فهرس الكتاب

الصفحة 1272 من 2255

هذه براهين قاطعة على أن الشهادتين وحدهما لا يعصمان من الكفر ولا من النار ، ولا يوجبان الجنة . ولقد توعد على سائر المعاصي بالنار والغضب والحرمان .فذكر متعاطي الربا بأشد عبارات الوعيد والتهديد , وكذلك فعل في الزنا والقتل والسرقة والظلم والعدوان . وصح عن رسول الله في مسلم وغيره أنه قال:"من ترك الصلاة فقد كفر"، وصح أنه قال:"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر"وفي الصحاح والمسانيد والسنن أنه قال عليه السلام: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن , ولا يسرق السارق حين يرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ) . وفي البخاري ومسلم أنه قال: ( لا يدخل الجنة نمام ) وفيهما قال: ( لا يدخل الجنة قاطع رحم ) ، وقال: ( من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة ) ، وفي الصحيح أنه قال: ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر ) ، وصح أنه قال: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) ، وقال: ( والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه ) خياناته . وصح أنه قال: ( دخلت النار امرأة في هرة ) وقال بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله: وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا ) وصح أنه قال لما سأله جبريل ما الإسلام:( الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ، وإقام الصلاة وإيتاء

الزكاة ، وصوم رمضان , وحج البيت ) ، وقال: ( اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء ) . فقيل له: ولم يا رسول الله ؟ قال: ( لأنهن يكفرن ) . قيل أيكفرن بالله . قال: ( لا . ولكن يكفرن الإحسان ) ، وقال: ( من رغب عن أبيه فقد كفر ) .

كل هذه الأخبار في الصحاح وغيرها . وفي صحيح مسلم أنه قال: ( إثنتان في الناس هما كفر: الطعن في الأنساب ، والنياحة على الميت ) , وفي البخاري عن رسول الله عن الله عز وجل أنه قال: ? من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب ? . والأخبار الصحيحة في هذا المعنى لا تعد . وليست الأخبار التي احتجوا بها أكثر من هذه ولا أصح .

ثم لو صح أن يتمسكوا بظاهر هذه الروايات لقالوا: إن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فالنار محرمة علي ولو كفر بما عداهما: ولو كفر بالملائكة والنبيين وكل ما بعد الموت .

وهذا لا يقوله ملى . إذًا لا يصح التمسك بظاهر الروايات البتة . إذًا ما معنى هذه الأحاديث المذكورة وعلى أي شيء تحمل ؟ فالجواب أن نقول: يجب أن نفهم الأحاديث مع نظرنا للأحوال التي أحاطت بها ومع نظرنا لحال القائل والذي قيلت له . فإننا إذا نظرنا إلى ذلك كله فهمنا الأخبار صوابًا ولم نضل فيها ، وإن لم ننظر إلى ذلك بل أردنا فهمها من ألفاظها مجردة من كل قرينة وحال ، كنا غالطين ضالين في فهمنا وفي تفكيرنا ولا محالة . وهذا أمر عام في كل الأقوال ، يجب على الذين يريدون أن يفهموا قولا وأن يحيطوا بمعناه أن يتدبروا الظروف والحالات التي كانت مسيطرة على القائل ومن قيل له ، ليفهموا المعنى الذي قصد إليه القائل , ومن لم يفعل ذلك كان خطؤه أكثر من رشده ولا جرم . وهذا شيء لا نزاع فيه بين العلماء .

إذًا يجب أن نفهم حال رسول الله ، وحال الذين خاطبهم رسول الله بتلك الأحاديث لنستطيع فهمها ، ولنعصم من الضلال فيها . نظرنا فوجدنا الذين كانوا في زمن رسول الله عليه السلام ، والذين كان يخاطبهم رسول الله بتلك الأخبار ، لم يكونوا يأبون منه إلا الشهادتين . إلا أن يشهدوا أن لا معبود إلا الله ، وأن محمدًا رسول الله . فإذا ما أقر أحد منهم بذلك لم يأب الأعمال ، ولم يمتنع من القيام بالطاعات التي جاء بها , بل أذعن لذلك جملة . فالخلاف إذا بين

رسول الله وبين الناس في التوحيد والشهادتين ، لا في الأعمال . فإذًا قوله صلى الله عليه وسلم: ( من شهد أن لا إله إلا الله حرمه الله على النار ) يريد من قبل دعوته التي جاء بها ، وهي التوحيد والتصديق أنه رسول الله ، وذلك مستلزم للأعمال والطاعات . ولا يراد به إن يقول ذلك مع ترك الأعمال ، فإن هذا لم يكن موجودًا في المخاطبين ، ولا معهودًا في زمنهم . وحمل الأخبار على ما لا يعهد ولا يعلم لا يجوز مطلقًا . ومن حملها كذلك كان ضالًا . فقوله صلى الله عليه وسلم: ( من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ) معناه من آمن بالله وبرسول الله . وذلك يستتبع القبول لما جاء به ويستتبع العمل به ، وقد جاء بالأعمال وشعائر الإسلام وأوجب ذلك على المؤمنين ، وأوعد من لم يعمل بالنار والغضب . فمن لم يعمل بما جاء به لم يكن مؤمنًا صادقًا في إيمانه . ومثل ذلك أن تزعم أنك صديق لفلان ، وأنك حبيبه الخالص ، ثم لم تعمل مع هذا الزعم بما توجبه الصداقة ، وبما يشرعه الحب ، فإنه لا يمكن حينئذٍ أن يصدق أحد دعواك ، ولا يمكن أن تكون صديقه وحبيبه حقيقة . فإن المحب مطيع محبوبه لا محالة .

ومثال هذه الأحاديث أن يقوم إنسان يطلب الملك ، فيخرج كتابًا للناس يقول: من أقر بأني ملك عليه ، واعترف لي بذلك أعليته وأرضيته دائمًا ، ولم أغضب عليه أبدًا , ولم أؤذه يومًا . فهل يمكن أن يفهم أحد من قوله هذا أنه يريد: من اعترف لي بالملك نال هذا الجزاء ، وإن لم يطعني ، وإن لم يقبل قوانيني وما فرضته على الناس ، وإن آذنني بالعصيان والمحاربة ؟ اللهم لا . فكذلك أقوال رسول الله عليه السلام .

هذا هو التوجيه الأول لهذه الأحاديث . وهو توجيه حسبك به جودة !

وثم توجيه آخر ، وهو أن يقال: كان أناس يؤمنون بالله ورسوله فيموتون أو يقتلون في سبيل الله قبل أن يدركهم وقت العمل ، وقبل أن يعملوا ، لأن الأجل لم يمهلهم ، فهؤلاء يدخلون الجنة ، ويحرمون على النار ، وهم لم يعملوا . فهذه الأحاديث تريد أمثال هؤلاء . وقد حصل ذلك في زمن رسول الله ، فآمن به أقوام ، وجاهدوا معه فقتلوا في سبيل الله قبل أن يصلوا ويصوموا ، وقبل أن يقوموا بأركان الإسلام: فهم في الجنة . وهذه الأحاديث قيلت في حقهم . هذا هو التوجيه الثاني ، وهو دون التوجيه الأول .

وثم توجيه ثالث ، وهو ان يقال: لا شك أن من ضمن شهادة ان محمدًا رسول الله , ومن جملة الإيمان به المعبر عنه بالشهادة أنه رسول الله ، الإيمان بكل ما جاء به وطاعته في الذي أمر به ، وفي الذي نهى عنه ، فلا يتم إيمان إنسان به حتى يؤمن بما جاء به . ومن لم يكن كذلك لم يكن مؤمنًا ، ولا شاهدًا أنه رسول الله . فإن معنى الإيمان به الإيمان بالذي جاء به وقاله وفعله , وأنه من عند الله, لا يجوز مخالفته ولا عصيانه هذا هو الإيمان بأنه رسول الله . كما ان معنى الإيمان بأن فلانا من الناس طبيب لا يقربه الخطأ في علاجه ان نذعن له إذا أمر ونهى وعالج ، وأن نقع تحت تصرفه . وأما من رفض قول الطبيب وهو عليل ، كان رفضه دليل على أنه غير مؤمن له بالطب وصدق العلاج . هذا هو الواقع فيمن كان متوازن الشعور والتفكير . ومن قال: إن سيبويه نحوي لا يسامى ولا يتجاوز الصواب نحوه , ثم راح يخالفه وينقض عليه آراءه في النحو , لم يكن مؤمنًا بما قال , ولا صادقًا فيه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت