فهرس الكتاب
أولًا ـ يجوز أن يكون ذلك كناية عما يوجب النار ، وعما يحرم الجنة . فإن إسراف المرء في النميمة ، وهي التحريش بين الناس ليتقاتلوا ويتعادوا . وكذا قطع الأرحام ، والتضييع لها ، وقتل المعاهدين الذميين الذين أعطوا ذمة الله واطمأنوا إليها: نعم إن إسراف المرء في ذلك كله يدل على أنه لا يرجو لله وقارًا ، ولا يخاف له عقابًا ، ولا يرجو منه ثوابًا ، ولا يذكر جنة ولا نارًا ، وإلا نهاه بعض ذلك عن أن يتعاطى تلك الفواحش ، وأن يثابر على هذا المخازي ، بلا توبة رادعة . ومن كان كذلك كانت الجنة عليه حرامًا ، وكان للنار أهلًا . وليس ذلك لأنه نمام وعقوق ، وقتال للمعاهدين فقط . بل لأن فعله ذلك شهيد بأنه قليل الإكتراث بالله وبثوابه ، وعقابه ، وفي جنته ، وناره ، وإلا لكان له من ذلك واعظ يعظه ، وزاجر يزجره . ويقارب هذا قول الله تعالى ( ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم ) ألا يظن هؤلاء الظالمون الباخسون الناس أشيائهم أنهم راجعون إلى الله فمحاسبهم على القليل والكثير ؟ على القطمير
والنقير ؟ على الخير والشر ؟ كلا . فإنهم لو علموا ذلك لكان لهم منه واعظ يعظهم وما ظلموا أحدًا . فان النفوس مجبولة على أن تتقي الشر وإن قل ، وأن تحرص على الخير وإن قل . فمن لم يحرص على الجنة ، ويتق النار ، دل على أنه غير مؤمن بهما . وفي هذا المعنى قوله تعالى ( واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون ) وقوله ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ) وقوله ( وما كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه إن أولياؤه إلا المتقون ) وقوله ( ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرًا منهم فاسقون ) وشبائه ذلك في القرآن يعز حصره . يجعل الصلاح دليلًا على صدق الإيمان وثباته ، والفجور دليلًا على قلة الإيمان وتضعضعه .
فكذلك الأخبار المذكورة تعنى أن هجوم الإنسان على هذه السيئات بلا تأثم يدل على أن إيمانه قليل أو مفقود فهو لا يدخل الجنة لذلك ، لا لتلك السيئات . ولهذا كثيرًا ما يقول رسول الله عليه السلام من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليفعل كذا ، كقوله"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه"
فأعمال البر دليل الإيمان ، وأعمال الفجور دليل الجحود والكفران . وفي معنى ذلك قول الشاعر:
تعصى الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمري في القياس بديع
لو كان حبك صادقًا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
فكل من ادعى شيئًا ، ولم يأت بدليل دعواه ، كان كاذبًا . ودليل الإيمان بالله حقًا ، وباليوم الآخر ، والجنة والنار هي الأعمال . فان من آمن بأن عملا من أعمال الدنيا فيه غناه فلا بد أن يجد في طلبه ، وإن لم يفعل لم يكن مؤمنًا بذلك ، إلا أن يكون به جنة. وفي أول الأنفال ( فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ، إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون ، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ، أولئك هم المؤمنون حقًا ) وقال ( قالت الإعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ) إلى قوله( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم
لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ) وبهذا تفسر تلك الأحاديث التي إعتاصت على كثير من العلماء ، وتحيروا في الجمع بينها وبين أصول الدين . مثل قوله صلى الله عليه وسلم"لا يزنى الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن"وقوله عليه السلام"من رغب عن أبيه فقد كفر"وقوله"اثنتان في الناس هما كفر: الطعن في الأنساب والنياحة على الميت"، وقوله:"من ترك الصلاة فقد كفر"وأمثالها .
ولا ريب أن من واظب على ترك الصلوات ، وأركان الإسلام ، وعلى الزنا ، والخمور ، والسرقات ، والنميمة ، وقطيعة الأرحام بلا توبة ، قليل الإيمان ، بل فاقد الإيمان . فان المؤمن حقًا الذي يخاف الله ويخاف مقامه ، إن وقع في شيء من ذلك لم يلبث أن يعود إلى ربه ، وإلى عقله ولم يلبث أن يمد إلى الله يد المتاب ، كما قال ( إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ، فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليمًا حكيمًا ، وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار ، أولئك أعتدنا لهم عذابًا عظيما ) ، وقال: ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين ، الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين القيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ، والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ) فالجنة معدة للمؤمنين الذين لا يصرون على المعصية ، بل أن قارفوا منها شيئًا لم ينشبوا أن يتوبوا لأن إيمانهم يدفعهم إلى التوبة . وأما من أصر على محاربة الله ومخالفته فليس بمؤمن حقًا ، وإنما يدعي ذلك ادعاء ، ومثل هذا لا يستحق الجنة .
وتستطيع أن تتصور هذا المعنى في إنسان يدعي حبك وصداقتك في حين أنه لا يزال يخالفك ويسعى في إبطال أوامرك وإتيان ما تكره ومجانبة ما تحب . فهل تصدق أن هذا صديق وحبيب حقيقة ؟! وهل يمكن أن يكون كذلك ؟! اللهم لا . وتقدر أن تفهم ذلك أيضًا في نفسك فانك واجدك تتفانى في خدمة من تحب ، وتستسهل الصعب في اكتساب مرضاته ، وتتقي طاقتك إغضابه ومخالفته . فان وقع منك شيء يدني من غضبه ، أو يجرح شعوره ، لم تتردد في أن
تتوب ، وأتبسط إليه يد الإعتذار . فمن كان محبًا لله ، حريصًا على رضاه ، لم يكن منه أن يصر على مخالفته . هذا ظاهر . وهذا أحسن محمل لهذه الأخبار ، وأقر بها إلى الشرع واللغة والعقل .
الرأي الثاني:
أن النفي واقع على حالة من الحالات ، وعلى زمن من الأزمان ، لا على كل الحالات ، ولا على كل الأزمان ، فلا يراد أنه لا يدخل الجنة أبدًا ، ولا يدخلها في حالة من الحالات التي تقع تحت اللفظ ، بل يراد أنه لا يدخل الجنة في زمن معلوم ، وحالة خاصة ، كأن يراد أنه لا يدخلها دخولا مطلقًا ، دخولا حرًا من كل قيد ، يبيح له كل لذة في الجنة بلا تقييد ولا تضييق ، أولا يدخلها دخولا يبيح له جميع لذات الجنة ودرجاتها . والجنة درجات كما النار دركات . أعاذنا الله منها . بل يدخلها على حالة من الحالات .