فهرس الكتاب
إن نصوص القرآن والسنة تشير إلى سنة التعاقب بين الشر والخير، بين غلبة الحق وغلبة الباطل، بين العسر واليسر، بين تداول الأيام بين خيار الناس وشرارهم. وفوق ذلك كله يبشر القرآن، تأكيدًا لما سبقه من كتب، أن الأرض يرثها عباد الله الصالحون. وأصحاب اليمين بنص القرآن هم ثلة من ألأولين وثلة من الآخرين. وقد مضى الوعد من الرسول، صلى الله عليه وسلم، بأن تبقى طائفة من أمته ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة. كما مضت منه الإشارة إلى أن مثل أمته"مثل المطر، لا يدرى أوله خير أم آخره".
وبهذا فإن الراجح في تأويل قوله، صلى الله عليه وسلم، أنه"لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه"أنه في وصف زمان الفتنة لأن الحديث قد ورد على لسان أنس بن مالك، رضي الله عنه، في سياق شكوى الناس من الحجاج بن يوسف. أي لا يأتي زمان فتنة إلا والذي بعده شر منه. أما أن يمضي الزمان كله من سيء إلى أسوأ دون تفريج فهذا مما لا تؤيده المشاهدة ولا يسنده العقل ولا تعضده النصوص.
إن هدي الإسلام في حقيقته هو أبعد من أن يبعث في الناس اليأس والعجز. إن المؤمن مأمور، حتى في لحظة قيام الساعة، إذا كانت في يده فسيلة ألا يقوم من مقامه إلا وقد غرس فسيلته. ذلك أن مفهوم المستقبل في الإسلام لا يتوقف عند نهاية الحياة الدنيا بل يمتد إلى حياة أخرى أفضل. واليأس والقنوط هما من أشد ما حذر الله والنبي منه. وفي الحقيقة لا يمكن للمرء أن يتصور دعوة ترود آفاق النجاح وقد سلّم أصحابها بالهزيمة واستيقنوا الخسارة منذ البداية.
الحقيقة الثانية التي ينبغي تقييد الفهم لأحاديث آخر الزمان بها، هي الارتباط بين تردي أحوال الناس وظهور الفتن بالفساد الذي يحدثونه بأيديهم؛"ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس". والفساد المعني هنا هو فساد الطبائع والسنن. وأمر الله يأتي إلى الدنيا في اللحظة التي تزيّن فيها ويظن أهلها أنهم قادرون عليها. وهذا من أظهر ما تؤيده الوقائع في هذا العصر من تحولات مناخية كبرى، وظهور كائنات مجهرية لم تكن موجودة، أو كانت موجودة ثم تغيرت خصائصها، وظهور أمراض في الحيوان والإنسان ترتبط باختلال سنن التغذية الطبيعية في الحيوان طلبًا لزيادة الإنتاج.
هذان المبدءان المتقابلان، مبدأ الإصلاح ومبدأ الإفساد، هما المبدءان المقيدان لموقف الإسلام من التحديث. وبهذا يكون الموقف من التحديث، بالوصف الوارد أعلاه، موجبًا حتى دون إدخال أي إضافات عليه. لأن مفهوم المصلحة معلوم في المصطلح الشرعي. إنه مستوعب للمصلحة الدينية والدنوية، وهو يعني بالضرورة درء المفسدة. فأيما تحديث قام على استيعاب منتجات العلم والمعرفة الإنسانية وحقق المصلحة وجب تبنيه دون تحفظ، مع كل الإدراك لآثاره الجامعة المانعة على مجتمعات المسلمين المعاصرة ودولهم. سواءً كان ذلك في مناهج العلم والبحث ، أم التطور التقني، أم أساليب تنظيم المجتمع والدولة، وكل ما في الحكمة المتراكمة من التجارب الإنسانية. فالحكمة ضالة المؤمن. وما دامت هي حكمة لا يختلف حول المصلحة الناتجة منها وجب أخذها وتبنيها. وليس من حرج في اقتباس منتجات الحضارات الأخرى، تمامًا كما فعل المسلمون الأوائل، ما وجدت القدرة على التفريق بين البعد المنفعي والآخر القيمي لتلك المنتجات. وقد لا يكون مثل هذا التفريق مهمة سهلة لكنها ممكنة ومتاحة إذا أجهدت العقول في تقصيها وحكمت التجارب في تلمسها. وكيما يؤسس المسلمون موقفهم هذا على نفسية مطمئنة عليهم أن يتذكروا، ويستيقنوا، أن المساهمات الحضارية العظيمة لأسلافهم مدرجة إدراجًا جوهريا لا ينفصل في بنية الحضارة القائمة، وهم بذلك أصحاب سهم وافر فيها. وهذا من أشهر الحقائق التي لا تحتاج إلى كثير تدليل.
من هنا، وبعد إثبات مبدأ التحديث، تتفرع مسألتان ينبغي الوعي بهما. المسألة الأولى وقائية ومقتضاها ضرورة الانتباه لاحتمالات الوقوع في مزالق التحديث التي ميزت التجربة الغربية، مثل النسبوية الموصوفة سالفًا. فمآل النسبوية سيكون لا محالة تكريس اللامعيارية في الدين والأخلاق، على صعيد السلوك الفردي والجماعي، والعلمانية على صعيد الدولة. وقد سبق التدليل على أن حاجات التحول والانعتاق في التجربة المسيحية الغربية هي التي سوغت ذينك التطورين. بينما لا تنشأ حاجة مماثلة في التجربة الإسلامية لأن النصوص الإسلامية لا تنشئ أصلًا تناقضًا مع التحديث.
أما المسألة الثانية التي ينبغي الانتباه لها فهي ايجابية وتستند إلى حقيقة أن التحديث لم يعد محصورًا في جدلية العلاقة المأزومة مع الحضارة الغربية، بل أصبح قضية عالمية ذات أصول نظرية واحدة وإن تنوعت خصوصياتها في كل حيز حضاري مستقل. إن الطبيعة العالمية لمشكلة التحديث لا تمكن من الفصل بين الحداثة والتغريب فحسب، بل تتيح لنا رؤية القضية في أبعادها المشتركة في كل الحضارات: من حيث أصولها ومنابعها، ومن حيث معطياتها العملية والنظرية، ومن حيث نتائجها وآثارها وحلولها. بذلك تنال المجتمعات الإسلامية فرصةأخرى لاستخدام ميزتها النسبية للمساهمة بقدر كبير في تشكيل الاستجابة لتحدي التحديث وإثراء الجدل العالمي حوله، متجاوزة عقدة النقص والتخلف التي تضع المسلمين دائما في موضع المنتظر المتلقي.
إن الميزة النسبية لمجتمعات المسلمين تتمثل في وفرة تجربتها التاريخية ومساهماتها في إيجاد حلول لمشكلات البشرية لفترة ثمانية قرون سادت فيها الحضارة الإسلامية في الساحة العالمية. إن إستدعاء هذه الحقيقة ونصبها أمام النظر يملؤ النفس طاقة معنوية كبيرة تنفلت بها من السلبية وفقدان الثقة التي تميز استجابات المسلمين لكل قضايا الحداثة. وستمثل قضية التحديث بذلك واحدة من أهم قضايا الحوار بين الحضارات لأنها بحق وحقيقة قضية مشتركة في منطلقاتها النظرية وتبدياتها العملية.
سأعطي ثلاث أمثلة فقط، من بين كثير من الأمثلة التي يمكن إيرادها، على النماذج التي يمكن أن يدلل بها المسلمون على قدرة الإسلام وسبقه في تاريخ الإنسانية لمعالجة أعقد قضايا المعاش والأخلاق، ودوره في تحديد اتجاهات التطور للمجتمعات الإنسانية بصفة عامة وليس الإسلامية وحدها.
النموذج الأول هو موقف الإسلام من العلم. إن استعراض تجربة المسلمين في العلم، سواءً في نصوص القرآن والسنة، أو في التجليات والتطبيقات العملية لتلك النصوص خلال الفترة التي سادت فيها مساهمات الحضارة الإسلامية، تعطي سندا قويًا لمن يقول بإمكانية التحديث في إطار من الالتزام الديني والأخلاقي.
النموذج الثاني هو موقف الإسلام من تنظيم علاقة المجتمع بالدولة ومن الرشد السياسي المؤسس على قواعد الشورى وقوامة المجتمع على الحكام، أو إن شئت جملة القضايا التي تطرحها الديمقراطية في العصر الحديث. صحيح أن التجربة الإسلامية العملية في جملتها لا تقدم أمثلة جيدة في هذا الصدد، فيما عدا عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده. لكن النصوص الإسلامية تمثل نقلة كبيرة من الواقع العالمي السائد آنذاك والذي كانت سمته الوحيدة هي البطش والملك العضوض، وهو عين ما حذرت منه النصوص. إن المنهج الذي اختير به عثمان، رضي الله عنه، وحده، أحدث طفرة غير مسبوقة في اتجاه الإنسانية نحو الرشد السياسي. يتضح ذلك بصورة أجلى إذا نظرنا إليه في سياقه التاريخي مقارنين بينه وبين تخلف المناهج السياسية السائدة في الحضارات العالمية آنذاك رغم أنها كانت ترى نفسها في موقع الصدارة الأخلاقية آنذاك.