-وكذلك الحال مع مبدأ ونظام الفصل بين السلطات -سلطات التشريع والتنفيذ والقضاء ... وهو لمبدأ الذي تعارفت عليه الديمقراطية الغربية ... فإنه مما تقبله وتحتاجه الشورى اإسلامية ... بل ربما ذهبت فيه تجربية الحضارة الاسلامية أبعد وأعمق وأفضل مما ذهبت التجارب الديمقراطية الغربية، ذلك أن تمييز سلطة الاجتهاد الفقهي في النظام اشوري الإسلامي عن السلطات الرقابية والتنفيذية والقضائية، يجعل السلطات -في النظام الإسلامي ... اربعًا بدلًا من ثلاث ... كما يجعل سلطة التشريع فوق الدولة، بسبب إلهية الشريعة، الأمر الذي يحرر القانون من سلطان الاستبداد البشري والأهواء البشرية ... وفوق ذلك، يحقق هذا النظام الإسلامي الفصل الحقيقي بين السلطات، ذلك أن التجربة الديمقراطية الغربية، التي آلت فيها سلطة التشريع للبرلمان، قد عزت -من الناحية اعملية- سلطة التشريع وسلطة التنفيذ متماهيتان في الهيئة البرلمانية لحزب الأغلبية الحاكم، الأمر الذي جعل الفصل الحقيقي بين سلطتي التشريع والتنفيذ باهتًا الى حد كبير ... أما استقلال سلطة خاصة بالاجتهاد والتقنين، مع التزامها بحاكمية الشريعة الإلهية، فهو الأقرب الى تحقيق مبدأ السلطات، والأكثر تحقيقا لسيادة القانون على باقي اللطات ...
-ولقد أدرك هذه الحقيق - حقيقة هذا التمايز بين الشورى الإسلامية وبين الديمقراطية الغربية ... في عصور القانون بكل منهما -العلماء الغربيون الذين خبروا وتخصصوا في الشريعة اسلامية وفي القانون الروماني، وقارنوا بين الفقه الاسلامي وبين المدونات القانونية في الحضارة الغربية ... أدركوا هذه الحقيقه، إليها الأنظار وسلطوا عليها الأضواء ...
-لقد كتب المستشرق"دافيد دي سانتيلانا" {1845 - 1931م } عن فلسفة التشريع في القانون الوضعي الغربي"إن معنى الفقه والقانون بالنسبة إلينا وإلى الأسلاف: مجموعة من القواعد السائدة التي اقرها الشعب، إما رأسًا أو عن طريق ممثلية÷ وسلطانه مستمد من الإرادة والإدراك وأخلاق البشر وعاداتهم".
-فهو قانون"دنيوي"أي"علماني"خالص الدنيوية ...
-ثم استطرد"سانتيلانا"، مقارنا هذه الفلسفة العلمانية للقانون في الديمقراطية الغربية، بالفلسفة الإسلامية في التشريع والفقه الإسلامي، فقال"إلا أن التفسير الإسلامي للقانون هو خلاف ذلك ... فالخضوع للقانون الإسلامي هو واجب اجتماعي وفرض دينيفي الوقت نفسه، ومن ينتهك حرمته لا يأثم تجاه النظام الاجتماعي فقط، بل يقترف خطيئة دينية ايضًا ... فالنظام القضائي والدين، والقانون والأخلاق، هما شكلان لا ثالث لها لتلك الإرادة التي ستمد منها المجتمع الإسلامي وجوده وتعاليمه، فكل مسألة قانونية إنما هي مسألة ضمير ... والصبغة الأخلاقية تسود القانون ... فالشريعة الإسلامية شريعة دينية تغاير أفكارنا اصلًا ...".
-وذات هذه الحقيقة - حقيقة اختلاف فلسفة الشورى وقانونها الاسلامي عن الديمقراطية وقانونها الوضعي العلماني -يؤكد عليها المستشرق السويسري"مارسيل بوازار"... فيقول -عن اختلاف المصدر والمقاصد بينهما ... لا ومن المفيد أن نذكر فرقًا جوهريًا بين الشريعة الإسلامية والتشريع الأدبي الحديث ، سواء في مصدريهما المتخالفين، او في اهدافهما النهائية ... فمصدر القانون في الديمقراطية الغربية هو: ارادة الشعب، وهدفه: النظام والعدل داخل المجتمع أما الاسلام، فالقانون صادر عن الله، وبناء عليه يصير الهدف الأساسي الذي ينشده المؤمن هو البحث عن التقرب الى الله، باحترام الوحي والتقيد به ... فالسلطة يجب في الاسلام تفرض عددًا من المعايير الاخلاقية ... بينما تسمح في الطابع الغربي ان يختار الناس المعايير حسب الاحتياجات والرغبات السائدة في عصرهم ...""
-هكذا شهد العلماء الخبراء الغربيون بالتمايز -في البعد الفلسفي- بين الشورى الاسلامية وفقهها وبين الديمقراطية الغربية وقانونها ...
-إن الشورى في حقيقتها- هي اسم من"المشاورة"... والمشاورة هي استخراج الرأي فهي -في حد ذاتها- أدخل في"الآليات"... آليات استخراج الرأي ... وهي -بهذا الاعتبار- لايمكن ان تكون نقيضًا لآليات الديمقراطية ... اما التمايز بينهما فإنه يأتي في الموضوع الضي نعمل فيه هذه الآليات ... وفي نطاق عمل هذه الآليات ... فعلى حين لا تعرف الديمقراطية حدودا إلهية لسلطات عمل وإعمال آلياتها، تميز الشورى الإسلامية بين نطاقين من"الأمر"... أمر هو لله .. أي تدبيره الذي يختص به سبحانه ..."وأمر"، اي تدبير، هو في مقدور الإنسان، وفيه تكون شوراه ... وفي القرآن الكريم عن"الأمر"الأول ( الا له الخلق والأمر(12 ) ) - وعن"الأمر"الثاني" ( أمره ... وتدبيره(13 ) ) ... وبحكم خلافة الانسان لله، سبحانه وتعالى، فان"امره ... وتدبيره"أي حاكميته الانسانية محكومة بإطار و ( امر الله وتدبيره ) التي هي حاكمية الله وحدود شريعته الإلهية..."
-ففي المرجعية ... وفي الفلسفة ... وفي الحدود ... وفي المقاصد يرد التمايز بين الشورى الاسلامية وبين الديمقراطية الغربية ... وليس في الآليات ... والمؤسسات ... والنظم ... والخبرات ...
-ان الديمقراطية كفكر وضعي وفلسفة دنيوية لاتمد بصرها الى ما هو ابعد من صلاح دنيا الانسان، بالمقاييس الدنيوية لهذا الصلاح ... على حين نجد الشورى كفريضة الهية تربط بين صلاح الدنيا وسعادة الآخرة، فتعطي الصلاح الدنيوي لعدا دينيا، يتمثل في المعيار الديني لهذا الصلاح.
-مع ضرورة التنبيه والتأكيد على أن الاستبداد مفسد للدنيا والآخرة دميعا، ذلك ان"نظام الدين كما يقول حجة الاسلام ابو حامد الغزالي {450-505هـ 1058 - 1111م } لا يحصل الا بنظام الدنيا ... فنظام الدين، بالمعرفة والعبادة لا يتوصل اليهما الا بصحة البدن، وبقاء الحياة، وسلامة قدر الحاجات، من: الكسوه والمسكن والاقوات والامن ... فلا ينتظم الدين الا بتحقيق الامن على هذه المهمات الضرورية ... فنظام الدنيا شرط النظام الدين".
-فحتى لو وقفت فوائد الديمقراطية عند صلاح الدنيا، فيجب عدم الاستهانة بذلك، وخاصة اذا كان البديل هو الاستبداد، المفسد للفرد والمجموع، وللدين والدنيا جميعا !...
-وأخيرًا ... فسواء أكان أمر الشورى الإسلامية، أو أمر الديمقراطية الغربية، فان هناك فارقًا بين"الأمثال"وبين"الواقع"عند الممارسة والتطبيق ... وإنها لحكمة إلهية أن تظل التطبيقات لكل المبادئ والفلسفات دون"المثال"الذي يصور الفكر لهذه المبادئ والفلسفات، وذلك حتى يظل السعي الإنساني دائبًا ودائمًا على طريق الإقتراب"بالواقع"من"المثال"فينفسح الأمل دائمًا وأبدًا أمام التسابق الإنساني على طريق التقدم والارتقاء ... وإلا فلو حقق الانسان كامل المثال لا نتهي"جدول أعمال"الحياة الإنسانية، وحل القنوط محل التطلع لتحقيق المزيد من الآمال ...