فهرس الكتاب

الصفحة 1285 من 2255

وهذا المعنى ظاهر جلي في نصوص الأشراط والفتن، والتحذير والإرشاد يقع فيها باللفظ الصريح، وبالتنبيه و الإشارة، فهذه الأخبار ليست أخبارا مجردة تحكي الوقائع ولا تهدي العباد، بل الهداية فيها منصوص عليها والعمل الواجب مبين، ومن نظر في أحاديث الدجال وتتبعها وجد من الأوامر والإرشادات والاحتياطات الشيء الكثير كالأمر بالاستعاذة منه، والنأي عنه، وقراءة فواتح سورة الكهف، ودخول ناره لا جنته، وكيف تؤدى الصلاة في وقته إلى غير ذلك مما يؤكد هذا المعنى، ومما يبين هذا المعنى كذلك كثير من أحاديث الفتن، كحديث عثمان الشحام قال: انطلقت أنا وفرقد السبخي إلى مسلم بن أبي بكرة وهو في أرضه، فدخلنا عليه فقلنا: هل سمعت أباك يحدث في الفتن حديثا، قال: نعم، سمعت أبا بكرة يحدث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنها ستكون فتن ألا ثم تكون فتنة القاعد فيها خير من الماشي فيها والماشي فيها خير من الساعي إليها ألا فإذا نزلت أو وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه) قال: فقال رجل: يا رسول الله أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: (يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر ثم لينج إن استطاع النجاة اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت) ، قال: فقال رجل: يا رسول الله أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين فضربني رجل بسيفه أو يجيء سهم فيقتلني؟ قال: (يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار) 8، والأحاديث في هذا الباب كثيرة وإنما المقصود التنبيه والإشارة ليس إلا.

وقد فقه الصحابة هذا المعنى ولذا فقد كانوا حريصين على سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عما يصنعون في مختلف الفتن والأحداث التي يخبرهم بها صلى الله عليه وسلم فمن ذلك مثلا ما صح عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كيف بكم وبزمان أو يوشك أن يأتي زمان يغربل الناس فيه غربلة تبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا فكانوا هكذا) وشبك بين أصابعه، فقالوا: وكيف بنا يا رسول الله؟ قال: (تأخذون ما تعرفون وتذرون ما تنكرون وتقبلون على أمر خاصتكم وتذرون أمر عامتكم) 9.

ومما يدل على عنايتهم بما ينفعهم من أحكام تلك الأيام حديث النواس بن سمعان في الدجال وفيه: (قلنا يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال -صلى الله عليه وسلم-:(أربعون يوما يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم) قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: (لا اقدروا له قدره) 10، فلم يعارضوه صلى الله عليه وسلم بمعقول باطل وإنما إيمان وتسليم، وسؤال عما ينفع.

3-الاستعداد لقيام الساعة:

إن من فائدة هذه الأخبار إشعار العباد بقرب المعاد ليستعدوا له الاستعداد المناسب إذ هو المقصود أصالة بذكر هذه النصوص، فهي أمارات وعلامات وأشراط لقيام الساعة يستدل من خلالها على قرب الساعة، قال الطيبي: (الآيات أمارات للساعة إما على قربها وإما على حصولها) 11، واستشعار هذا القرب يوجب من العبد مزيد سعي وإعداد لهذا اليوم العظيم، يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل: متى الساعة؟ فقال: (ماذا أعددت لها) ؟12 وفي لفظ: (ويلك ما أعددت لها) 13، فتأمل حسن إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم للسائل وصرفه إلى ما يعنيه ويفيده من شأن الساعة وهي قضية الإعداد، يقول الحافظ ابن حجر: (والحكمة في تقدم الأشراط إيقاظ الغافلين، وحثهم على التوبة والاستعداد) 14، فأشراط الساعة مواعظ تزجر القلوب لتقبل على علام الغيوب جل وعلا، كلما وقع شرط منها فهي خطوة يخطوها الناس جميعا نحو الآخرة فالسعيد من سار في هذه الدنيا متذكرا للآخرة عاملا لها والشقي من أعرض عن أخراه قد عمي عنها ونسيها (نسوا الله فنسيهم) .

4-أن هذه الأخبار من دلائل النبوة:

إن هذه الأخبار تعد من دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وصدقه، فإن المرء إذا رأى أمرا قد تحقق من تلك الأخبار ازداد إيمانه ويقينه بصدق النبي صلى الله عليه وسلم في نبوته، وأنه رسول الله حقا، ونطق بلسان الحال أو المقال صدق الله ورسوله، إذ لا يصح لبشر أن يخبر عن تلك المغيبات على هذا النحو المفصل، والمستيقن، ثم هي تتحقق مرة من بعد مرة، إلا ويكون ذلك بوحي صادق، نقل المناوي عن بعض أهل العلم قولهم: (هذا وما أشبهه من أحاديث الفتن من جملة معجزاته الاستقبالية التي أخبر أنها ستكون بعده وكانت وستكون وقد أفردها جمع بالتأليف) 15، ولو أنك تتبعت أقوال أهل العلم في كون مختلف إشاراته صلى الله عليه وسلم للحوادث المستقبلية ووقوعها كما أخبر من معجزاته صلى الله عليه وسلم ومن دلائل نبوته لأعياك ذلك ولأتعبك التتبع، ولذا ترى المصنفين في دلائل النبوة -كالبيهقي مثلا- يوردون جملة من هذه الأخبار في مصنفاتهم، وفي هذه الدلائل زيادة لإيمان المؤمنين، وإقامة للحجة على الكافرين، ومن لطائف الأخبار المؤكدة لهذا المعنى ما ثبت عن طارق بن شهاب قال: كنا عند عبد الله -ابن مسعود-جلوسا فجاء رجل فقال: قد أقيمت الصلاة. فقام وقمنا معه، فلما دخلنا المسجد رأينا الناس ركوعا في مقدم المسجد فكبر وركع وركعنا، ثم مشينا وصنعنا مثل الذي صنع، فمر رجل يسرع، فقال: عليك السلام يا أبا عبد الرحمن، فقال: صدق الله ورسوله، فلما صلينا ورجعنا دخل إلى أهله جلسنا فقال بعضنا لبعض: أما سمعتم رده على الرجل صدق الله وبلغت رسله، أيكم يسأله، فقال طارق: أنا أسأله، فسأله حين خرج فذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة وقطع الأرحام وشهادة الزور وكتمان شهادة الحق وظهور القلم) 16.

5-تغذية فضول الإنسان:

إن في كيان الإنسان حاجة فطرية وفضولا يدفعه للتعرف على المستقبل وما يتعلق به من أحداث، ولذا فقد وجد في الناس في القديم والحديث من اتخذ من الكهانة والعرافة والتنجيم وغير ذلك من طرائق أهل الانحراف مطية يركبها ليشرف على شيء من المغيبات -زعم- وليسد هذه الحاجة في نفسه، ولا تزال هذه السوق المبنية على الدجل والكذب والتخريف سوقا رائجة يقبل عليها كثير من الناس بمختلف عقلياتهم ومستوياتهم، يقول شيخ الإسلام: (وباب الكذب في الحوادث الكونية أكثر منه في الأمور الدينية، لأن تشوف الذين يغلبون الدنيا على الدين إلى ذلك أكثر، وإن كان لأهل الدين إلى ذلك تشوف، لكن تشوفهم إلى الدين أقوى، وأولئك ليس لهم من الفرقان بين الحق والباطل من النور ما لأهل الدين، فلهذا كثر الكذابون في ذلك ونفق منه شيء كثير) 17.

فكان من رحمة الله بعباده أن بين لهم كذب هذه الطرائق، وبرحمته بين لهم شيئا مما يستقبلون بطريق شرعي قطعي تطمئن إليه النفوس، وتسد حاجة عندهم، بل ويثابون على الإيمان به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت