قال النووي: (وَقَوْلهَا فِي الْكَذَّاب:(فَرَأَيْنَاهُ) تَعْنِي بِهِ الْمُخْتَار بْن أَبِي عُبَيْد الثَّقَفِيّ، كَانَ شَدِيد الْكَذِب، وَمِنْ أَقْبَحه اِدَّعَى أَنَّ جِبْرِيل صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِيه، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْكَذَّابِ هُنَا الْمُخْتَار بْن أَبِي عُبَيْد، وَبِالْمُبِيرِ الْحَجَّاج بْن يُوسُف، وَاَللَّه أَعْلَم)24.
ولتطمأن القلوب إلى الحكم السالف إليك طرفا من تنزيلات بعض أهل العلم المعاصرين، فمنهم:
*الشيخ حمود التويجري رحمه الله فقد قال معلقا على حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن، ويكثر الكذب، وتتقارب الأسواق، ويتقارب الزمان، ويكثر الهرج) قيل: وما الهرج؟ قال: (القتل) 25.
(وأما(تقارب الأسواق) فقد جاء تفسيره في حديث ضعيف بأنه كسادها وقلة أرباحها. والظاهر والله أعلم أن ذلك إشارة إلى ما وقع في زماننا من تقارب أهل الأرض بسبب المراكب الجوية والأرضية والآلات الكهربائية التي تنقل الأصوات كالإذاعات و التليفونات الهوائية التي صارت أسواق الأرض متقاربة بسببها فلا يكون تغيير في الأسعار في قطر من الأقطار إلا ويعلم به التجار أو غالبهم في جميع أرجاء الأرض، فيزيدون في السعر إن زاد وينقصون إن نقص، ويذهب التاجر في السيارات إلى أسواق المدائن التي تبعد عنه مسيرة أيام فيقضي حاجته منها ثم يرجع في يوم أو بعض يوم ويذهب في الطائرات إلى أسواق المدائن التي تبعد عنه مسيرة شهر فأكثر فيقضي حاجته منها ويرجع في يوم أو بعض يوم، فقد تقاربت الأسواق من ثلاثة أوجه:
الأول: سرعة العلم بما يكون فيها من زيادة السعر ونقصانه.
الثاني: سرعة السير من سوق إلى سوق ولو كانت مسافة الطريق بعيدة جدًا.
الثالث: مقاربة بعضها بعضًا في الأسعار، واقتداء بعض أهلها ببعض في الزيادة والنقصان.والله أعلم)26.
*الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله فقد فسر تقارب الأسواق في حديث أبي هريرة السابق بقوله:
(الأقرب تفسير التقارب المذكور في الحديث بما وقع في هذا العصر من تقارب ما بين المدن والأقاليم وقصر زمن المسافة بينها بسبب اختراع الطائرات والسيارات والإذاعة وما إلى ذلك والله أعلم) 27.
*الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله حيث ذكر أن (بيوت الشياطين) الوارد في حديث أبي هريرة الآتي هي السيارات ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تكون إبل للشياطين وبيوت للشياطين، فأما إبل الشياطين فقد رأيتها يخرج أحدكم بنجيبات معه قد أسمنها فلا يعلو بعيرا منها ويمر بأخيه قد انقطع به فلا يحمله، وأما بيوت الشياطين فلم أرها) كان سعيد يقول: لا أراها إلا هذه الأقفاص التي تستر الناس بالديباج.28
ليس من شرط أشراط الساعة أن تكون قبيل قيامها بل يجوز أن تتقدم عليها بدهر وهو الواقع
قال ابن كثير: (والمقصود أن الترك قاتلهم الصحابة فهزموهم وغنموهم وسبوا نساءهم وأبناءهم وظاهر هذا الحديث يقتضي أن يكون هذا من أشراط الساعة فإن كانت أشراط الساعة لا تكون إلا بين يديها قريبا، فقد يكون هذا أيضا واقعة مرة أخرى عظيمة بين المسلمين وبين الترك حتى يكون آخر ذلك خروج يأجوج ومأجوج كما سيأتي ذكر أمرهم، وإن كانت أشراط الساعة أعم من أن تكون بين يديها قريبا منها فإنها تكون مما يقع في الجملة ولو تقدم قبلها بدهر طويل إلا أنه مما وقع بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا هو الذي يظهر بعد تأمل الأحاديث الواردة في هذا الباب كما سترى ذلك قريبا إن شاء الله تعالى) 29.
أقسام الأشراط وعلاقته بعملية التنزيل
يمكن تقسيم أشراط الساعة باعتبارات كثيرة، والذي يهمنا منها ما يلي:
* تقسيم الأشراط باعتبار الوقوع:
قال الحافظ ابن حجر:
(وَهَذِهِ الْمَذْكُورَات وَأَمْثَالهَا مِمَّا أَخْبَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ سَيَقَعُ - بَعْدُ - قَبْلَ أَنْ تَقُوم السَّاعَة، لَكِنَّهُ عَلَى أَقْسَام:
أَحَدهَا: مَا وَقَعَ عَلَى وَفْق مَا قَالَ.
وَالثَّانِي: مَا وَقَعَتْ مَبَادِيه وَلَمْ يَسْتَحِكُمْ.
وَالثَّالِث: مَا لَمْ يَقَع مِنْهُ شَيْء وَلَكِنَّهُ سَيَقَعُ)30.
وظاهر أن القسم الأول والثاني مسلزم لتنزيل الأحاديث على وقائع معينة يصح بعدها أن يقال أن هذه الأشراط قد وقعت وانقضت أو وقعت وهي في تزايد.
* تقسيم الأشراط باعتبار الصغر والكبر:
(قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْره: الْأَشْرَاط مِنْهَا:
صِغَار وَقَدْ مَضَى أَكْثَرهَا.
وَمِنْهَا كِبَار سَتَأْتِي.
قُلْت31: وَهِيَ الَّتِي تَضَمَّنَهَا حَدِيث حُذَيْفَة بْن أَسِيدٍ عِنْدَ مُسْلِم وَهِيَ الدَّجَّال وَالدَّابَّة وَطُلُوع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا كَالْحَامِلِ الْمُتِمّ وَنُزُول عِيسَى بْن مَرْيَم وَخُرُوج يَأْجُوج وَمَأْجُوج وَالرِّيح الَّتِي تَهُبّ بَعْدَ مَوْت عِيسَى فَتَقْبِض أَرْوَاح الْمُؤْمِنِينَ)32، فتأمل قول البيهقي صغار مضى أكثرها فهو حكم على وقوع أكثر الأشراط الصغرى وهو عائد إلى تنزيل نصوص هذه الأشراط على الواقع33.
وقد دمج الشيخ عمر الأشقر هذين اللونين من التقسيم وصيرهما لونا واحدا فقال:
(وهذه الأشراط التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث، وفي أحاديث أخرى كثيرة قسمها أهل العلم إلى قسمين:
علامات صغرى، وعلامات كبرى.
والعلامات الصغرى يمكن تقسيمها إلى قسمين: قسم وقع، وقسم لم يقع بعد. والذي وقع قد يكون مضى وانقضى، وقد يكون ظهوره ليس لمرة واحدة، بل يبدو شيئا فشيئا، وقد يتكرر وقوعه وحصوله، وقد يقع ما في المستقبل أكثر مما وقع في الماضي، ولذلك سنعقد لعلامات الساعة أربعه فصول:
الأول: العلامات الصغرى التي وقعت وانقضت.
الثاني: العلامات الصغرى التي وقعت، ولا تزال مستمرة، وقد يتكرر وقوعها.
الثالث: العلامات الصغرى التي لم تقع بعد.
الرابع: العلامات الكبرى)34.
العبث الحاصل من الكتاب المعاصرين حيال نصوص الفتن والملاحم و أشراط الساعة
لقد كثرت الكتابات مؤخرا المعتنية بتنزيل أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة على الوقائع والتي خلا معظمها عن الانضباط بضوابط الشرع في عملية التنزيل، بل زادوا على ذلك فوقعوا في الانحراف كذبا على الله ورسوله، يتكلمون بجهل ويكتبون بهوى، فأدخلوا نفوسهم في مضمار لا يحسنونه فضلوا وأضلوا، تراهم قد كتبوا مع كل فتنة تلحق بالأمة كتابا في تنزيل الأحاديث على تلك الفتنة، قد حددوا الشخصيات ووزعوا الأدوار وكتبوا (سيناريو) الأحداث، وزعموا أن ذلك كله كائن في يوم كذا وتاريخ كذا، فإذا ولى ذلكم اليوم وذهب ذلكم التاريخ وماتت الشخصية أو كادت، ظهر كاتب جديد برأي جديد وهكذا، فلا نكاد نرتاح من كتاب إلا وتطالعنا المكتبات بكتاب، ولا نكاد ننتهي من قراءة مقال في التنزيل حتى نطالع مقالة أخرى، عبثا بنصوص الشرع ليس له أول ولا آخر، ومن طالع تلك الكتابات يعجب من جرأتهم على النصوص وغلبة الأهواء عليهم وجهلهم المطبق، وهم مع ذلك يتميزون بخيال واسع فتراهم قد تخيلوا كل عجيب وغريب، ولا يكاد يأتي واحد منهم بعجيبة غريبة إلا ويأتي آخر بما هو أعجب وأغرب، والأعجب أن يحاكموا نصوص الشرع إلى خيالاتهم المريضة، خذ مثلا ما ذكره الشيخ محمد إسماعيل المقدم قال: