أما إذا كان السؤال عاما وافتراضيا فأقول: إنه ما دامت تلك الجماعة داخل دولة مسلمة فلا يجوز لها أن تنفرد باتخاذ قرار خطير كهذا. بل يجب عليها أن تأتمر بأمر المسؤولين في ذلك البلد مهما كان نوع الاعتداء الذي وقع عليهم. إن الحرب أمر خطير وذو عواقب عظيمة لا تقتصر على أولئك الأفراد، فمن حق البلد الذي هم فيه أن تكون هي التي تقضي بما إذا كانت مهيأة لخوض حرب أم لا , وإذا ما كانت الحرب في هذا الطور من حياتها في مصلحتها أم لا.
ثم إن كون دولة ما معتدية ومحاربة لا يكون وحده سببًا لإعلان الحرب عليها ، وإنما تُعلن الحرب عندما يكون المسلمون مستعدين لها ومقدرين أنها في مصلحتهم. وإلا فعليهم أن يسلكوا سبلا أخرى. ألم يقل الله - تعالى - للمسلمين وهم بمكة"كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة"، ألم تكن قريش في هذا الوقت معتدية؟ ألم يكونوا يستحقون أن يقاتلوا؟ بلى , ولكن المسلمين لم يكونوا من حيث القوة المادية قادرين على قتالهم , ولا سيما وهم بين ظهرانيهم. قال ابن كثير شارحا النهي عن القتال في مكة"ولم يكن الحال إذ ذاك - مناسبًا - لأسباب كثيرة , منها: قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم."عندما هاجر المسلمون , وصارت لهم أرض وأمكنهم أن يقاتلوا، قال - جل وعلا -"أذن للذين يقاتلون بإنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله". فالظلم كان موجودا قبل الإذن بالقتال، وكذلك إخراج بعضهم من ديارهم. لكن الذي حدث - الآن - أن المسلمين صاروا في موضع فيه قوة. ومع ذلك لم يؤمروا بالقتال , وإنما أعطوا إذنا به. ولم يؤمروا به إلا بعد أن زادت قوتهم. إن الذي أخشاه من نوع الحجج التي بدأت تثار أن هناك شيئًا أصيلًا في الإسلام أصبح بعض الناس يتجاهلونه , وأصبحوا يفكرون بطريقة الأديان الخرافية التي لا مكان فيها للعقل , ولا للأخذ بالأسباب الدنيوية. هذا مع أن مما يميز هذا الدين: أن العقلانية جزء لا يتجزأ عنه. وأعني بالعقلانية: الأخذ بالأسباب التي جعلها الله أسبابا للآثار التي يتغياها الناس، وأعني به مسائل كارتكاب أخف الضررين، وتحقيق أكبر المصلحتين، واعتبار النتائج المترتبة على الأعمال. كل هذه أمور أمرنا الله - تعالى - بها. فالأخذ بها جزء من الدين , فلا يجوز لإنسان أن يهملها , ثم يعتمد على نصر الله - تعالى - له لأنه مسلم ؛ وذلك لأن الله تعالى إنما ينصر من ينصره، وإن من نصره أن تأخذ بكل ما تستطيع الأخذ به من الأسباب التي جعلها الله أسبابا. ثم تتوكل بعد ذلك على الله تعالى معتقدا بأن النصر لا يكون إلا منه، وأن هذه الأسباب التي أخذت بها لا تؤتي ثمارها إلا بإذن الله تعالى. إنني كثيرا ما أستشهد على هذا بالاحتياطات التي احتاطها النبي - صلى الله عليه وسلم - في هجرته، احتياطات لو نظر فيها إنسان علماني لا يعرف الرسول - صلى الله عليه وسلم - لظن أنه إنسان عقلاني بحت. ثم لو نظر إلى عبادته ودعائه وتوكله واعتماده على الله تعالى ، لظنه رجل دين لا علاقة له بالعقلانية. لكن الذي يميز المسلمين أنهم عرفوا بهداية ربهم أن الأسباب نوعان: أسباب دنيوية، وأسباب روحية. فكما أن إعداد القوة المادية سبب ؛ فالدعاء أيضا سبب. فلا ينبغي لإنسان يزعم أنه مسلم أن يهمل أيا منهما. انظر إلى الحذر الذي أمر الله - تعالى - به المسلمين حين يريدون الصلاة وهم في لقاء مع عدوهم. لو ترك الأمر لصاحب التفكير الخرافي لقال: لا داعي للأخذ بكل هذه الاحتياطات، فنحن مسلمون ومقبلون على ربنا في صلاتنا، فهو ناصرنا.
فنصوص الكتاب السنة الآمرة بالأخذ بالأسباب وتقدير النتائج , وارتكاب أخف الضررين لا تكاد تحصر، لكنك إذا ذكرت للناس كلاما كهذا اليوم ربما ظنوا أنك رجل ضعيف الإيمان متأثر بالتفكير المادي.
س8. كيف تنظرون لمثل هذا التباين في المواقف على المستوى العلمي الشرعي , وإلى ماذا تعزونه ؟
ج8. أحد الأسباب أنه عندما تفقد الأمة علماءها الكبار الذين يثق بهم عامة المسلمين ويرجعون إليهم في حدث مثل هذا ، فلا بد أن نتوقع هذه النتائج .
السبب الثاني: عدم تشاور العلماء. مع أن المناسب في مثل هذه الأحداث الكبيرة ألاّ يلجأ كبار علمائنا إلى الفتاوى الفردية، بل يحسن بهم أن يتشاوروا , ويحاولوا إصدار فتاوى جماعية. حتى لو لم يجمعوا على أمر فإن التشاور والاتصال حري بأن يضيق من شقة الخلاف.
س9. ترى بعض الجهات أن حل مثل هذا الأمر يكون في حصر الفتوى بالجهات المصرح لها رسميًا دون اعتبار لغيرهم ممن ليسوا من أهل المناصب الرسمية في الجانب العلمي الشرعي . رغم أنهم لا يقلون مكانة ، بل قد يكونون هم الأقرب تأثيرًا على المسلمين ، وهذا ما يزيد المشكلة .
ج9. لكن الواقع أن هذا لم يحل المشكلة، فما زال بعض العلماء يرون أن من حقهم أن يفتوا الناس بما يرون أنه الحق وإن خالف من يحترمون ويجلون من الهيئات العلمية الرسمية .
فماذا نفعل معهم؟ هل نستطيع أن نقول لهم إنه لا يجوز لكم شرعًا أن تفتوا؟ لكن من المستطاع - في رأيي - أن ينظم الأمر بالطريقة التي ذكرتها. ما أظن أن عالما عاقلا سيقول إنني سأصر على فتواي مهما كان الضرر المترتب على الخلاف بيننا. إن مشكلة الفتاوى أنها لا تعدّ تعبيرًا عن رأي , شأنها شأن مثل هذه اللقاءات أو المقالات، وإنما يعدها الناس حكما شرعيا هم ملزمون به , ولذلك أرى أن تعالج بطريقة غير التي تعالج بها المقالات التي تعبّر عن آراء. إن التشاور في مثل هذه الأحوال مهم جدا بل إنني لأراه ضرورة. تشاور ليس بين العلماء فقط، وإنما مع أهل الخبرة والرأي - أيضا - ، لأن الفتاوى ليست بيانا لحكم شرعي عام، وإنما هي حكم على حوادث واقعية يلزم المفتي أن يحيط بها ما استطاع. ولا يتوقع من أي إنسان مهما كان تخصصه أن يلم بكل الواقع المتعلق بكل حادثة ؛ لهذا لزم اللقاء والتشاور.
من أمثلة ذلك أن أحد العلماء بنى فتواه على فهم للديمقراطية ليس بصحيح، وعلى حوادث لم تكن كما وصفها. إننا كثيرا ما نفترض أن الشورى أمر يتعلق بالحكام الرسميين فقط، مع أن الله تعالى جعلها وصفا للمؤمنين. فهم يتشاورون في كل ما يهمهم من الأمور الفردية والجماعية. والتشاور في المسائل الجماعية مثل مسألة: الحرب واجب , لأن آثار الحرب تشمل كل إنسان تقريبا ؛ ولهذا أرى أنه لا يجوز لفرد , أو جماعة إسلامية أن تنفرد بقرارات في مثل هذه القضايا الجماعية. أليس من حق المسلمين في أمريكا - مثلا - أن تستشيرهم إذا كنت ستقوم بعمل يؤثر عليهم؟ لا أقول تستشير كل المسلمين وإنما تستشير الموثوق بهم من قادتهم وعلمائهم.
س10. نود أن نتوقف عندما تفضلتم به من الحاجة إلى إعطاء القيادات العلمية المستقلة دورا من الأهمية في مثل هذه الظروف ؟
ج10. أجل , إن هذا لأمر ضروري حتى للحاكم ؛ لأن الواقع أن للناس قيادات غير رسمية يثقون بها، بل ويأتمرون بأمرها. هذا أمر موجود في كل بلاد الدنيا وحضاراتها، والتاريخ الإسلامي حافل به. فما دام العالم صاحب الرأي لا يحمل سلاحا ولا يخرج على الحاكم ولا يريد منافسته، بل يلتزم الوسائل السلمية، فلا أرى مسوغا لمنعه من التعبير عن رأيه، ولا أرى هذا المنع مفيدا لا للحاكم ولا للبلد عامة. أقول كل هذا في حدود ما ذكرنا سابقا من ضرورة التشاور إبان الحوادث الكبيرة.