فهرس الكتاب

الصفحة 1529 من 2255

فكتب الله الخلافة في الأرض ، لرسالة جديدة ، ورسول جديد ، يردُّ إلى شريعة الله استقامتها ، وإلى قيادة السماء بضاعتها ، ونزّل الله الكتاب على عبده محمد صلى الله عليه وسلم ، قرآنا عربيا ، لينذر أم القرى ومن حولها ، وشرع فيه ما وصى به نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ، ليصل بين حلقات الدعوة منذ فجر التاريخ . ويوحّد نهجها ، وطريقها ، وغايتها ، ويقيم بها الجماعة المسلمة التي تهيمن وتقود . قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } الجاثية18 . وقال تعالى: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } الشورى15

إنها القيادة الجديدة للبشرية جمعاء ، القيادة الحازمة المستقيمة على نهج واضح ، ويقين ثابت ، القيادة التي تعلن وحدة الرسالة ، ووحدة الكتاب ، ووحدة النهج والطريق ، قيادة تردّ البشرية كلها إلى ذلك الأصل {وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ} الشورى15 قيادة تستعلي بالحق وتهيمن بالعدل { وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ } قيادة تعلن الربوبية الواحدة { الله ربنا وربكم } قيادة تعلن فردية التبعة من خير وشر { لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ } قيادة تعلن إنهاء الجدل والخصومة ، لأن الحق قد ظهر بالقول والفصل { َلَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ } قيادة تكل الأمر كله إلى الله ، فهو الذي { يَجْمَعُ بَيْنَنَا} يوم القيامة { وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} المرجع والمآب يوم الحساب .

"تفسير القرآن العظيم"لابن كثير ج (5) ص (495) ."محاسن التأويل"للقاسمي ج (14) ص (301)

"تيسير الكريم الرحمن"للسعدي ص (701) ،"في ظلال القرآن"لسيد قطب ج (5) ص (3150 ، 3160 ، 3228) .

إن القيادة المطلوبة ، ليست محصورة في شخص بعينه ، أو في مجال واحد من مجالات الحياة ، بل المطلوب تعددها وتنوعها إذا أريد النهوض بالأمة .

وفي هذا الزمن ، تشكك الناس في طريقهم مع وضوحه ، وتعثروا في السير مع سلامته ، وتخلخل صفهم مع وحدته ، وتفرقت كلمتهم بعد تجمعها ، وضعفت عقيدتهم بعد قوتها ، مما كان له الأثر في تخلي الناس عن حمل رسالتهم وتبليغها ، وعدم وجود قيادة صحيحة تسوس الناس بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله لعيه وسلم .

ولما تخلّى المسلمون عن دورهم القيادي ، صاروا في هبوط بعد صعود ، وفي تأخر بعد تقدم ، وفي ذل بعد عز ، وفي نهب بعد منعة ، ونزا عليهم من لا خلاق لهم ، واستولى على عروشهم من يستحق السيف والجريد ، فساموهم سوء العذاب ، يذبحون أبنائهم ، وينتهكون حرماتهم ، ويبددون ثرواتهم .

إن أمتنا اليوم تمشي على غير السنن المراد لها شرعا ، وإن أجيالها تتوجّه إلى غير القبلة المنشودة .

ومع ذلك كله ، فلدى المسلمين من مجموعاتهم العديدة ، طاقات هائلة ، لا تجد من يحسن توجيهها إلى السبيل الأتم .

والمسلمون اختيروا لقيادة العالم كله ، وحملة العلم الشرعي النقي ، والمؤهلات العلمية العالية ، أجدر الناس بمعرفة مكانتهم ، والحرص على استيفاء شروطها . قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } النور55

"تربية القيادة"لمحمد أمين المصري تقديم الزهراني ص (7 ، 9 ، 11 ،12 ، 16 ، 17 ، 20)

المسلمون يحملون أشرف رسالة

إن المسلمين خير أمة أخرجت للناس ، ولذلك كانت لهم قيادة العالم بأسره ، وهم خير أمة ، لأنهم يحملون خير رسالة وأكرمها إلى الناس جميعا . ولقد فهم ربعي بن عامر هذه الرسالة حينما ترجمها في اللقاء الشهير بينه وبين رستم قائد الفرس في معركة القادسية حينما بعثه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إلى رستم يدعوه إلى الإسلام قبل مناجزة القتال .

قال رستم لربعي: ما جاء بكم ، قال ربعي: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، فأرسلنا بدينه إلى خلقه ، لندعوهم إليه ، فمن قبل ذلك ، قبلنا منه ورجعنا عنه ، ومن أبى قاتلناه أبدًا حتى نفضي إلى موعود الله ، قال رستم: وما موعود الله . قال ربعي الجنة لمن مات على قتال من أبى ، والظفر لمن بقي .

وفي اللقاء الذي جرى بين المغيرة بن شعبة رضي الله عنه ورستم قبل لقاء ربعي بن عامر . قال رستم للمغيرة: إنكم جيراننا ، وكنا نحسن إليكم ونكف الأذى عنكم ، فارجعوا إلى بلادكم ، ولا نمنع تجارتكم من الدخول إلى بلادنا .

فقال المغيرة: ليس طلبنا الدنيا ، وإنما همنا ومطلبنا الآخرة .

إنها مواقف عظيمة ، من عظماء الرجال ، تحمل في ثناياها تحقيق معنى العبودية لله ، وأنه لا مكان في القلوب إلا همٌ واحد ، هو مرضاة الله وابتغاء وجهه .

إن القيادة الصالحة ، وإقامة نظام الحق ، من غايات الدين وأسسه ، والجهاد في سبيل الله عز وجل ، هو السعي المتواصل ، والكفاح المستمر في سبيل إقامة نظام الحق ، ومن كان يؤمن بالله ورسوله ، لا يمكنه أن يرضى بتسلط النظام الباطل ، أو يقعد عن بذل نفسه وماله في سبيل إقامة نظام الحق ، ومن ضعف أواستكان ، فاعلم أنه مدخول في إيمانه ، مرتاب في أمره .

"البداية والنهاية"لابن كثير ج (7) ص (43ـ44) ،"التاريخ الإسلامي"لمحمود شاكر ج (3) ص (174ـ 175) ،"في ظلال القرآن"لسيد قطب ج (3) ص (1320ـ 1321) ،"تربية القادة"لمحمد أمين المصري ص (21 ـ 24)

من سيقود العالم

إن الإعداد لإنشاء الأمة القرآنية ، لا يتم من خلال صيحات متطايرة هنا وهناك ، أو مؤتمرات توهب فيها المجاملات . بل لا بد من طليعة ناضجة ، تحمل العبء الذي أشفقت منه مخلوقات الله من سماء وأرض وجبال ، قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } الأحزاب72 .

وانتصار الإسلام لا بد أن تكون بدايته حملة تجميع وتربية ، لفئة من المؤمنين ، يتجردون ويتبنون قضايا الأمة .

وهذا عمل جليل ، وعلى النفس ثقيل ، وعليهم أن يترسموا طريق الحق ويطلبوه ، وأن يكون السلف الصالح قدوتهم ، والحق دليلهم ، وأن يهتموا بالعقيدة الصحيحة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم وأن يسألوا أهل العلم فيما أشكل عليهم ، وأن يتعاونوا مع الجماعات الإسلامية فيما ينفع المسلمين بالأدلة الشرعية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت