فهرس الكتاب

الصفحة 1269 من 2255

فان قيل: هذا حسن لولا أن في الروايات ما يدفعه . وذلك أن في إحدى روايات الحديث"ان الميت يعذب في قبره ببكاء الحي عليه". قلت: الذي يغلب أن هذه اللفظة غير محفوظة ، وإنما جاءت سهوًا من الرواة ، والسهو يكثر في مثل هذا . ولهذا نرى البخاري روى الحديث ولم يرو هذه اللفظة وإنما رواها مسلم في بعض ألفاظه . ومسلم يتساهل كثيرًا في التوابع والشواهد . ويزيدنا إطمئنانًا إلى أن هذه اللفظة سهو أن أمثالها يقع فيه السهو كثيرًا . وذلك أن الراوي يحسب أن العذاب المذكور لا يكون إلا في القبر ، فيتبادر إلى ذهنه وإلى لسانه زيادة ما حسب أنه هو المراد . وعلى هذا يخلص الحديث من شوائب الإعتراض . وحيث وجدنا للخبر الصحيح مذهبًا سليمًا من الشبهة وجب المصير إليه .

لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن رسول الله عليه السلام أنه قال:"لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين".

إعتاص هذا الحديث على قوم . قالوا: إن أراد حقيقة اللفظ ، وأن المؤمن إذا لدغته

حية أو نحوها من جحر لم يلدغ منه مرة أخرى ، كان هذا غير صحيح . فقد يلدغ المؤمن من جحر مرات . ثم أي فرق بين المؤمن وغيره في هذا ؟ وإن أراد مجاز اللفظ ، وأن الحديث مثل مضروب ، يراد به أن المؤمن لا يخدع مرتين ، وأنه إن خدع مرة فلن يخدع غيرها ، كان أيضًا غير صحيح . فقد نرى المؤمنين أكثر الناس إنخداعًا في هذا العصر. وهذا الغرب يتلاعب بالشرقيين المؤمنين ، وينتقل بهم من خديعة إلى خديعة أعظم ، وهم لا يتعظون . وهذا الشيطان أبدًا خادعهم . إذًا فالحديث مشكل جدًا .

ونحن نقول: الحديث صحيح الإسناد ، صحيح المعنى . وهو من جوامع الكلم التي أوتيها رسول الله عليه السلام ، ومن العبارات التي يعجز عن بلوغها فحول البلغاء . وبيان ذلك أن المؤمن حقًا يجب أن يكون فطينًا ألمعيًا ، ذكيًا ، لا يخدع ولا يغلب على أمره ، بل يحتاط لنفسه ، ولدينه ، ولعرضه ، ولوطنه ، ولكل حرمة يجب الإحتفاظ بها ، والرعاية لها . ولا يكون كأقوام نراهم اليوم بلهاء مغفلين ، ينقادون لكل خادع ويقعون في حباله . يخدعون في دينهم ، وفي أعراضهم ، وفي أوطانهم ، وفي أموالهم وأنفسهم ، ثم لا يستيقظون ، ولا هم يتعظون ، تخدعهم الساسة على بلادهم ، ويخدعهم المبشرون على دينهم ، وتخدعهم الدنيا . وهم هم لهذه الخوادع كلها أذلة منقادون ، وفي أيديها سادرون داخرون . فليس هؤلاء من المؤمنين حقًا الذين قيل"المؤمنون"فهم المعنيون . وقد جاء في الخبر أن المؤمن كيس فطن . وقد وصف القرآن المؤمنين بالعقل والعلم والمعرفة ، ووصف الكافرين بالغباوة والجهالة والبلادة في غير ما آية من كتاب الله عز وجل . وهل يكون عاقلا من لا يبالي بالآخرة ، وهي الحياة التي لا تنقطع ، وينفق همه وهمته في الدنيا وهي الفانية الخادعة ؟ وليس بعاقل من آمن بالساعة وبالجنة والنار ، ثم لم يجعل ذلك هو الأمر الذي له يهتم ويتعب وينصب ، بل ليس بعاقل من يشك في الآخرة وثوابها وعقابها ، ثم لا يبحث إلى اليقين ، ولا يحتاط لنفسه ، ويأخذ لها الحيطة . ونحن نحسب من يقدم على الشر الذي يشك في وقوعه فيه أحمق . فكيف بمن آمن بالآخرة ، وجنتها ، ونارها ، ثم نسى ذلك ؟! أوليس ذلك أوفر الخليقة حمقًا وغباءً ؟! .

فالحديث وصف للمؤمنين بالفطانة ، والرزانة ، والتثبت ، والإحتياط . فهو لا يريد الجحر حقيقة ، ولا العدد حقيقة ، ولا اللدغ حقيقة ، بل هو أعلى من ذلك . هو مثل ـ كما

رأيت ـ لحال المؤمن الصحيح الإيمان . فحالة الفطنة ، والرزانة ، والتدبر فيما يأتي وما يذر . يفكر ثم يعمل . يفكر في المخرج قبل أن يصمم على المدخل . فلا يتقرب إلى الله بعبادة ، أو قربة ، حتى يعلم أن ذلك طاعة لله ، وأن الله طلبه من عباده ، فلا يبتدع ولا يخترع ، ولا يقول على الله قولا حتى يعلم أن الله قاله ، أو أن رسوله قاله ، ولا يقطع أمرًا فبل أن يعرف أنه نافع لدينه أو دنياه ، بل يعقل ذلك كله ، ثم يقدم عليه مطمئنًا رشيد الخطوة . فلا يهوى في غضب الله ، أو في إيذاء نفسه وأهله وصحبه . ذلك هو المؤمن حقًا ، وذلك هو ما يعنيه حديث رسول الله . وقد كان المؤمنون الأولون كذلك ، بل فوق ذلك ، فأحرزوا الدنيا ، وجنة الأخرى ، وكانوا ملوك الدنيا ، وملائكة الأخرى ، أو ملوك الأرض وملائكة السماء .

والذين جعلوا الحديث مشكلًا هم الذين حسبوا أن العدد مراد حقيقة ، وأن الجحر مراد حقيقة ، وأن اللدغ مراد حقيقة ، والحق أن الحديث لم يعن من ذلك شيئًا، وإنما عنى ما ذكرنا ، و به خلص الحديث من الإشكال ، وصار قاعدة من قواعد أخلاق المؤمنين العالية ، وهو صحيح سواء أقيل: إن الحديث على الإخبار ، وإن المعنى أن ذلك هو شأن المؤمنين ، ووصفهم اللازم الذي امتازوا به ، على شرط أن نعنى بالمؤمنين المؤمنين حقًا ، أم قيل: إنه على النهي ، وان المقصد نهي المؤمنين عن أن يكونوا بلهاء مغفلين . والقولان صحيحان شرعًا ولغةً . والحديث عليهما صحيح .

وليعلم القارئ أن العدد لا يراد حقيقته كثيرًا . فقد قال في القرآن ( ان يستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) وقال ( ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ) وقال ( أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون ) وقال ( ثم أرجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئًا وهو حسير ) ومن ذلك على قول للنحويين"لبيك وسعديك". وأمثال ذلك كثير ، وهو لا يراد به حقيقة العدد ، وإنما يراد التكثير ، أو مطلق العدد . والحديث من هذا النوع . فصح معناه وسنده .

تحريم الجنة على العاصي

صح عن رسول الله عليه السلام أنه قال"لا يدخل الجنة نمام"وأنه قال"لا يخل الجنة قاطع رحم"وأنه قال"من قتل معاهدًا ذميًا لم يرح رائحة الجنة"هذه الروايات في الصحاح وغيرها . وأمثالها لا يحصى عدده . وإنما ذكرنا الروايات الثلاث نموذجًا لنذكر الجواب عنها ، ليكون جوابًا عن أمثالها مما لم نذكره إذا مر على القارئ إن شاء الله .

هذه الروايات وما في معناها مشكلة في الظاهر . فإن ظاهرها أن من عمل أحد الأعمال المذكورة حرمت عليه الجنة ، ولم يدخلها أبدًا . ومعنى هذا أنه يخلد في النيران ، لأن الناس فريق في الجنة وفريق في السعير . ولا جرم أن هذا خلاف قطعيات الدين ، وخلاف إجماع أئمة المسلمين . والنصوص متظافرة على أن العصيان ليس كفرًا ، وأن العاصي يدخل الجنة ، وإن طال مكثه في النار ، ما لم يتلبس بكفر أو إشراك .

وقد أجاب العلماء عن هذه الأحاديث أجوبة كثيرة ، وأكثرها متكلف لا تقبله النفس المفكرة . وأقرب ما يقال في ذلك ما يأتي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت