وهذا يعنى أنه عندما يعلن"ستون مثقفا أمريكيا"تأييدهم المطلق لقرار الحرب الذي اتخذته حكومتهم ضد دولة إسلامية، وفي الحقيقة ضد عالم عربي إسلامي اعتمادا على خمسة مبادئ أخلاقية، ينبغي أن لا يغيب عن ذهن هؤلاء، أن هذه المبادئ يختلف مفهومها، وأسلوب ممارستها في حضارة المستكبرين معلني الحرب، عنه في حضارة المستضعفين المدافعين عن أنفسهم، وهذا ما يحتم منهجيا تحديد هذه المفاهيم، واعتراف"المثقفين الأمريكيين"بأنهم لا يمثلون جميع البشر، ولا جميع الحضارات والثقافات، ولا جميع الشرائع السماوية، وإذا كنا نحن"المثقفين العرب والمسلمين"نعترف بما أنجزته (شعوب الحضارة الغربية) من تقدم في العلوم الكونية والإنسانية، فهذا يوجب عليها، وخاصة منها الأمريكية، أن تعترف بما أنجزته (شعوب الحضارة العربية والإسلامية) في جميع مجالات العلم والمعرفة والأخلاق، وتكريم الإنسان، وإعلان حقوقه، قبل ميلاد الولايات المتحدة الأمريكية بمئات السنين.
هذا (الاعتراف المتبادل) بين الحضارتين:"الغربية المسيحية"و"العربية الإسلامية"ليس شرطا أساسيا لاستقرار الأمن والسلام في العالم فقط، ولكنه أيضا، (الرسالة الأخلاقية الإنسانية العالمية) التي يجب أن يؤمن بها، ويدافع عنها، كل هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم"مثقفين"في نظر"الفكر الإنساني"وفي أية"حضارة إنسانية"وجدوا، خاصة في العصر الذي ينعته هؤلاء ب"عصر التقدم العلمي".
إذا اتفقنا على هذا"المبدأ الأساسي في الحوار"فلن تكون هناك أية مشكلة منطقية، ـ أو حضارية، تقف في وجه التفاهم والتعاون الصادق بين حضارتينا، وشعوبهما ومصالحهما المشتركة، والمتبادلة، والمتكاملة...
وكان المفروض ـ بعد أن تزعمت أمريكا قيادة"الحضارة الغربية"بفضل تفوقها العلمي والصناعي والعسكري ـ أن لا يغريها هذا التفوق، ويدفعها لإملاء إرادتها على شعوب وحضارات العالم الأخرى، وان يكون تقدمها الفكري في فهم التاريخ السياسي والاجتماعي والديني والحضاري للدول والشعوب الأخرى، موازيا لتقدمها العسكري ، حتى لا يصيبها الغرور والبطر الذي أصاب ليس فقط الإمبراطوريات الاستعمارية: الإنجليزية والفرنسية، وإنما أيضا الاتحاد السوفياتي، المنافس الأخير والأقوى لأمريكا، الذي لم تعش إمبراطوريته إلا 73 عاما.
علينا إذن أن نفهم ونحلل أساب ودوافع"11 شتنبر"بفكر متزن، وأعصاب هادئة، وهذا يتطلب منهجيا تحديد مفاهيم ومصطلحات المبادئ الخمسة الواردة في الفتوى المذكورة:
بالنسبة للمبادئ الأربعة الأولى، نرجو أن تتأكدوا تاريخيا وحضاريا أن الإسلام كان أول من أعلنها وطبقها في عصور ازدهاره الأولى منذ أربعة عشر قرنا، وأن عبارة مبدئكم الأول، ليست إلا"الإرث التاريخي الحضاري الإسلامي"، الذي جاء في إحدى خطب عمر ابن الخطاب الخليفة الثاني للرسول محمد عليه السلام":"...متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟!". وهذه هي عقيدة جميع المسلمين في العالم باستثناء المارقين أو الجاهلين بالتاريخ، والمبدأ الرابع نص عليه القرءان الكريم بكامل الوضوح ـ على خلاف ما يعتقده اغلب الغربيين ـ في قوله تعالى:"
"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" (البقرة 256) لكن هذه الحرية لا تعنى حق الاعتداء والسخرية بعقيدة الآخرين، وتنديد القرآن بالكفر والكافرين، لا يتعارض مع وجود هذه الحرية للكافرين، بدليل قوله تعالى لرسوله:"ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء"البقرة 272". فالتنديد إنذار إلهي، وتحذير الكافرين بربهم الذي خلقهم، وتأتي"الحرية"في حياتهم الدنيا باختيارهم الحر، لتبرير مضاعفة عقوبتهم يوم الحساب."
ويبقى المبدأ الخامس:"القتل باسم الله مخالف للإيمان بالله"؟!.
هذا حكم جزافي تعميمي، لا يستند لأي قانون منطقي، أنتم تعنون بذلك عمليات المجاهدين والمجاهدات في فلسطين والشيشان أو أفغانستان باسم الجهاد في سبيل الله، ضد المستعمرين المعتدين والمحتلين للأراضي الإسلامية.
"الجهاد"مصطلح إسلامي لا يعني شيئا أكثر من"حق المسلمين ـ كغيرهم من الناس في الدفاع عن أنفسهم وأوطانهم وأموالهم وأعراضهم ضد أي عدو يعتدي عليهم"، وهذا حق شرعي وطبيعي منحه الله لجميع البشر فضلا عن الحيوان أفرادا وجماعات وشعوبا ودولا في كل زمان ومكان، وليس خاصا بالمسلمين. ولكن القرءان الكريم اختص من بين الشرائع السماوية، بأعدل قانون عرفته المجتمعات البشرية لشروط الدفاع عن نفسها، من غير تجاوز للحدود، ولا عدوان على أمن وسلام غير المحاربين.
ولا يخفى أن القرءان ندد بالظلم والظالمين بين عموم البشر في عشرات الآيات، وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى:"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرما بينكم فلا تظالموا".
ولم يشهد التاريخ البشري ظلما على شعب كامل اخرج من أرضه بقوة الحديد والنار والقتل والتشريد، ليحل محله شعب ءاخر، لتحقيق أهداف سياسية واستعمارية، كالظلم الذي لحق بالشعب الفلسطيني، نتيجة تخطيط وتآمر دولي بزعامة بريطانيا والولايات المتحدة، ولكن قمة هذه المأساة الدولية التاريخية لا تتمثل فقط في سقوط الملايين من الفلسطينيين ضحايا على مدى أربعة وخمسين سنة الماضية، وإنما تتمثل في قرار الرئيس بوش حرمان الشعب الفلسطيني من حقه في الدفاع عن نفسه، واعتبار منظماته الإسلامية: حماس والجهاد وحزب الله منظمات إرهابية، وإطلاق يد السفاح شارون يعيث فسادا وتقتيلا في الشعب الفلسطيني أمام أنظار العالم اجمع، بكل أسلحة الدمار الشامل التي زودته بها الولايات المتحدة، إمعانا في إرهاب العالم العربي والإسلامي والدول المستضعفة كلها، وقلبا لكل الحقائق والقيم الإنسانية رأسا على عقب.
لذلك نرجو من"المثقفين الأمريكيين"أن يصححوا معلوماتهم الخاطئة، ومواقفهم السياسية، التي تسيء أعظم إساءة، ليس فقط إلى الفكر الإنساني، وقيم الحضارة الإنسانية وقانون العدل الإلهي العام، الذي فرضه على جميع خلقه على أساس المساواة الكاملة بينهم، ولكن أيضا إلى قضية الأمن والسلام العالمي، وقضية الانفتاح والتعاون والتعايش بين شعوب ودول الحضارتين الإسلامية والغربية.
السؤال الثاني: ما هي القيم الأمريكية ؟
ولماذا"11 شتنبر"؟
أولا: من خلال جوابنا على هذين السؤالين، ستبدو مواقف وأخطاء تفسير"المثقفين الأمريكيين"لهما: جميل جدا أن يتسم هذا التفسير بالاعتراف بأن دولتهم قد تصرفت بروح الاستكبار والجهل تجاه مجتمعات أخرى، ومارست سياسات مضللة وغير عادلة، وتناقضت مع قيمها الأخلاقية، شأنها في ذلك شأن العلماء والمثقفين الذين لا يمكنهم إنكار الواقع اللاأخلاقي للحضارات العالمية المعاصرة، رغم دخول القرن الواحد والعشرين!.
ثانيا: ومؤسف جدا أن يحاول إعطاء تفسير لدوافع"11 شتنبر"من وجهة نظر منحازة لسياسة أمريكية خاطئة ومضللة مائة في المائة، لأنها تنظر إلى الأحداث بعين واحدة، تنظر وتبرر السياسات الحربية العدوانية المتجبرة التي تقوم بها حكومتكم، والرئيس بوش الثاني ضد الإسلام والمسلمين، لا يمكن وصفها ـ والحالة هذه - إلا بأنها"كارثة فكرية أخلاقية حضارية"لصراع عالمي خطير مقبل، ما لم يتم تصحيح هذه الأخطاء، والأحكام الصادرة بمقتضاها من طرف أصحاب هذه الفتوى، وما لم تقتنع الحكومة الأمريكية بضرورة تعديل سياساتها العدائية تجاه الإسلام والعالم الإسلامي.
هجوم"11 شتنبر"لم يوجه إطلاقا ضد"القيم الأمريكية"ولا ضد"الحضارة الغربية"!