فهرس الكتاب
4)أنه لو فرض أن ما رآه النائم في منامه رؤيا وأنه قد ثبت صدق رائيها فإن الخلل قد يداخل معبر هذه الرؤيا، فلا يعبرها على النحو الصحيح، يدل على هذا ما وقع للصديق رضي الله عنه في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِى اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّى رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ فِى الْمَنَامِ ظُلَّةً تَنْطُفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ وَإِذَا سَبَبٌ وَاصِلٌ مِنْ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ ثُمَّ وُصِلَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِى أَنْتَ وَاللَّهِ لَتَدَعَنِّى فَأَعْبُرَهَا، فَقَالَ النَّبِى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اعْبُرْهَا) قَالَ: أَمَّا الظُّلَّةُ فَالْإِسْلَامُ وَأَمَّا الَّذِى يَنْطُفُ مِنْ الْعَسَلِ وَالسَّمْنِ فَالْقُرْآنُ حَلَاوَتُهُ تَنْطُفُ فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ فَالْحَقُّ الَّذِى أَنْتَ عَلَيْهِ تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللَّهُ ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ ثُمَّ يَأْخُذُهُ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ ثُمَّ يُوَصَّلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ، فَأَخْبِرْنِى يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِى أَنْتَ أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ؟ قَالَ النَّبِى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا) قَالَ: فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّى بِالَّذِى أَخْطَأْتُ، قَالَ: (لَا تُقْسِمْ) 127، فإذا جرى هذا على مثل الصديق فغيره من باب أولى.
وليس القصد هنا التقليل من شأن الرؤيا، أو إفقادها قيمتها، لكن المقصود أن لا يتعدى بالرؤيا طورها أو يتجاوز بها حدها، فالرؤى مبشرات، ولكن لا يصح أن تبنى عليها التشريعات فضلا عن العقائد، إن الشارع قد بين لنا أمارات وعلامات وصفات نتعرف من خلالها على الأشراط ولم نوكل للتعرف على هذه من خلال الرؤى والمنامات، ومن نظر في التاريخ لمس كيف جر اعتماد الرؤى في هذا الباب إلى مصائب وفتن، ومن آخر ذلك وأوضحه وألصقه بهذا البحث ما وقع من فتنة الحرم المشهورة، حيث اعتمدت فيه الرؤى في تحديد المهدي ولو تعارض ذلك مع صفاته المنصوص عليه، وفي ذلك يقول الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله: (أما اعتماد المنامات في إثبات كون فلان هو المهدي فهو مخالف للأدلة الشرعية ولإجماع أهل العلم والإيمان، لأن المرائي مهما كثرت لا يجوز الاعتماد عليها في خلاف ما ثبت به الشرع المطهر، لأن الله سبحانه أكمل لنبينا محمد -صلى الله عليه وعلى آله سلم - ولأمته الدين، وأتم عليهم النعمة قبل وفاته -عليه الصلاة والسلام- ثم إن المهدي قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يحكم بالشرع المطهر، فكيف يجوز له ولأتباعه انتهاك حرمة المسجد الحرام وحرمة المسلمين وحمل السلاح عليهم بغير حق؟) 128.
المعلم الثاني: التحقق من ثبوت النص
إن من أهم القضايا التي ينبغي أن يراعيها مريد تنزيل النصوص على الواقع التثبت من صحة تلك النصوص، فإن كان النص قرآنا فهو المقطوع بثبوته، وإن كان سنة نظر فيه وفي إسناده فإن كان صحيحا ثابتا فمقبول وإن كان ضعيفا فمردود ولا تفسر الوقائع في ضوئه، والأمر يكون أشد وأشد عند الاحتجاج بالموضوعات، إذ رواية الموضوعات غير جائز إلا مع البيان فكيف بالاحتجاج بها، يقول الإمام ابن قدامة المقدسي: (أما الأحاديث الموضوعة التي وضعتها الزنادقة، ليلبسوا بها على أهل الإسلام، أو الأحاديث الضعيفة - إما لضعف رواتها، أو جهاتهم، أو لعلة فيها، فلا يجوز أن يقال بها، ولا اعتقاد ما فيها، بل وجودها كعدمها) 129، ويقول شيخ الإسلام: (الاستدلال بما لا تُعلم صحته لا يجوز بالاتفاق، فإنه قول بلا علم، وهو حرام بالكتاب والسنة والإجماع) 130، فهذا في الاستدلال بما لا تعلم صحته فكيف بما يعلم ضعفه بل وضعه! والناظر في واقع كثير من الكتاب في هذا الباب اعتمادهم لجملة كبيرة من الأحاديث الضعيفة بل والموضوعة يفسرون من خلالها مجريات الأحداث وما سيستقبلونه من أحداث، بل إن المرء ليلمس من تصرفات بعض أولئك الكتاب أنهم هم أنفسهم ممن يمارس هذا الدور الخطير في الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، فيؤلف بخياله الواسع كلاما سخيفا ثم يقدمه بقالب (وقال النبي صلى الله عليه وسلم) !!، ثم يزعم أنه مروي في مخطوط قد عثر عليه في قصة عجيبة، والعجيب حقا أن تكتحل عيناه هو فقط بهذا المخطوط وتعمى عنه عيون أهل العلم في القديم والحديث، فليحذر أولئك أن يكونوا أحد الرجلين الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهما: (من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين) 131، بوب عليه الخطيب البغدادي في كتابه الجامع لأخلاق الرواي وآداب السامع 2/134: (تحريم رواية الأخبار الكاذبة ووجوب إسقاط الأحاديث الباطلة) ، قال الإمام النووي: (وَأَمَّا فِقْهُ الْحَدِيثِ فَظَاهِرٌ فَفِيهِ تَغْلِيظُ الْكَذِبِ وَالتَّعَرُّض لَهُ وَأَنَّ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ كَذِبُ مَا يَرْوِيهِ فَرَوَاهُ كَانَ كَاذِبًا، وَكَيْف لَا يَكُون كَاذِبًا وَهُوَ مُخْبِرٌ بِمَا لَمْ يَكُنْ) 132، قال حبيب بن أبي ثابت: (من روى الكذب فهو الكذاب) !133، وليحذر الكاذب أن يكون من أهل حديث: (إن كذبا علي ليس ككذب على أحد ، من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) 134، وفي حديث آخر: (إياكم وكثرة الحديث عني فمن قال علي فليقل حقا أو صدقا ومن تقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار) 135، قال البغوي: (اعلم أن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم أعظم أنواع الكذب، بعد كذب الكافر على الله) 136.
وعسى أن يكون أولئك ممن أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنهم فقال: (سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم) وفي رواية: (يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم لا يضلونكم ولا يفتنونكم) 137.
ومن غرائب أخبار الكذب في الحديث مما له صلة بموضوع البحث ما ذكره الخطيب البغدادي عن أبي أنس الحراني قال: قال المختار لرجل من أصحاب الحديث: ضع لي حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم أني كائن بعده خليفة، وطالبٌ له بترة ولده، وهذه عشرة آلاف درهم وخلعة ومركوب وخادم، فقال الرجل: أما عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا، ولكن اختر من شئت من الصحابة، وأحطك من الثمن ما شئت، قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم أوكد، قال: والعذاب عليه أشد. 138