إنه من المؤسف حقا انه بقدر ما يتقن المثقفون العرب والمسلمون اللغة الإنجليزية، نرى"المثقفين الأمريكيين"الذين يتوفر قاموس لغتهم الرسمي على أكثر من 3000 مصطلح علمي وتقني مقتبس من اللغة العربية، لا يجهلون فقط هذه اللغة ـ أقدم وأفصح وأبلغ اللغات العلمية العالمية ـ وإنما يعجز المختصون فيها عن ترجمة رموز ومصطلحات أساليبها البلاغية والإبداعية إلى اللغات الغربية، هذا فضلا عن جهل السياسيين والمثقفين الأمريكيين وأغلب الأوروبيين بالتاريخ السياسي للإسلام، والذين يعرفون هذا التاريخ لا يجهلون أن ثلاثة من (الخلفاء الراشدين الأربعة) الذين تولوا حكم الدولة الإسلامية بعد وفاة الرسول عليه السلام، قتلوا في عهد حكمهم خلال الثلاثين سنة الأولى من نشأة وبناء الدولة الإسلامية، وتتابع قتل حفدة الرسول وأهل بيته، من خصومهم ومنافسيهم على السلطة السياسية في الدولتين الأموية والعباسية، اللتين حكمتا العالم العربي والإسلامي نحو قرنين ونصف قرن، ولم يقل أحد من المؤرخين بان حوادث القتل هذه ترجع لأسباب دينية، أو لعنف نابع من العقيدة أو التربية الإسلامية، لا أحد من المؤرخين من علماء الإسلام يجهل الأسباب الحقيقية لها، والتي تنحصر في التعصب العنصري ـ القبلي ـ والتنافس على النفوذ السياسي، وظلم الحكام الاستبدادي، وهي ظواهر سياسية واجتماعية تاريخية عالمية، ربما كان إرث بعض الشعوب العربية منها متميزا بحساسيات و"ردود فعل"سريعة وأحيانا بطيئة، لتواجدها في مناطق حارة، أكثر منها في المناطق الباردة.
واستنادا إلى ذلك، نستطيع أن نؤكد أن التنظيم السري الذي قام بالهجوم يوم"11 شتنبر"لم يخطر على بال أفراده ـ الذين عاشوا وتعلموا في أمريكا ـ أن يهاجموا"القيم الأمريكية"أو"الحضارة الغربية"، هذا تفسير خاطئ وجاهل بعقيدة المسلم الأمي فأحرى المتعلم.
المسلم لا ينتقد الشعوب والحضارات لأنها وثنية أو صليبية أو علمانية ولا يحقد عليها كعوالم كلية مهما كان سلوكها لأنه يصبح اعتراضا على الحكمة الإلهية في خلق الشعوب كما هي، ولكن الدافع الوحيد هو"رد الفعل السياسي"المتمثل في"الانتقام السياسي"والمبرر بمنطق"المعاملة بالمثل"إذ لا فرق عند هذا التنظيم بين هذا السلوك وبين أن تقبل الحكومة الأمريكية"تسليح إسرائيل (بأسلحة الدمار الشامل) ، ويصدر الرئيس بوش أوامره السرية وشبه العلنية لحليفه السفاح شارون بإبادة الشعب الفلسطيني قتلا وتعذيبا وإذلالا، وهدم البيوت على سكانها، وقتل النساء والأطفال والسكان المدنيين عمدا، ليلا ونهارا والناس نيام بالطائرات والدبابات التي تتوغل داخل المدن والقرى الفلسطينية بكامل حريتها أمام شعب أعزل إلا من (أطفال الحجارة) ، هذه الظاهرة الفريدة في التاريخ البشري، وحتى في تاريخ الحروب الاستعمارية التي رغم قساوتها ومظالمها لم يضطر الأطفال فيها للدفاع عن أسرهم وأمهاتهم."
الرئيس بوش لم يتجاهل"ردود الفعل"السياسية عند هذا التنظيم فقط، وإنما أقدم على تحدي المشاعر الدينية والوطنية للشعب الفلسطيني بتصنيف حركات المقاومة الوطنية الإسلامية: حماس والجهاد وحزب الله وكتائب الأقصى. التي تتساقط تحت ضربات الطائرات والدبابات الأمريكية ـ ضمن المنظمات الإرهابية، ضاربا عرض الحائط بكل المفاهيم والقيم الإنسانية والحضارية لشعوب العالم، ليس هذا فقط، بل بلغ به الاستهتار بشعار:"حقوق الإنسان"وكأن الإنسان الفلسطيني، والمرأة الفلسطينية، الذين تدمر بيوتهم يوميا، وتخرب أراضيهم ومدارسهم، ويقتلون يوميا، ويحرمون من حق التعليم والعلاج والأمن، هؤلاء جميعا في نظر بوش إرهابيون؟! ومن حق السفاح شارون أن لا يرى لهم أي حق في الوجود، فكيف بحقوق الإنسان؟.
ومنذ أيام، أحيا الشعب الفلسطيني ذكرى مذابح"صبرا وشاتيلا"التي دشن بها هذا السفاح عمليات إبادة الشعب الفلسطيني كرئيس لأركان جيش إسرائيل سنة 1982، وها هو اليوم، يواصل تدمير جميع مدن الضفة الغربية، وقطاع غزة، واغتيال وتصفية كل من يتهم بالدفاع عن حق بلاده في التحرر والاستقلال، كرئيس لحكومة إسرائيل، وحليف مطاع للرئيس الأمريكي بوش، والذي عاد بالبشرية إلى عصر وحشية هولاكو و جنكيزخان.
وإذا كان حادث"11 شتنبر"يعد بمثابة أكبر زلزال هز أركان الولايات المتحدة الأمريكية، وقيل عنه إنه أكبر من حادث"هيروشيما"فإنه لم يكن في الواقع بالنسبة للرأي العام العربي والإسلامي ـ حسبما شرحناه سابقا ـ مجرد"رد فعل سياسي"لتنظيم عربي إسلامي سري، انفجر غضبه ضد الوضع المأساوي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني منذ قيام إسرائيل، وبلغ قمة غليانه بمجيء السفاح شارون إلى الحكم، ومجيء الرئيس بوش المؤيد والمبرر لجرائمه في أمريكا، وفي الاتحاد الأوربي، وفي مجلس الأمن ـ باستعمال حق الفيتو ـ ليس هذا فقط وإنما خرج القطب الأمريكي عن توازنه، ليعلن حربا صليبية ـ صهيونية على كل العرب وكل المسلمين، ويدفع الغرب معه إلى هاوية حرب لن يكون مصيرها احسن حالا من الحروب الصليبية القديمة التي استمرت 195 سنة، ولا من الحروب الاستعمارية التي عرفت خلال القرن العشرين، سقوط الإمبراطوريات البريطانية والفرنسية والسوفياتية.
إسرائيل لا تجهل أنها عميلة لأمريكا، لكنها ـ بدورها ـ لن تتخلى عن ثمن عمالتها وهذا ما صرح به مناحيم بيغن في مقابلة مع مجلة الجيش الإسرائيلي"يا ما خان".
"إن إسرائيل أكثر أهمية لأمن الولايات المتحدة، من أهمية أمريكا لأمن إسرائيل، وأضاف: إن إسرائيل توفر دعما استراتيجيا، وتسهم في الأمن القومي لأمريكا، أكثر من تأييد ودعم أمريكا لإسرائيل". (أراب بريس) واشنطن في 20/09/1982.
هذا الاعتراف الصريح يعنى أن العالم العربي ـ وخاصة الشعب الفلسطيني ـ يعيش منذ 54 سنة، جرائم حروب الدفاع عن"الأمن القومي المتبادل"بين الحليفين: أمريكا وإسرائيل، وكل حديث عن الأخلاق العالمية، والحضارة الإنسانية. لا يعدو أن يكون مغالطات دعائية، واستهانة بعقول من يعنيهم أمر هذا الصراع.
وبناء على كل هذه البيانات والتوضيحات، يمكننا أن نؤكد الحقائق التالية:
-إن (التنظيم السري) الذي خطط ونفذ هجوم"11 شتنبر"يمثل"رد فعل سياسي عربي ـ إسلامي"كحادث مستقل، ضد الظلم والعدوان والاحتلال والإبادة التي لحقت بالشعب الفلسطيني، يتحمل مسئوليته السياسية المباشرة. حسب العوامل المؤثرة والضاغطة لاختيار نموذج هذا السلوك بالذات الأطراف التالية:
-أمريكا بنسبة 60% ستين في المائة للأسباب التي شرحناها.
-الأنظمة العربية بنسبة 20% عشرين في المائة لأنها: تخلت عن كل مسؤولياتها الدينية والأخلاقية والقومية والإنسانية، في الدفاع عن الشعب الفلسطيني، ومقدساتها الإسلامية بحجة أن إسرائيل"محمية أمريكية"وهي عاجزة عن مواجهة أمريكا، ولو أن الأنظمة العربية ساندت قضية فلسطين ولو بنسبة 50% خمسين في المائة لضعف"رد الفعل السياسي"عند هذا التنظيم، والمبرر الديني والأخلاقي للتضحية بالنفس في سبيله.
-أمريكا أيضا بنسبة 20% عشرين في المائة إضافية لأن اضطرار"التنظيم السري"لاستعمال طائرات (ركاب أبرياء) كسلاح انتقامي وحيد وعنيف ضد الغطرسة والجبروت الأمريكي، الذي لم يكتف بمنع الدول العربية من امتلاك أي سلاح دفاعي يمثل خطرا على إسرائيل، وإنما حرم الشعب الفلسطيني الأعزل نفسه من حق الدفاع عن نفسه ولو بالأسلحة التقليدية.