فهرس الكتاب

الصفحة 1589 من 2255

ولن يجد الدارس المدقق في عهد النبي (عليه الصلاة والسلام) والصحابة من بعده شبيهًا بالجدل الذي أثارته أحاديث الفتن وآخر الزمان أو مثيلًا للذهنية السالبة التي تكونت في العهود التالية. ولاشك أن المقارنة تبرز في العهد الأول مجتمعًا واثقًا من نفسه، مستيقنًا من مستقبله، مفعمًا بواجبات الدعوة، ينطلق أفراده بثقة وطلاقة يستنجزون بها وعود المستقبل التي بشرهم بها الرسول، عليه الصلاة والسلام، يبلغون بعزمهم من الأرض ما بلغ الليل والنهار، بمقابل مجتمع محبط، فاقد لثقته في نفسه شاك في مستقبله بعد أن بدأ انحدار المجتمعات الإسلامية في عهود المتأخرين. ولقد بلغت السلبية مبلغًا دفع الجبريين إلى القبول المذعن لكل آفة تصيب الإنسان، بل وإلى تبريرها. فقبلوا طغيان الحكام وسلّموا لتحول الخلافة إلى جبرية واعتبروه أمرًا طبيعيًا ينبغي قبوله لأنه يتسق مع تردي أحوال الناس بتقدم الزمان.

ومن المفارقة أنه في الوقت الذي تخلصت فيه العقلية المسيحية الغربية من النظرة السالبة إلى المستقبل ومستجداته فيما بعد، وقعت العقلية الإسلامية في شرك الشك واليأس من المستقبل ووارداته. ووجه المفارقة هو أنه إذا وجد في نصوص المسيحية ونظرتها إلى الكون والخلق وتجربتها العملية ما يسند مثل تلك العقلية، فإنه لا يوجد لا في النصوص الإسلامية ولا في تجربة الإسلام العملية في عهوده الأولى ما يبرر ذلك لمن أوتي الفهم الصحيح.

إن تطور هذه النظرة السالبة إلى الزمن والمستقبل قد وضعت التحديث في موضع الشك ابتداءً، كأنما فهم أن التحديث بتحولاته المتسارعة إنما هو استدعاءً مبكر للمستقبل و لخاتمة آخر الزمان.

وقد أخطأ بعض المسلمين الذين أرادوا معالجة هذه العلة فاستنتجوا أنه لا بد للإسلام، كيما ينصلح الأمر، من ثورة كالتي أحدثتها المسيحية الاحتجاجية وصولًا إلى العلمانية المعاصرة. وفي الحقيقة أنه لا مبرر مطلقًا لأن يمضي المسلمون في تجربة مشابهة، لأن بعض الاستدراكات الموجبة التي أحدثتها الحركة الاحتجاجية، أو حتى العلمانية المعاصرة، في العقلية المسيحية الغربية، هي من صميم الفهم الإسلامي. فالمسلمون لا يجدون نصوصًا في كتابهم تصطدم بمفهومات العلم، وهم يؤمنون أصلًا بخصوصية العلاقة بين العبد وربه، لا بمفهوم فردنة التدين واعتباطية العلاقة بين المخلوق والخالق ولكن بمفهوم خصوصية التكليف والمسئولية وانتفاء الوكالة والنيابة بين الإنسان والله. وهم يرفضون لاهوتية الحاكم بمعنى اعتصامه بتفويض إلهي يترفع به عن المسئولية أمام البشر. ومثل هذا كثير مما يتوافق فيه الإسلام الصحيح مع بعض إصلاحات الحركة الاحتجاجية التي ثارت على جمود المفاهيم الكاثوليكية السائدة.

تحديث أم تغريب أم أمركة؟

كما أوضحنا من قبل فإن الحضارة الغالبة هي التي عادة ما تملي معايير التحديث وفق مقاييسها الذوقية التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمعتقداتها وأساليبها في المعاش. لذلك فإن ما ينفر المسلمين من التحديث المعاصر هو اختلاطه النفسي والمفهومي مع فكرة التغريب. بالطبع فإن البعض من المسلمين لا يجد حرجًا في قبول التغريب، بل ربما كان يدعو إليه صراحة. لكن هؤلاء في قلة وأولئك الذين يأبونه في كثرة.

ومن اللافت الجدير بالنظر، المعزي للمسلم المعاصر، أن الجدل حول التحديث يدور الآن بذات الحيوية في بعض المجتمعات الغربية مثلما يدور في المجتمعات الإسلامية. بعض منطلقات هذا الجدل في الغرب منشؤها الموقف الديني والثقافي من التحديث، على طابع جدل المسلمين. والبعض الآخر منشؤه النزعة إلى حماية التراث الوطني إزاء ما يرونه أمركة لأساليب الحياة وأذواق الناس. وينبغي الانتباه إلى أن كراهة التحديث في هذه الحالة لا تقتصر على الرغبة المحضة في حماية التراث إنما تتعداه إلى خوف مبطن مما تستتبعه الأمركة من التهميش الثقافي الذي يجلب معه فقدان الأسواق والضمور الاقتصادي والانحسار من الساحة الاقتصادية العالمية. لقد أدركت الدول من التجارب التاريخية، والتجربة الاستعمارية على وجه الخصوص، أن غلبة الذوق المستمد من حضارة بعينها هو خير ضمان لازدهار منتجات تلك الحضارة على مساحة الرقعة التي يمتد نفوذها فيها. وهكذا دخل جدل التحديث ساحة المنافسة السياسية والصراع حول مفاهيم النظام الدولي وتكويناته.

هكذا، فالتحديث لم يعد قضية خاصة بمجتمعات المسلمين، إنما أصبح قضية تشغل الحضارة العالمية التي ما تنفك تشتبك قضاياها وتتداخل همومها. وهذا من العوامل الإيجابية التي ينبغي تسخيرها في تشكيل العلاقة مع مجتمعات غير المسلمين وأصحاب الحضارات الأخرى لأنها توفر سانحة لمساهمة متميزة في الجدل الدائر يقدمها المسلمون باسم دينهم وحضارتهم.

المسلمون والموقف من التحديث المعاصر

إذا عدنا إلى وصف التحديث الذي أوردناه في بداية الورقة سنجده مختصرًا في التكيف الموجب مع واردات العلم والمعرفة بما يخدم مصلحة الإنسان. وهذا الوصف ينطبق انطباقًا على مفهوم الإصلاح العام الذي هو مقصد لا خلاف عليه من مقاصد الإسلام والرسالات التي سبقته، وكما قيل"حيثما كانت مصلحة، فثمّ شرع الله". والنصوص التي تحض على العلم والقراءة والتزيد من المعرفة تسعف القارئ للقرآن والسنة كما لا تسعف القارئ لأي نص رسالي آخر. لكن برغم هذه الحقيقة فقد ظلت وستظل عقلية اليأس من المستقبل لدى المسلمين سببًا قويًا في تعويق التعامل الموجب مع التحديث، وهو ما يوجب معالجة بعض المفاهيم الخاطئة لديهم حول المستقبل والتطور الزمني.

إن الإيمان بالساعة شرط ضروري من شروط الإيمان، والأحاديث واضحة في أن اللحظة التي تقوم فيها الساعة هي أسوأ لحظات البشرية، وأن الذين تقوم عليهم الساعة هم شرار الناس. وبرغم ذلك ينبغي أن يتقيد الفهم هنا بحقيقتين:

الحقيقة الأولى هي أن الأوصاف الواردة في وصف آخر الزمان لا تستوجب اعتباره حالة مستمرة بغير انقطاع ومتصاعدة بغير انخفاض. إنه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بما كسبت أيدي الناس، فبعض أوصاف آخر الزمان والفتن ترتبط بتحولات في طبائع الناس ومسالكهم كتطاول الحفاة العراة رعاء الشاء في البنيان، وكأن تلد الأمة ربتها. وبعضها الآخر يتعلق يتعلق بسنن الطبيعة ومسالكها، كتقارب الزمان وكثرة الهرج (أي القتل) حتى إن القاتل لايدري فيم قتل، وكأن يُمطر الناس ولا تُنبت الأرض شيئًا.

بعض هذه الأوصاف يتعاقب مع البعض الآخر، وبعضه قد شوهد فعلًا ثم أعقبته فترة من الخير، أي أن نسق التردي في أحوال الكون لا يمضي في خط مستقيم متصاعد، بل قد تتحسن تلك الأحوال إذا تحسنت أعمال الناس وصلح ولاة أمورهم كما حدث على عهد عمر بن عبد العزيز مثلًا بعد فترة من الفتن والطغيان. وكما حدث في فترات أخرى ارتد فيها بعض المسلمين إلى نحو من عبادة الأوثان ثم أخلصوا دينهم لله على أيدي الدعاة المصلحين. (لا يذهب الليل والتهار حتى تعبد اللات والعزى) . أو نسي المسلمون الله ثم ثابوا إلى ذكره. (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت