فهرس الكتاب
فالإيمان بالرسول , الذي يكفل الجنة ، ويحرم على النار ، يشمل الإذعان له فيما جاء به ، وطاعته فيما أمر ونهى ، وإلا لم يكن إيمانًا بأنه رسول الله . كما أن معنى الإيمان بأن فلانًا من الناس رسول الملك الذي لا يكذب , طاعته فيما ادعاه , وفيما طالب به , وإلا كان من أرسل إليهم معرضين لعقاب الملك , وخارجين عليه , فالإيمان بالرسول , أنه رسول الله , يشمل الإيمان بكل ما جاء به ولا ريب .
ولهذا ذكرت الأحاديث الإيمان به ، ولم تذكر الإيمان بسائر الأنبياء والملائكة والكتب وغير ذلك لأن الإيمان به يشمل ذلك كله . ولو لم يكن كما ذكرنا لكان الإيمان بمحمد عليه السلام منجيًا من النار , وإن لم يلازمه الإيمان ببقية الرسل والكتب والملائكة واليوم الآخر . فهذه الروايات لا تذل البتة على أن من ترك الأعمال في الجنة . كما أنها لا تدل على أن من كفر بعيسى ، أو نوح ، أو باليوم الآخر ، أو بالجنة ، أو بالنار ، وآمن بمحمد عليه الصلاة والسلام ، فهو في الجنة .
وأخيرًا لينظر هؤلاء المرجئة في قوله تعالى ? بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ? وفي قوله ? إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا ?
سجود الشمس تحت العرش
عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال حين غربت الشمس ( أتدري أين تذهب هذه ؟ ) قلت: الله ورسوله أعلم . قال ( فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها ، وتستأذن فلا يؤذن لها ، فيقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها . وذلك قوله تعالى ? والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم ? ) رواه البخاري ومسلم . وفي لفظ لهما ( فتستأذن في السجود فيؤذن لها ، وكأنها قد قيل لها ارجعي من حيث جئت ) .
وقد ظنت طائفة أن هذا الحديث يدل على أن الشمس تغيب عن الأرض في وقت وتذهب لتسجد تحت العرش ، فكذبوا الحديث ، وقدحوا في روايته ورواته ، وهم عدول . قالوا: إننا نعلم بالضرورة والمشاهدة والحس أن الشمس لا تفارق الأرض لحظة ، وإنما تغيب عن قسم منها وتطلع على قسم آخر حتى تقطع الأرض كلها كذلك . قالوا: ولا حديث الذي يخالف المشاهدة والحس لا يصدق .
وقالت طائفة: إن الحديث صحيح ، وإن الشمس تذهب كل يوم وتسجد تحت العرش ، وتغيب عن الأرض . ولم يعبأوا بأن يعاندوا الضرورة والمشاهدة .
والطائفتان غلطتان غلطًا مبينًا . يتبين لك ذلك بتفسير الحديث كلمة كلمة . فنقول الذي في هذا الحديث ما يأتي:
أولًا ـ إن الشمس تغرب .
ثانيًا ـ إنها تذهب وتجري .
ثالثًا إنها تسجد تحت العرش .
رابعًا ـ إنها تستأذن فيؤذن لها .
خامسًا ـ إنها تجري حتى تستقر تحت العرش ، وإن العرش مستقرها .
سادسًا ـ إنها تطلع أخيرًا من مغربها .
هذا جملة ما في هذا الحديث . فلننظر أفيه ما يخالف المشاهدة والحس .
أما الأول وهو أنها تغرب ، فلا إشكال فيه . لأن الغروب هو الإختفاء . والشمس تختفي . ولا يضرنا أن يكون الغروب أي الإختفاء ناشئًا من سير الأرض ، أو من سيرها هي . فالعرب تقول غرب الجبل وغاب . إذا ما أبعدوا عنه حتى إختفى عنهم . والجبل ثابت مكانه لا يزول . والذين يقولون إن الشمس ثابتة يقولون لها غربت وطلعت . وغروبها مذكور في القرآن .
أما الثاني , وهو أنها تذهب وتجري ، فلا شك فيه أيضًا . لأن علماء الفلك اليوم يقولون: إنها تدور حول نفسها ، ويقولون إن لها دورة أخرى حول نجم آخر . والدوران لا يكون إلا من جري بالضرورة ، لأن الجري هو المشي . ثم إن الجري له استعمال آخر مجازي ، كما تقول الآن: إن الحكومة السعودية العربية تجري إلى الأخذ بأطراف الكمال والمدنية الفاضلة بجد ونشاط ، وكما يقال جرى قلم القضاء بما يكون ، وأمثال ذلك . ولا يراد به الحركة والإنتقال حقيقة .
وأما الثالث ، وهو أنها تسجد تحت العرش ، فنقول: قد اخبر القرآن أن كل شيء في السموات والأرض يسجد لله ، كما قال ? ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرهًا وظلالهم بالغدو والآصال ? ، وقال: ? ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس، وكثير حق عليه العذاب ? ، وقال: ? النجم والشجر يسجدان ? والآيات في هذا كثيرة . كما قد أخبر أن كل شيء قد أسلم له ، وكل شيء يسبحه ? وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ? ، ? سبح لله ما في السموات وما في الأرض ? ، ولا يراد بذلك سجود كسجود العقلاء . وإنما يعنى به أحد ما يأتي: -
إما أن يكون ذلك عبارة عن الانقياد والخضوع . والناس يسمون هذا سجودًا . كما قال الشاعر:
أبدو فيسجد من بالسوء يذكرني فلا أعاتبه صفحًا وإهوانا
وكما قال آخر:
فكيف بمن لو أنني لحت واقفًا هوى ساجدًا من خشيتي وقضى النحبا
وكما قال عمرو بن كلثوم:
إذا بلغ الفطام لنا صبيًا تخر له الجبابر ساجدينا
والمراد بهذا السجود الخشوع والإنقياد . ويقوي هذا التفسير قوله في الآية ? طوعًا وكرهًا ? ، وقوله: ? وظلالهم بالغدو والآصال ? .
وإما أن يكون المراد بالسجود الدلالة على الله . يعني أن هذه المخلوقات تدل على الله ، وعلى أنه يستحق أن يسجد له كل شيء ، وأن يعبده كل شيء . وهذا مجاز مشهور في اللغة . والتفسير الأول في السجود هو التفسير .
وأما تقييد السجود بأنه يكون تحت العرش فهو مبالغة في الإنقياد وعبارة عن تمام ذلك . كما يقال: فلان يسجد تحت قدمي فلان ، ويسجد تحت سريره ، وتحت عرش الملك . والمعنى في ذلك المبالغة ، ولا تراد الحقيقة . فقوله إنها تسجد تحت العرش يعنى أنها خاضعة له أكمل الخضوع وأتمه .
وأما الأمر الرابع ، وهو أنها تستأذن فيؤذن لها ، فنقول: غاية ذلك ان يكون مجازًا يراد به طاعتها لخالقها ، وطلوعها وغروبها بمشيئته وإرادته ، حتى كأنه يأمرها وينهاها فتعقل عنه ، وحتى كأنها تستأذنه في رواحها وغدوها . وهذا كله يعبر عن الخضوع . فإن الخاضع يستأذن المخضوع له عادة , ويستأمره فيما يأتي وما يذر ، ويسير حسب إذنه . فأطلق الإستئذان وأراد به ما يتبعه عادة ، وهو ما ذكرنا . وهذا النوع من التوسع شائع في الكلام . فهم يقولون: هذه الرسوم البالية تخبرنا أن كل شيء بال ، وان كل جديد فإلى البلى والزوال . ويقولون: هذه السيوف تشكو طول مكثها في الأغماد ، ويقول القائل منهم: شكا إلى جملي وناقتي طول السرى ، وشكت هذه الدابة إليّ الجوع والتعب ، ويقولون: هذا البيت يخبرنا أن بانيه حاذق بناء ، وهذه الصورة تقول إن من رسمني لراسم ماهر . ويقولون: قالت عينا الحبيب سمعًا وطاعة وأمثال ذلك لا يحصى . وطائفة من المفسرين يقولون: إن كل ما نسب إلى الجماد والسماء ، والأرض من المقال ، والخطاب بينها وبين الله محمول على ذلك . وذلك كقوله في السماء والأرض ? قالتا أتينا طائعين ? ونظائرها المعروفة في القرآن . ومثله استئذان الشمس وسجودها .
وأما الخامس ، وهو أنها تجري حتى تستقر تحت العرش فيقال: أما الجري فقد ذكرنا معناه . وأما أنه يكون تحت العرش ، فيقال: هذا كناية عن رجوعها إلى الله . إذ ليس وراء الله لمخلوق مرجع ولا مذهب فهو كقوله تعالى ? ألا إلى الله تصير الأمور ? ، ويقول الناس:"خطاب العرش"وهم يريدون خطاب من على العرش . أو يكون المراد بذلك أنها تستقر تحت العرش أخيرًا عندما يأذن الله للساعة بأن تقوم .