فهرس الكتاب

الصفحة 1624 من 2255

فمن حيث الآليات والسبل والنظم والمؤسسات والخبرات"التي تحقق المقاصد والغايات من كل الديمقراطية والشورى، فانها تجارب وخبرات إنسانية ليس فيها"ثوابت مقدسة"... وهي قد عرفت التطور في التجارب الديمقراطية، ومن ثم فإن تطورها وارد في تجارب الشورى الاسلامية، وفق الزمان والمكان والمصالح والملابسات ... والخبرات التي حققتها تجارب الديمقراطية في تطور الحضارة الفربية، والتي افرزت النظام الدستوري، والتمثيل النيابي عبر الانتخابات، هي خبرات غنية وثروة انسانية، لا نعدو الحقيقة إذا قلنا انها تقدير خلاف لما عرفته حضارتنا الاسلامية، مبكرا، من اشكلا اولية وضنينة في"البيعة"و"المؤسسات"..."

أما الجزئية التي تفترق فيها الشورى افسلامية عن الديمقراطية الغربية، فهي خاصة"بمصدر السيادة في التشريع الابتدائي"...

فالديمقراطية تجعل"السيادة"في التشريع ابتداء للشعب والامة، إما صراحة، وإما في صورة ما أسماه بعض مفكريها بـ"القانون الطبيعي"الذي يمثل بنظرهم- أصول الفطرة الانسانية ... ومن ثم، فإن"السيادة"، وكذلك"السلطة"في الديمقراطية، هما فلإنسان ... لاشعب والأمة ...

أما في الشورى الإسلامية، فإن"السيادة"في التشريع ابتداء، هي لله، سبحانه وتعالى، تجسدت في"الشريعة"التي هي"وضع إلهي"وليست إفرازًا بشريًا ولا طبيعيًا ... وما للإنسان في"التشريع"هي سلطة البناء على هذه الشريعة الإلهية، والتفصيل لمجملها، والاستنباط من نصوصها وقواعدها واصولها ومبادئها، والتفريع لكلياتها والتقنين لنظرياتها ... وكذلك، لهذا الانسان سلطة الاجتهاد فيما لم ينزل به شرع سمادي، شريطة ان تظل"السلطة البشرية"محكومة بإطار معايير الحلال والحرام الشرعي، أي محكومة بإطار فلسفة الاسلام في التشريع ...

ولذكل كان الله سبحانه وتعالى في التصور الإسلامي، هو"الشارف"لا الانسان... وكان الانسان هو"الفقيه"، لا الله ... فأصول الشريعة ومبادؤها وثوابتها وفلسفتها إلهية، يتمثل فيها"حكم الله وحاكميته"...

أما البناء عليها، تفصيلًا وتنمية وتفريعا وتطويرًا واجتهادًا للمستجدات ولمناطق"العفو"التي هي المساحة الأوسع في المتغيرات الدنيوية، فهو فقه وتقنين، تتمثل فيهما سلطات الإنسان، المحكومة بحاكمية الله ... وفي هذا الجانب يتمثل الفارق الجوهري والاختلاف الاساسي بين الشورى الإسلامية وبين الديمقراطية الغربية ...

ولهذا التمايز والاختلاف -بين الشورى والديمقراطية- صلة وثيقة بنظرة كل من الحضارتين -الاسلامية-والغربية- للكون، ولحدود نطاق عمل وتدبير الذات الإلهية ... وحدود تدبير الإنسان، ولمكانته في الكون ... وللعلاقة بين الإنسان وبين الله ...

ففي النظرة اليونانية القديمة، وخاصة عند"ارسطو" { 384-322 ق م } وهي التي مثلت تراث النهضة الغربية الحديثة - نجد أن الله قد خلق العالم، وحركه، ثم تركه يعمل وفق طبائعه وقوانينه والأسباب الذاتية المودعة فيه، دونما تدخل أو رعاية او تدبير غلهي لحركة هذا العالم ... فالعالم هنا، وفي هذه الفلسفة، مستقل بذاته ... بعد الخلق عن تدبير الله، وحاكمية شرائعه السماوية ...

-وهذه النظرة لحدود التدبير الإلهي، وجدناها في النهضة العلمانية الغربية الحديثة تعتمد على المبدأ الانجيلي الذي يجعل مالقيصر لقيصر ومالله لله، فيفصل بين إطار التدبير الإلهي الذي وقف عند"الخلق"وعند خلاص الروح ومملكة السماء - وبين إطار التدبير الإنساني - الذي أعطاه السيادة في تدبير العمران الإنساني، والملكوت الدنيوي، دونما قيود من الحاكمية الإلهية على هذه السيادة والسلطة البشرية فكلما أن العالم في هذه الفلسفة الغربية للديمقراطية - مستقل بذاته عن تدبير خالقه تدبره السباب والقوى الذاتية المودعة فيه ... فكذلك الانسان في هذه الفلسفة مستقل بذاته، يدير الدولة والمجتمع بالعقل والتجربة، دونما حاكمية إلهية ولا رعاية شرعية سماوية ... فهو"سيد الكون"، الحر والمختار بإطلاق ... ومن هنا كانت له"السيادة"في التشريع، مع"السلطة"في التنفيذ، بتعميم وإطلاق ... بل إن له هذا الاستقلال والحرية المطلقة في العلمانية الشاملة، بمنظومة القيم والأخلاق .

-هذا عن البعد الفلسفي للرؤية الكونية ... ونطاق عمل الذات الإلهية ... ومكانة الإنسان في الكون ... وحريته وسيادته، في الاساس الفلسفي للديمقراطية الغربية ... والتي كانت، لذلك، علمانية - في النشأة والتطبيقات ...

-أما في النظرة الإسلامية، فان الله سبحانه وتعالى، ليس مجرد"خالق"وفقط ... وإنما هو"خالق ... ومدبر"وكما أن خلقه دائم ابدا، فان تدبيره دائم ابدا، وله"حاكمية"في التكوين وفي التشريع معا، ورعاية لكل عوام المخلوقات. ونحن نقرأ، في القرآن الكريم عن نطاق عمل الذات الإلهية":" (8) الا له الخلق والأمر"... قال فمن ربكما يا موسى .. قال ربنا الذي اعطى كل شئ خلقه ثم هدى (9) "وإذا كان الله سبحانه وتعالى، قد استخلف الإنسان لعمران هذه الأرض"واذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة" (10) ... فإن هذا الاستخلاف قد جعل الانسان -في التصور الإسلامي- بالمرتبة الوسط ... فهو نائب ... ووكيل وحر .. وقادر ... ومستطيع ... ومبدع، لكن في حدود الشريعة الإلهية، التي هي بنود عقد وعهد الاستخلاف ... نعم، إنه ليس المجيز المهمسن الفاني في الذات الإلهية ... لكنه، ايضًا، ليس"سيد الكون"وإنما خليفة لسيد الكون ... وبعبارة الإمام محمد عبده { 1265-1323 هـ 1849-1905م } فإن هذا الإنسان"عبدالله وحده، وسيد لكل شئ بعده".

-إنه الانسان خلق الله ... واستخلافه عن الله لا يخرجه من مظلة التدبير الإلهي، بل يجب أن يظل دائمًا وابدًا في إطار هذه الرعاية وهذا التدبير، حتى أن عبدوديته لله هي قمة حريته، لأنها هي التي تحرره من العبودية لكل الطواغيبت ..."قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له" (11) وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين"ولذلك، كانت شهادة أن لا غله الا الله، جامعة لحرية الانسان وتحرره، ولعبوديته لله وحده، حتى لكأنها وجهان لعملة واحدة !.."

-تلك هي على وجه الحصر والتحديد، الجزئية الفلسفية التي تتمايز فيها الشورى الإسلامية عن الديمقراطية الغربية ...

-أما ما عدا ذلك، من تأسيس الحكم والسلطة على رضا الأمة وراي الجمهور واتجاه الرأي العام ... وجعل السلطة في اختيار الحكام، وفي مراقبتهم ومحاسبتهم، وفي عزلهم، هي للأمة ... وكذلك لك اختيار الآليات والنظم النيابية لتكوين المؤسسات الممثلة لسلطات التقنين والتنفيذ والرقابة والقضاء ... فإنها على وجه الإجمال مساحة اتفاق بين الديمقراطية الغربية وبين الشورى الإسلامية ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت