يقول ابن خلدون: (اعلم أن من خواص النفوس البشرية التشوق إلى عواقب أمورهم وعلم ما يحدث لهم من حياة وموت وخير وشر سيما الحوادث العامة كمعرفة ما بقي من الدنيا ومعرفة مدد الدول أو تفاوتها والتطلع إلى هذا طبيعة مجبولون عليها ولذلك تجد الكثير من الناس يتشوقون إلى الوقوف على ذلك في المنام والأخبار من الكهان لمن قصدهم بمثل ذلك من الملوك والسوقة معروفة ولقد نجد في المدن صنفا من الناس ينتحلون المعاش من ذلك لعلمهم بحرص الناس عليه فينتصبون لهم في الطرقات والدكاكين يتعرضون لمن يسألهم عنه فتغدو عليهم وتروح نسوان المدنية وصبيانها وكثير من ضعفاء العقول يستكشفون عواقب أمرهم في الكسب والجاه والمعاش والمعاشرة والعداوة وأمثال ذلك ما بين خط في الرمل ويسمونه المندل وهو من المنكرات الفاشية في الأمصار لما تقرر في الشريعة من ذم ذلك وإن البشر محجوبون عن الغيب خلا من أطلعه الله عليه من عنده في نوم أو ولاية وأكثر ما يعتني بذلك ويتطلع إليه الأمراء والملوك في آماد دولتهم ولذلك انصرفت العناية من أهل العلم إليه وكل أمة من الأمم يوجد لهم كلام من كاهن أو منجم أو ولي في مثل ذلك من ملك يرتقبونه أو دولة يحدثون أنفسهم بها وما يحدث لهم من الحرب والملاحم ومدة بقاء الدولة وعدد الملوك فيها والتعرض لأسمائهم ويسمى مثل ذلك الحدثان وكان في العرب الكهان والعرافون يرجعون إليهم في ذلك وقد أخبروا بما سيكون العرب من الملك والدولة) 18، لكنه جل وعلا فتح لهم من هذا الباب ما يكون نافعا لهم في دينهم ودنياهم، ولا يدخل عليهم ضررا ولا يشغلهم عن دورهم الأساس ، جاء في مفتاح دار السعادة: (ولحكمة جليلة ضرب الله دون هذا العلم بالأسداد، وطوى حقائقه عن أكثر العباد، وذلك أن العلم بما سيكون ويحدث ويستقبل علم حلو عند النفس، وله موقع عند العقل، فلا أحد إلا وهو يتمنى أن يعلم الغيب، ويطلع عليه ويدرك ما سوف يكون في غد، ويجد سبيلا إليه ولو ذلل السبيل إلى هذا الفن لرأيت الناس يهرعون إليه، ولا يؤثرون شيئا آخر عليه، لحلاوة هذا العلم عند الروح ولصوقه بالنفس وغرام كل أحد به، وفتنة كل إنسان فيه، فبنعمة من الله لم يفتح هذا الباب، ولم يكشف دونه الغطاء، حتى يرتقي كل أحد روضه ويلزم حده، ويرغب فيما هو أجدى عليه وأنفع له إما عاجلا وإما آجلا فطوى الله عن الخلق حقائق الغيب ونشر لهم نبذا منه وشيئا يسيرا يتعللون به، ليكون هذا العلم محروصا عليه، كسائر العلوم ولا يكون مانعا من غيره) 19.
ومما يؤكد هذا الأمر ويزيده وضوحا النظر في أحوال الناس وتفاعلهم مع أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة فإن مثل هذه النصوص الشرعية تستهويهم، والمتحدث بها ممن تلتفت الوجوه إليه وتلوى الأعناق لسماعه، فكيف إذا كان المتحدث ممن يرصد الأحداث وينزل الأحاديث عليها ويرسم لهم (سيناريو) المستقبل لا شك أن الأمر يكون أخطر وأخطر والفتنة به ستكون أشد وأشد، وعليه فلا يستغرب بعد ذلك أن يتابع الناس كل جديد في هذا المضمار حسنا كان هذا الجديد أو قبيحا، وما أكثر القبيح في هذا المضمار.20
المقصود بتنزيل أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة على الواقع:
المقصود بهذه العبارة بإيجاز الحكم على الوقائع المعينة الماضية والحاضرة والمستقبلية بما تضمنته نصوص الفتن والملاحم وأشراط الساعة، بحيث يقال: إن هذه الواقعة المعينة في الخارج هي المقصودة بهذا النص، ويمكن أن يقال: إن نصوص الشارع في هذا المجال مطلقة فعملية التنزيل تقييد لها بشخصيات أو أوقات أو أمكنة أو أحوال معينة مخصوصة وهذا التقييد كما هو معلوم مفتقر للدليل، والدليل هو مدى انطباق هذه النصوص على تلك الواقعة، والله أعلم.
حكم تنزيل أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة على الواقع من جهة الأصل:
المقصود بإيراد هذه المسألة حل إشكالية تسربت عند البعض وهو إطلاق النفي في الحكم على هذه المسألة فتجدهم يقولون مثلا لا يشرع تنزيل أحاديث الفتن على الواقع، أو يحكمون على سالك هذا السبيل بالعبث بالنصوص والاشتغال بما لا يصح الاشتغال به، بحيث يردون على كل الكتابات التي اعتنت بتنزيل هذه النصوص على الواقع بهذه العبارات المجملة، وهذا من ردود الأفعال، وكم جر رد الفعل من رد حق، وهكذا الناس في أكثر شؤونهم طرفان ووسط، فطرف مغال في التنزيل يتخيل الأمر كيف يكون ثم ينزل النص عليه فيجعله كائنا، وطرف مجاف يحذر من التنزيل بإطلاق، والوسط وسط، فتنزيل هذه النصوص على الوقائع بضوابطه الشرعية مشروع، وعليه تصرفات جماعة أهل العلم في تناول أحاديث الفتن، تراهم إن وجدوا مناسبة للتنزيل نزلوا على ما سيأتي بيانه، بل لا تتحقق مقاصد ذكر هذه النصوص إلا بهذا التنزيل وبغيره تغدوا هذه النصوص ألفاظا لا تؤثر في واقع ولا تزيد في إيمان، وهذا التنزيل كما سبق له ضوابط شرعية يمكن استخلاصها من تصرفات أهل العلم وهي ضمانات لجعل التنزيل شرعيا، وبغيرها يكون التنزيل تحريفا يجب أن يحجر على أهله صيانة لنور العلم وبهائه، يقول الشيخ محمد إسماعيل المقدم تحت عنوان (لا يستنكر توقع حصول شيء من أشراط الساعة بشروط) : (إنَّ تَرَقُّبَ حصول أشراط الساعة التي تقع بإرادة الله عز وجل الكونية القدرية ليس بدعة ولا خطأ، خاصة إذا تعاقبت الإرهاصات، والمقدمات التي جاءت بها الأخبار، ودليل ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم لما سمعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحدثهم عن الدجال فخفض فيه ورفع ظنوا أنه في طائفة النخل، وشكوا في ابن صياد أنه المسيح الدجال، بل منهم من أقسم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك، كما في الأحاديث الصحيحة عن عمر وجابر رضي الله عنهما، ورسول الله صلى الله عليه وآله سلم لم ينكر عليهم، بل قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إن يخرج وأنا فيكم، فأنا حجيجه دونكم) وكذلك شكت فيه حفصة وابن عمر، وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم، ويروى عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: (ما تؤيسني رقة عظمي ولا بياض شعري أن ألقى عيسى بن مريم) ولا يزال العلماء في كل عصر ومصر يتكلمون بذلك، ويتوقعون قرب حصول بعض الأشراط، قال القرطبي رحمه الله: (كل ما وقع في حديث معاوية هذا، فقد شاهدناه بتلك البلاد، وعاينا معظمه إلا خروج المهدي) اهـ، وقال محمد صديق حسن خان: (... وهذه الجملة من الأشراط موجودة تحت أديم السماء، وهي في التزايد يوما فيوم، وقد كادت أن تبلغ الغاية، أو قد بلغت، ولم يبق إلا الأشراط الكبرى التي أولها ظهور المهدي عليه السلام) . ولا شك أننا الآن أقرب إلى هذه العلامة من أي وقت مضى)21.
ومما يمكن الاستدلال به من السنة على مسألة تنزيل الأحاديث على الواقع ما وقع في حديث الرجل الذي يقتله الدجال فيقطعه جزلتين وفيه قول الرجل: (أشهد أنك الدجال الذي حدثنا عنك رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه) 22، فهذا حكاية من النبي صلى الله عليه وسلم عن تنزيل حديثه على معين مخصوص.
ومن تتبع أحوال السلف الصالح وأهل العلم في مسألة التنزيل وجد من ذلك جملة وافرة، وسيرد في ثنايا البحث طرف من هذا لكن لا بأس من تعجيل واحدة منها هنا لتأكيد المسألة، فقد صح في حديث أسماء في قصة مقتل ابن الزبير قالت وهي تخاطب الحجاج: أما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن في ثقيف كذابا ومبيرا، فأما الكذاب فرأيناه وأما المبير فلا إخالك إلا إياه، قال: فقام عنها ولم يراجعها.23