يكن كذلك لما حرق نفسه وذراها . وقوله"لئن قدر عليّ"التي فسرتها بالفعل يدل على شكه أيضا . وإذا كان شاكا في البعث فكيف غفر الله له والشك في البعث كفران ؟ وهل الكافر يغفر له ؟