فهرس الكتاب
هذا هو واقع الاتحاد الفيدرالي ، ولذلك فإلغاء جوازات السفر بين دولتين أو الوحدة الاقتصادية بين دولتين ، أو توحيد مناهج التعليم ، أو توحيد التشريع هذه كلها ليس لها علاقة بالاتحاد الفيدرالي . فقد تحصل بين الدول دون اتحاد فيما بينها . وكذلك ليس من الاتحاد الفيدرالي في شيء أن يقرر البرلمان أو البرلمانات أو المؤتمرات أو المشيخات قيام مثل هذا الاتحاد فيما بينها ، لأن مثل هذا القرار ليس إلاّ مجرد تعبير عن رغبة فقط . والمهم تقرير دستور يحدد نوع الاتحاد ودولته وصلاحياته .
وعليه فإن الشرع الإسلامي لا يجيزه بين المسلمين مطلقًا مهما كان نوع الاتحاد ، لأن نظام الحكم عند المسلمين نظام وحدة ، لا نظام اتحاد . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن السيادة في الإسلام للشرع ، فهو الذي يقرر نظام الحكم والتشريع والمال ، فلا خيار لأحد في تقرير شيء منها ، ثم إن أحكام الشرع واحدة لكل مسلم ، فلا يصح أن يختلف حكم الشرع في بلد عن بلد ، فلا يجوز اختلاف التشريع . ومالية المسلمين واحدة ينفق عليهم من بيت مال المسلمين بغض النظر عما إذا كانت لبلادهم واردات أم لم تكن . والجهاد فرض على المسلمين فيجب أن ينفروا للجهاد إذا غزيت أي بلد من بلدان المسلمين لاسيما إذا عجز أهل ذلك البلد عن القيام بأعباء الدفع والجهاد ، فكيان المسلمين كيان واحد جبرًا ، وتشريعهم وأموالهم وكل شيء يتعلق بالحكم واحد لا يجوز أن يتعدد ، فنظام الحكم ونظام الحياة عندهم نظام وحدة ، لا نظام اتحاد . وعليه فالإسلام يوجب نظام الكيان الواحد ، لا نظام اتحاد الكيانات المتعددة ، وهو يُحرِّم الاتحاد ، ويوجب الوحدة ويوجب الحرب لتحقيقها"."
[ الفيدرالية والكونفدراليه ، موقع إذاعة العقاب ، 9 ايلول 2005م ، بتصرف ] .
هذا رأي فقهي معتبر وهو ينظر إلى الموضوع من حيث الحكم الأصلي ، فان حصل عارض أو ضرورة فمع القول بعدم شرعيتها إلا أن لها ما يقننها في التشريع الإسلامي عملًا بقاعدة (الضرورات) وهي تقدر بقدرها ، ومن هنا لا يجوز لأي جماعة إسلامية أو حزب إسلامي أن يدعو إلى النظام الفيدرالي ابتداءً لما بيناه من الحرمة ، ولكن إن وقع قدرًا فالمسلمون مأمورون حينئذٍ بتخفيف ودفع المفاسد ما أمكن وهذا باب واسعٌ يترك البت به لهيئة علماء المسلمين والمجامع الفقهية في العالم العربي والإسلامي.
فنظام الدولة في الإسلام من حيث الأصل يقوم"على نبذ كل ما من شأنه إضعاف أعمدة وبنيان الدولة والانتماء الوطني ولو بشكل ظاهري بحت."
من هنا لاحت المركزية على أنها نظام الحكم الأمثل بالنسبة للحكام إن لم نقل حتى الذي لا بديل له، لا سيما وأن المركزية تؤدي إلى تسهيل وتفعيل استخدام آليات المراقبة تجاه شعوبهم وفيما يختص بمواجهة أخطار التهديد من الخارج"."
[ النظام الفيدرالي في العالم العربي، عارف حجاج ( ص3 / موقع قنطرة ) ] .
فلو كانت الدولة مركزية قوية سيادية وطبق فيها ( النظام العادل ) الذي يضمن للجميع حقوقه وحرياته ضمن آليات تحول دون الاستبداد والاستئثار بالسلطة على نحوٍ يتعارض مع القواعد الإسلامية ، فان ذلك هو الأمثل والأليق بقواعد الشرع الداعية إلى الوحدة لا الاتحاد !
ثانيًا: ينفرد العراق.. أو ما اصطلح على تسميته بحضارة مابين النهرين . بأنه الأرض الوحيدة في الدنيا , التي احتضنت ست حضارات مشرقة. كلُ حضارةٍ حفرت في أديم الأرض لتاريخها. وصدرت للبشريةِ أعظم العلوم والفكر والقوانين. فالسومريون هم أول من أوجد الكتابةَ وعلم الرياضيات. وخلفهم الأكديون الذين انبهروا بالسماء وما حوته من علوم الفلك. ثم جاء البابليون... وكانت مسلة حمورابي أول تشريعٍ دنيوي يحاكي الدساتير الحديثة، لما جاءت به من قوانين وتشريعاتٍ سبقت كل قوانين الأرض ( الوضعية ) .
وفي عصر نبوخذنصر بنيت الجنائن المعلقة. لتكون شاهدًا على تقدم العراقيين في هندسة البناء والري. ثم تلاهم الكلدانيون فالآشوريون الذين بسطوا سيطرتهم على العالم القديم، فكانوا أول من اخترع العجلةَ، فامتد نفوذهم إلى النيل غربًا وآخر بلاد فارس شرقًا. ويوم اكتسح الاسكندر المقدوني الشرق، احتفى به الفرس وطلبوا منه أن يلتقي بسفراء الدنيا في عاصمة العالم القديم وقتذاك بابل. فاستغرب الاسكندر ان تكون هناك عاصمةٌ للدنيا غيرُ عاصمة بلاده أثينا. وفي بابل دس الفرس السم كعادتهم للإسكندر وقتلوه، حيث تم حرق جسده ونثر رماده في نهر الفرات. ولما وفدت آخر الحضارات إلى العراق... وفي عصر الإسلام وهي الدولة العباسية. حيث أصبحت بغداد آنذاك قبلةُ شعوب الأرض لتكون حاضرة الدنيا, عادة تفد الأجناسُ والملل من مختلف أنحاء العالم إلى المدن الشهيرة والتي يطبق اسمها الآفاق. وهكذا قُدِّرَ أن تسكن أرض العراق أجناسٌ ما زالت باقيةٌ حتى يومنا هذا ، ومنها ما زالت باقيةٌ ولكن بأعدادٍ قد لا تزيد عن الألفين أو ثلاثة آلاف. احتفظت بتركيبتها وحتى بطقوس أديانها. وهذا يفسر كثرة الأعراق والأديان والملل في العراق اليوم.
ولعل أكراد العراق من هذه الشعوب التي سكنت الأطراف الشمالية الشرقية من العراق. قادمةٌ من مناطق القوقاز وغيرها، وبتأثير الدولة الصفوية العنصرية التي حكمت العراق ردحًا من الزمن أيام ضعف الدولة العباسية، دانت أقوامٌ بالمذهب الصفوي، وساد هذا المذهب الأطراف الشرقية من العراق وما لبث أن توغل إلى العمق العراقي.
نخلص إلى القول... هل يعطى الحق لمثل هذه الأعراق أو الملل أن تعتبر الأرض التي وفدت إليها أرضها بالتقادم. وتطالب باقتطاعها لتشكل عليها وطنًا قوميًا لها ؟ طبعًا لا... فالعراق أرضٌ قديمةٌ قَدمَ التاريخ. تكاد أن تكون حدودها موثقةٌ. ولم يحدث أن اتهم العراق بأنه ابتلع شبرًا من أراضي الغير. لهذا فإن إثارة مشاريع الفيدرالية والتقسيمات، سيجلب إلى المنطقةِ كارثةً هي في غنىً عنها. ولعل دولة الشعوب الإيرانية ستكون المتضرر الأول من تقسيم العراق ، لإنها هي الأخرى خليطٌ من الأعراق والملل والأديان والأجناس، تنفرد بقيادتهم الأمة الفارسية القومية العنصرية، والتي لا يزيد عدد سكانها على الـ 25 مليون نسمة، مقابل 15 مليون كردي في الشمال الغربي لها الملاصق للعراق ، فيما تشكل الشعوب العربية والتركمانية والبلوشية والاذربيجانية بقية الدولة .
إذن... لا جدوى من الفيدرالية. فالغرباء لا يحق لهم تمزيق وحدة العراق.
[ لا للفيدرالية ، طلال معروف نجم ، موقع اذاعة العقاب 1/3/2005م ] .
ثالثًا: إن المشروع الأميركي لبناء (النموذج الديمقراطي المشع) في العراق، وهو الحجة الرسمية المتبقية للدعاية الأميركية بعد تهافت وانهيار الذرائع الأخرى، قد ينتهي إلى تحقيق الحلم الصهيوني في تقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات طائفية وعرقية متناحرة حتمًا، هي شمال كردي ووسط سني وجنوب شيعي ( أو الى أكثر من ذلك كما يحلو للدكتور واثب العامود في تصوراته عن الفيدرالية حتى غدا العراق ثوبًا يختلف الخائطون في تفصيله كلٌ على هواه !! ) ، وهو ما سبق أن حذرنا منه مرارًا وتكرارًا وتخوف منه الكثيرون غيرنا ممن يحدوهم الأمل بألا تنتهي كارثة غزو واحتلال العراق إلى كارثة أعظم، وهي تفتيت وتقسيم هذا البلد العربي الكبير والعريق وإدخاله في دوامة حرب أهلية لا يعرف أحد متى يمكن لها أن تنتهي.
[ انظر: مصير العراق في ظل صدمة الفيدرالية وشبح التقسيم ، عبد المالك سالمان ، ( ص 1-5 ) بتصرف] .