فهرس الكتاب
قلت: أغلب الناس لا يعرف دليل البعث إلا من الشرع ، ولا يعرفه من العقل . فالبعث عند هذا الصنف من الأمور السمعية النقليّة لا الأمور العقلية . فلا تقوم الحجة عليه إلا بأن يطلع على السمعي القائل بذلك . أما إذا جهل السمعي ، وأنكره بناء على جهله ، فلا تقوم عليه حجة . وهذا الرجل ما كان عالمًا بدلائل البعث الشرعية ، ولم يعرفه بعقله ، فشك فيه جاهلا ، فكان معذورًا . ومثل هذا من الشك قي بعض أحوال الآخرة ، وأهوال يوم القيامة ، وصفات الجنة والنار أعاذنا الله منها لأنه لم يعلم الآية التي ذكرت عددها ، أو شك في الصراط وفي صفته لم يكفر . ولا خلاف في ذلك .
شبهة ثالثة في الحديث:
وهي أنه يقول: إن الرجل لم يعمل خيرًا قط . والتوحيد ولا إيمان بالله وبالرسل والملائكة والكتب من أعمال الخير ، فظاهر الحديث أنه لم يؤمن بهؤلاء . كما أن ظاهره أيضًا أنه لم يأت بأركان الإسلام: الصلاة والصيام والزكاة والحج . فكيف يغفر له حينئذٍٍ ؟! .
عن هذا جوابان:
الأول ـ أن يكون المراد أنه قد جاء بحسنات وسيئات ، فساوت الحسنات السيئات ، فذهبت بها , ولم تبق منها حسنة ، وصار كمن لم يعمل خيرًا قط . ونظير ذلك رجل يكسب كل يوم مائة قرش , وينفق في جانب آخر كل يوم مثلها ، فإذا ما إستمر كذلك سنة وأردنا أن ننظر فيما كسب في هذه المدة ، فإننا نقول بعد الحساب: إن هذا الرجل لم يكسب شيئًا قط . وإذا فرضنا أن مواليد الأمة المصرية مائة ألف وموتاها كذلك في سنة 1935 فإنه يصح لنا أن نقول: إن الأمة المصرية في السنة المذكورة لم يأتيها عدد جديد ، أو لم يولد لها ، وأمثال هذه العبارات . وربما فسر هذا ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يومًا لأصحابه"أتدرون من المفلس"قالوا: المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا دينار . فقال:"المفلس من يأتي"
يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ، ويأتي وقد شتم هذا وسفك دم هذا ، وأكل مال هذا . فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى عليه ، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه وطرح في النار"رواه مسلم . والمفلس هو الذي لا شيء له وكأنه لا عمل له وكأنه لم يعمل خيرًا قط . وبهذا الجواب تنحل شبهات كثيرة عن أحاديث معروفة . فليكن القارئ على ذكر ."
والجواب الثاني ـ إن العمل إذا أطلق إطلاقًا ، كما قيل عمل فلان عملا صالحا ، أو عمل سيئًا ، لا يذهب عند هذا الإطلاق إلا الأعمال الجوارح من صلاة وصيام وحج ونظائره ولا يذهب لأعمال القلب من الإيمان والتصديق والرحمة وحب العدل والحق وأمثاله . لهذا كثيرًا ما يقرن القرآن العمل الصالح بالإيمان مثل ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) الآيات . إذًا مراده هنا أنه لم يعمل عملًا مما تقوم به الجوارح لا أنه لم يؤمن .
فإذا قلت: وهل تارك الأعمال كالصلاة والصيام يغفر له ؟! أوليس تارك ذلك كافرًا كما صح عن رسول الله عليه السلام بالأسانيد الصحيحة ؟! .
قلت أولًا: لعل هذا الرجل ما كان آمن إلا في آخر حياته . فلم يمكنه أن يؤدي عملًا من الأعمال . وذلك ككافر أسلم بعد ما طلعت الشمس فمات قبل أن تجب صلاة الظهر فإنه يغفر له ، وهو لم يعمل خيرًا قط .
وقلت ثانيًا: لعل أعمال الجوارح في الأمم الذاهبة ليست شريطة للغفران والقبول وبهذا زال والحمد لله من الحديث كل إشكال ، وأصبح حديثا جليلا دالا على ما في عفو الله من سعة ، وعلى ما في خوفه من أجر ومثوبة . والخوف من الله هو لباب العبادة . ومادة التقوى . فمن لا خوف له لا تقوى له .
تعذيب الميت ببكاء الحي عليه
روى البخاري ومسلم وغيرهما من طرق مختلفة عن جماعة من صحابة رسول الله عليه السلام أنه قال:"إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه"وفي رواية ببعض بكاء أهله"وفي"
لفظ"يعذب ببكاء الحي عليه"
قامت الدلائل القطعية الدينية التي لا تتحمل الجدال على أن المرء لا يؤاخذ بما قدمت يداه ، وبما جناه . والقرآن الكريم دال بجملته على ذلك . لهذا كان الحديث مشكلا جد الإشكال . لأن ظاهره يقاوم هذه القطعيات الدينية . فافترقت الآراء هنا ، وكثرت الأقاويل في شرحه والعثور على معناه .
وقد أنكرته طائفة ، منهم عائشة زوج النبي . رواه عنها البخاري ومسلم . وقالت حسبكم القرآن فإنه يقول ( ألا تزر وازرة وزر أخرى )
وقالت طائفة: إنما يكون ذلك إذا أوصى الميت أهله بالبكاء عليه فإنه يعذب حينئذٍ وإلا فلا . وكان من عادة العرب أن يوصوا بالنياح عليهم ، وهو موجود في أشعارهم .
وقالت طائفة: هذا لمن أهمل تعليم أهله أن النياحة محرمة . فإنه يعذب لأنه لم يعلم أهله ما يتقون ، وما يجلب سخط الله ، وهو راع لهم مسئول عن رعيته ، وهو القوام عليهم .
وقالت طائفة: هذا في الكفار والمشركين لا المسلمين .
وقالت طائفة: هذا وارد في إنسان بعينه، والألف واللام في الميت للعهد لا للإستغراق.
وقالت طائفة بظاهره ، وعقلت أن الميت يعذب بما يبكي عليه ولم تكترث أن تخالف الدلائل القطعية . وقد قيل غير ذلك .
وهذه أقوال لا تطمئن النفس إلى شيء منها ، ولا يسكن عندها الضمير .
الجواب الصحيح:
والجواب الصحيح الذي لا يعدل عنه أن العذاب هنا هو التألم لا العقاب ، فإن الميت يسمع بكاء الباكين عليه ، ويسمع ما يقولون فيه ، كما يسمع قرع نعال الدافنين إذا إنصرفوا عنه ، فيتألم لذلك ويحزنه بكاؤهم شفقة عليهم ورحمة بهم كما يتألم لو كان حيًا . والتعذيب هو الإيجاع والإيلام أوسع معنى من العقاب وليس من ريب أنه يوجعه بكاء أحبابه ، ويؤلمه إذا سمع منهم ذلك ، وسماع الأموات لبكاء الباكين له نظائر في الدين . فقد صح في الحديث أن الميت يسمع قرع نعال دافنيه إذا رجعوا عنه وصح أن رسول الله عليه السلام خاطب كفار بدر توبيخًا لهم وتعذيبًا وإيلامًا ، وقال لأصحابه"ما أنتم بأسمع منهم لما أقول ولكنهم لا يجيبون"
وقد جاء هذا المعنى مصرحًا به في حديث رواه الطبراني ، وحسنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري . قال صلى الله عليه وسلم فيه"أيغلب أحدكم أن يصاحب صويحبه في الدنيا معروفًا فإذا مات استرجع فو الذي نفسي محمد بيده أن أحدكم ليبكي فيستعبر إليه صويحبه فيا عباد الله لا تعذبوا موتاكم"وهذا فاصل في المسألة وفي معنى هذه الأحاديث .
وفيها تفسير آخر لعله جيد هو أن المراد بالميت هنا المحتضر لا الميت حقيقة ، كقوله صلى الله عليه وسلم"لقنوا موتاكم لا إله إلا الله"رواه مسلم . وقوله في حديث رواه الدار قطني"اقرؤوا على موتاكم يس"فالموتى في هذين الحديثين هم المحتضرون . وهذا استعمال جائز لغة وشرعا . وهو استعمال مشهور . ومعنى الحديث حينئذٍ أن المحتضرين يتألمون إذا بكى عليهم أهلوهم ، ويزيدهم ألما على ألمهم . فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يؤلموا موتاهم ، وأن يضاعفوا ما هم فيه من رحمة وشفقة بهم .