س11. أيضًا يأتينا جانب آخر , وهو جانب تغفل عنه بعض القيادات العلمية ، وهو أنه قد ينظر لفتوى أو وجهة نظر معينة أنها تسير لخدمة هذه الجهة أو تلك , أفلا ترى معي أن هناك مسؤولية على القيادة العلمية أن تكون في مثل هذه المسائل متحررة من التأثيرات ؟
ج11. أثناء أزمة الخليج قلت واستعملت تعبير:"أهواء الحكام وأهواء العوام"نعم , إن على العالم وصاحب الرأي أن يقول ما يرى أنه الحق بالطريقة المناسبة، ولا يكون عالما ولا صاحب رأي إذا كان همه أن يبحث عما يريده الحاكم ليوافقه عليه. لو كنت حاكما لما قربت أمثال هؤلاء ؛ لأنهم لا يفيدونني بشيء. ولكن ما يقال عن الحكام يقال - أيضا - عن العوام، بل إن الاستجابة لأهواء العوام قد تكون أخطر. كذلك ينبغي للعالم والمفكر ألاّ يسخّر أقواله لجماعة ينتسب إليها مهما كانت ثقته بها. وقد رأينا علماء كبارا وقعوا في مثل هذه المتابعة لجماعاتهم، وهي متابعة قد تكون شرا من متابعة الحكام. على العالم صاحب الرأي أن يبذل وسعه في تحري الحق، ثم يصبر على ما يصيبه بسببه . و أن يكون قائدا لا تابعا.
س12. نتحدث الآن عن حكومة (طالبان) بناءً على كلامكم في ظل تعقيد العلاقات الدولية والنظم التي ظهرت نجد حقيقة واضحة أن حكومة طالبان تفتقر إلى مقومات الخبرة السياسية العالمية: لو فرضنا - جدلًا - أن حكومة طالبان استمرت بعد الأحداث الجارية ، هل فعلًا تملك المقومات التي تجعلها تستمر ؟ ! وهذا يقودنا إلى أن نطرح إشكالية هل بناء الدين مقدم على البناء الحضاري أو العكس ؟
ج 12 الدين - كما يقول المختصون بالحضارات - هو أهم عناصر الحضارة، بل هو جوهرها. فلا يمكن - إذن - أن نجعل أحدهما في مقابل الآخر. فلكي تكون الدولة ناجحة ومؤدية لمهامها يجب أن تأخذ بكل وسائل عصرها المشروعة ، ولا بد من التمييز في هذا المجال بين ما أسميه"أهواء العصر وضروريات العصر"، فبعض الناس , مثل العلمانيين - عندنا - يريدون أن نأخذ بأهواء العصر ، مثل تقليد الغرب في الحياة الاجتماعية من مظهر , ومأكل , ومشرب وزواج , وأدب , وما إلى ذلك من أمور لا علاقة لها بأسباب التطور الحقيقي. قلت - ذات مرة -: إن مثل الذين يركزون على الأهواء ، أو ما يسمى بالثقافة (بالمعنى الاجتماعي الاصطلاحي) كمثل شاب أعجب بأحد العدائين فأراد أن يكون مثله، فذهب واشترى مثل لباسه ! هنالك ضروريات عصرية إذا لم تأخذ بها الدولة لا تكون في ذلك العصر دولة قوية ناجحة. أنا لا أريد أن أظلم طالبان , فمعرفتي بها ليست كبيرة. لكن الذي يمكن أن يقال بصفة عامة إن الأخذ بالدين لا يكون أخذا كاملا إذا ما حصر في مسائل العبادات والأخلاق ؛ لأن الله تعالى جعل لبقاء المجتمعات والدول سننا لا بد من الأخذ بها وإلا زالت الدولة مهما كانت قوية من حيث العقيدة والعبادات.
أعود فأكرر للإنصاف أن معرفتي بحكومة طالبان محدودة ولا تمكنني من تقويم تجربتهم، ولا سيما أن كثيرا ممن زاروا أفغانستان ذكروا أن الواقع فيه خير بكثير من الصورة القاتمة التي أشاعها خصومهم. فمثلًا كان يقال عنهم إنهم لا يعلّمون النساء . ولكن عند عودة لجنة العلماء الذين ذهبوا لإثنائهم عن تحطيم صنم بوذا، قال بعضهم ـ أظنه مفتي مصر - إن معظم الكلام الذي يقال عن أفغانستان ليس بصحيح ،وأنه يوجد عندهم كلية للطب فيها حوالي ألف طالبة"."
س 13. نرى قضية ملحة وجديرة بالطرح وهي قضية: كيف تنظرون لنتائج مثل هذا الحدث ، وهل يمكن أن نرى جوانب إيجابية وطرق استثمارها ؟
ج 13 .أولًا: بالنسبة لأمريكا أظن أن الأحداث ستؤثر في السياسة الخارجية تأثيرا كبيرا. فمما هو معروف من عيوب السياسة الأمريكية أنها لا تعتمد على رأي الشعب كما هو الشأن في القضايا الداخلية المحلية ؛ وذلك لأن الشعب الأمريكي غير مهتم بالعالم ويجهله جهلا مطبقا. فمن المؤكد أن هذا الحدث جعل كثيرًا من الأمريكيين يهتمون بالعالم الخارجي ويتساءلون عن سبب كراهية كثير من الناس - ولا سيما - المسلمون لهم. هذا الاهتمام لا بد أن يحدث تغييرا في السياسة الخارجية , فمثلًا: الموقف من إسرائيل , فقد بدأ الناس يسألون - ولو على استحياء - السؤال الذي كان شبه محرم وهو: هل كان سيحدث لنا ما حدث لو لم نكن مع إسرائيل؟ بل قيل: إن بوش غضب من شارون غضبا جعله يغلق سماعة الهاتف في وجهه. مما لا شك فيه أن مثل هذا السؤال من إيجابيات الحدث.
الأثر الإيجابي الثاني الذي صار معروفا هو أن الحدث أثار فضول أعداد هائلة من الأمريكان في أن يعرفوا شيئا عن الإسلام، وأن بعض من فيه خير من هؤلاء هداه الله - تعالى - فصار مسلما ؛ لذا دعوت - بإلحاح شديد - إلى توفير الآلاف المؤلفة من ترجمة القرآن الكريم ؛ لأنه هو السبب الأول لدخول الناس في الإسلام.
ثالثًا: أن هذه التفجيرات جاءت في مقتل بالنسبة للغرور الأمريكي ، وأرى أن الخسائر المادية كانت أقل بكثير من الخسارة المعنوية ، وجعلت الأمريكيين يسخرون من ال"إف بي آي"وال"سي آي إي"الذين كانوا يعتقدون أنهم يحصون على الناس أنفاسهم . بل إنها أسقطت هيبة أمريكا في العالم , أو قل قلّلت منها كثيرا. وربما كان هذا هو السبب في أن أمريكا تحاول - الآن - إظهار نفسها في أفغانستان بمظهر القوة التي لا تغلب , والتي ينبغي أن يحسب لها مخالفوها ألف حساب.
رابعًا:ربما يكون هذا الحدث سببا في تنبيه المسلمين إلى الخطر الذي يتهددهم. فمهما قال الغرب من أن هذه الحرب ليست موجهة ضد الإسلام والمسلمين، فإن الذي يتابع الأخبار يرى أن هذا التحالف الغربي الواسع الذي شمل حتى روسيا , وبلادا كاستراليا ونيوزيلندا لم يأت مصادفة. ثم الكلام لا عن الإرهاب وحده بل عن ما يسمونه (الأصولية) التي تشمل كل من يأخذ دينه مأخذ الجد ويؤمن به منهاجا كاملا للحياة، لا زاوية واحدة من زواياها.
كنت أظن أن هذا الموقف الأمريكي من الحضارات المخالفة لها ربما ساعد في إضعاف موقف العلمانيين عندنا الذين يصورون الغرب على أنه المثل الأعلى للحرية والتسامح. فهاهو الغرب يقول - بوضوح -: إنه لن يتسامح مع ثقافات يراها مهددة لثقافته حتى لو كانت في بلاد يعدونها صديقة مثل السعودية.
ما هذا الكلام الكثير الجاهل السفيه عن الوهابية؟ لا أراه إلا غطاء للكلام عن الإسلام الصحيح المبني على الكتاب والسنة
س14 . هل العمل الإغاثي والمؤسسات الخيرية التي تعمل في الغرب ستتأثر بهذا الحدث
ج14 . يظهر أن هذه المؤسسات بدأت تتأثر بهذا الحدث ، فالغرب يتهم جميع المؤسسات الإسلامية العالمية تقريبا. وللحيلولة دون ذلك يجب علينا أن نقيم جمعيات في الغرب نفسه تكون مستقلة بذاتها وليست تابعة لأي دولة عربية أو إسلامية , بل تكون مدعومة من تلك الدول ، وذلك على غرار ما تفعله الجمعيات اليهودية .
س15. المؤسسات الإعلامية العربية سرّت بأخبار منع الإعلام الأمريكي من نقل رسائل ابن لادن وطنطنت أنه حتى أمريكا تمارس مثل هذا التقييد على الإعلام إذا تجاوز الحدود الحمراء .
ج15 . لم يكن هذا منعا رسميًا بل كان رجاء ، والرجاء لا يناقض الحرية . فالذي رجته الإدارة الأمريكية من (سي إن إن) هو أن تدرس كلام ابن لادن قبل نشره ؛ لأنه قد يتضمن بزعمهم توجيهات مشفرة . الذي أعرفه أن الحكومة الأمريكية لا تملك حق منع وسائل الإعلام من حق يمنحها إياه الدستور.