فهرس الكتاب

الصفحة 1441 من 2255

كما على أهل العلم والدعاة أن يبلغوا حكم الله تعالى والذي يجب إنفاذه في حق أهل الفجور، وإن تعذّر تطبيقه، فالرجم بالحجارة حتى الموت هو حكم الله تعالى في الزاني المحصن، وأما البِكر فجلد مائة وتغريب عام، وأما الذين يقارفون عمل قوم لوط، فعقوبته أغلظ من عقوبة الزاني، فقد أجمع الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ على قتل اللوطي، وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله، فمنهم من يرى تحريقه بالنار، ومنهم من قال يُرمى من شاهق... كما جاء مبسوطًا في موضعه.

< والمقصود تكثيف البرامج الدعوية بشأن شناعة الفواحش، وبيان مفاسدها وعواقبها الوخيمة في الدارين، فمن العجب أن يجاهر دعاة الرذيلة بفجورهم وفسوقهم، بينما يلوذ بالصمت الكثير من دعاة الفضيلة والعفاف!

فالمتعيّن أن نجهر بالفضيلة والطهر والنقاء، وندافع بكل حزم هؤلاء الدعاة العاكفين في أوحال القاذورات، ومستنقع الشهوات، بما يدرأ فجورهم ويكفّ غيّهم.

«نحن نعلم أن بعض الناس يعيش أغلب أوقاته في شبكة (المجاري) .

ويبدو أن بعض الأدباء أَلِف الحياة في مجاري المجتمع ومساربه السفلى، والمدهش أنه يريد جرّ الآخرين إلى مستواه الخُلقي، أو أنه يريد نقل روائحه المنتنة إلى ظاهر الحياة محاولًا طمس ما نبت فوقها من حدائق وما فاح في جوها من عطور.

كذلك يصنع كتّاب الجنس في بلادنا، وفي أكثر أقطار الدنيا» (4) .

ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية إذ يقول: «فهكذا أهل الشهوات الفاسدة، وإن أضرمت قلوبهم نارة الشهوة ليس رحمتهم والرأفة بهم تمكينهم من ذلك، أو ترك عذابهم، فإن ذلك يزيد بلاءهم وعذابهم، والحرارة التي في قلوبهم مثل حرارة المحموم، متى مُكِّن المحموم مما يضره ازداد مرضه، أو انتقل إلى مرض شرٍّ منه.

فهذه حال أهل الشهوات، بل تُدفع تلك الشهوة الحلوة بضدها، والمنع من موجباتها، ومقابلتها بالضدّ من العذاب المؤلم الذي يخرج المحبة من القلب...» (5) .

وقال أيضًا: «ولا ريب أن محبة الفواحش مرض في القلب، فإن الشهوة توجب السكر، كما قال تعالى عن قوم لوط: {لَعَمْرُكَ إنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر: 72] . وقد نهانا الله ـ عز وجل ـ أن تأخذنا بالزناة رأفة، بل نقيم عليهم الحدّ، فكيف بما هو دون ذلك من: هجر، وأدب باطن، ونهي، وتوبيخ وغير ذلك؟ بل ينبغي شنآن الفاسقين وقليهم على ما يتمتع به الإنسان من أنواع الزنى» (6) .

ويقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ في هذا الشأن: «نهى الله ـ سبحانه ـ عباده أن تأخذهم بالزناة رأفة في دينه بحيث تمنعهم من إقامة الحدّ عليهم، فإنه سبحانه من رأفته بهم ورحمته بهم شرع هذه العقوبة، فهو أرحم لهم منكم بهم، ولم تمنعه رحمته من أمره بهذه العقوبة، فلا يمنعكم أنتم ما يقوم بقلوبكم من الرأفة من إقامة أمره...» (7) .

فلا بد من بذل الجهد في توعية أهل الإسلام بمفاسد الفواحش، وسبل السلامة والوقاية من الفواحش وأسبابها، ومن أهم ذلك: إحياء واعظ الله تعالى في قلب كل امرئ مسلم، وتحريك بواعث الخوف والخشية من الله جلّ جلاله، وبيان ما يعقب هذه الفواحش واللذات العاجلة من الأنكاد والحسرات والأوجاع والنكال في الدنيا والآخرة.

مآرب كانت في الشباب لأهلها عِذابًا، فصارت في المشيب عَذابًا

< لا يُكتفى بالتوعية والتوجيه ويهمل جانب الأخذ على أيدي هؤلاء الشبيبة، وحجب منافذ الغواية عنهم، وكفّ وسدّ الوسائل المفضية إلى الرذيلة، فإن لتلك الشهوات سكرًا وخمرًا، فإذا استحوذت الفواحش على المرء، صار القلب متيمًا مستعبدًا للملذات.

وقد أشار ابن القيم إلى ذلك السكر فقال: «ومن أسباب السكر: حبّ الصور؛ فإذا استحكم الحبّ وقوي أسكر المحبّ، وأشعارهم بذلك مشهورة كثيرة، ولا سيما إذا اتصل الجماع بذلك الحبّ، فإن صاحبَه ينقص تمييزه أو يعدم في تلك الحالة بحيث لا يميّز، فإن انضاف إلى ذلك السكر سُكر الشراب بحيث يجتمع عليه سُكر الهوى، وسُكر الخمر، وسكر لذّة الجماع، فذلك غاية السكر...» (1) .

سُكران: سكر هوى وسكر مُدامة

ومتى إفاقة من به سكران؟

والمقصود أن حبّ الشهوات إذا استحكم على الأشخاص، فقد لا يجدي التوعية والتوجيه في حق من غاب عقله، وأُشرب حبّ شهوته، فعندئذ يحتاج إلى الزجر والأخذ على أيدي أولئك الأشخاص، وأَطْرِهم على الاستقامة أطرًا، لا سيما لمن كان لهم ولاية أو سلطة، فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت