فهرس الكتاب

الصفحة 1271 من 2255

وهذا الرأي لا تأباه اللغة والدين ، ونظائره موجودة معروفة في الكلام . فقد قال الله في حق موسى: ( قال ربي أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل ) ، وقال في حق اليهود ( فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدًا ) ولا ريب أن موسى سوف يرى الله في الآخرة ، وأن اليهود سوف يتمنون الموت وهم في أطباق النار فرارًا من ذلك العذاب النكر المستمر . فالنفي في الآية لحالة لا لكل حالة ، وفي زمن لا في كل زمن . وقال: ( فيومئذٍ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ) ، وقال: ( إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمنًا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب عظيم ) . ولا ريب أنه لا يريد أنهم لا يكلمون ولا يسألون أبدًا . فكذلك الروايات المذكورة ومثل هذا من الكلام أن ترى جماعة يتأهبون للحج هذا العام ، فيقولون لك: ألا تخرج معنا ؟ فتقول: لا ، أولا أخرج ، وأنت تعني أنك لا تخرج العام لا كل عام . وكذا ، فقلت لا أذهب ، كان مرادك أنك لا تذهب معه تلك الساعة لا في كل ساعة ، وكذا إذا قيل لك: كل اشرب واقعد واخرج ، فقلت لا أفعل ، كنت تريد أنك لا تفعل في تلك الساعة لا في كل ساعة . وهذا شيء واضح . وهذا كلام فصيح جائز في كل لغة . وكلام رسول الله يذهب به حيث تذهب العرب بكلامها . وكذلك قد تقول: فلان لا يتقي الله ، ولا يخاف الله ، إذا ما كانت تقواه وخوفه قليلين ، وإن كان أصل ذلك

موجودًا عنده . وتقول: فلان لا يخاف أحدًا ، ولا يحب أحدًا ، ولا يرجو أحدًا ، إذا ما نقص حظه من ذلك . ولست تريد أنه فقد ذلك جميعًا . فإن هذا لا يمكن .

وهذا التوجيه في الروايات يوافق الأخبار الصحيحة الكثيرة في أن طوائف من المسلمين يدخلون النار ويخرجون منها بعد أن يطهروا وينقوا من سيئات تلطخوا بها . وهذان التوجيهان هما أحسن ما يقال في الأخبار .

وفيها أقوال أخرى قالها شرّاح الحديث . فقيل: إنها منسوخة بالآيات والأحاديث والإجماع . فان هذه دالة على أن الموحدين يدخلون الجنة لا محالة ، وإن عذبوا في النار أزمانًا . وقيل: إن هذه الأخبار كانت في بدء الإسلام . وقيل: إن المراد من استحل تلك القبائح لا من فعلها وهو يرى أنها حرام . فالذي يستحل النميمة والقطيعة ودماء الذميين لا يدخل الجنة أبدًا ، لأن من استحل ذلك كفر . وقيل: إنها من العام الذي عني به الخاص . فهي وإن كانت ظاهرة في أن من فعل ذلك فهو في النار مخلدًا سواء الكافر والمؤمن إلا أن المراد بها الكافر ، ولا ينكر أن في الشريعة وفي اللغة الفصيحة عمومات أريد بها خصوصات . وقيل: إن المراد منها التخويف وزجر الآثمين . وقيل: غير ذلك .

وجميع هذه الأقاويل لا يعتد بها وبعضها من أقوال أهل الإلحاد وهو القول الأخير .

تحريم من قال لا إله إلّا الله على النار

عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول"من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله حرم الله عليه النار"، وعن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله عليه السلام يقول"حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا ، وحق العباد على الله ألا يعذبهم إذا فعلوا ذلك"وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار"وعن عتبان بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فيدخل النار"، وفي رواية"أو تطعمه النار"هذه الروايات

صحيحة خرجها أصحاب الصحاح وغيرهم .

وقد أسرف قوم فزعموا أن من شهد أن لا إله إلا الله فهو في الجنة ، وهو محرم على النار، وإن تلبس بالفواحش كلها ، وإن لم يعمل خيرًا قط ، واحتجوا لمقالتهم هذه بالروايات المذكورة وما في معناها . وهذا القول من الدين والصواب في مكان سحيق ، وهو مخالف قطعيات الدين وإجماع أئمة الإسلام قاطبة ، ومخالف الضرورة والمعقول . وقد صرح الكتاب الكريم وكذلك سنة رسول الله في غير موضع أن من ترك الصلاة أو شعيرة من شعائر الإسلام الكبرى فمصيره إلى النار ، وإلى غضب الله ولا بد . وجهر أن من عصى الله فهو ذاهب إلى النار ، وهو على خطر عظيم . قال: ( فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ) ، وقال: ( فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيًا ) أي عذابًا أليمًا . وقال في المشركين: ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ) إذًا من لم يتب من الشرك ، ويقول لا إله إلا الله ، ويقم الصلاة ، ويؤت الزكاة ، فلا يخلى سبيله المؤمنون ، بل يجاهدونه على ذلك جهادًا عظيمًا . ومن وجب أن يجاهده المؤمنون فليس منهم ، وليست له الجنة . وكذلك من لم يفعل ذلك فليس من المؤمنين وإن قال لا إله إلا الله ، وليس أخًا لهم ، لأن الآية اشترطت للأخوة القيام بهذه الشعائر . ومعلوم ( إنما المؤمنون إخوة ) فالذي ليس أخًا لهم ليس بمؤمن . وقد اعترف أهل النار أن أول ما يدخلهم النار هو ترك الأعمال . فقالوا لما قيل لهم ( ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين ) وفي غير ما آية من كتاب الله أن أهل الجنة هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات ( ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا ) بل قد جعل القرآن العمل هو الطريق إلى الجنة وحده . فقال ( ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ) ، وقال: ( ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ) ، وقال: ( هل تجزون بما كنتم تعملون ) إلى آيات كثيرة . ذلك يدل على أن الإيمان بلا عمل لا فائدة فيه بل لا يسمى إيمانًا . كما يقول السلف: إن الإيمان قول وفعل وعقيدة . وهذا قول أهل الحق قاطبة .

وقد عرف القرآن المؤمنين في آيات عدة ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ) ، وقال:( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر

الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون ، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ، أولئك هم المؤمنون حقًا ) وفي أول البقرة ( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ، الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ، أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ) وقد أوعد من عصى فقال ( ومن يعص الله ورسوله فان له نار جهنم خالدين فيها أبدًا ) وقال بعد أن قسم المواريث ( ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارًا خالدًا فيها وله عذاب مهين ) بل ق ذكر ما هو أبلغ من ذلك في الابعاد، فقال ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) وفي آية ( فأولئك هم الظالمون ) وفي ثالثة ( فألئك هم الفاسقون ) ، وقال: ( فلا ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت