وتتمثل إحدى معجزات الإسلام ـ التي لا يزال العلماء والمفكرون في العالم يكتشفونها حتى اليوم ـ أن الله تعالى اختار لتبليغ خطابه إلى البشرية رجلا أميا، في شعب مغرق في الجهل والأمية يعبد الأصنام، وفي عصر كانت السيادة والملك والحضارة فيه لدولتين كبيرتين: فارس والرومان، الشهيرتين بملوكهما: الأكاسرة والقياصرة.
ويظل القرءان الكريم"معجزة الإسلام الكبرى" (الوثيقة) السماوية الوحيدة الموثوق بصحبتها على وجه الأرض، التي عرفت البشرية قاطبة بكل ما يجب أن تعرفه عن خالقها، وعن السماوات والأرض، والكون والحياة والإنسان، وعن الموت والحساب والعقاب، والجنة والنار في الحياة الأخرى الباقية والخالدة.
وقد جاء القرءان بالأدلة العلمية الدقيقة، وبالمنطق العقلي، وبمنهج البحث النفسي ـ الاجتماعي، وبأحداث التاريخ، وتجارب الأقوام والأمم، ليس فقط على صحة وصدق رسالته الإلهية التي قام بتبليغها رسوله النبي الأمين بواسطة الوحي، إلى جميع الناس، وإنما أيضا بالقوانين الأخلاقية والمدنية والجنائية والاقتصادية والتجارية والزراعية والاجتماعية وقوانين الأحوال الشخصية والعلاقات الدولية والحربية، فضلا عن القيم الإنسانية المشتركة بين الشعوب المتحضرة، والتي تميز بفطرتها بين الشر والخير، في السلم أو الحرب القائمة، على مبادئ العدالة والحرية والمساواة، وضمان حقوق الإنسان في جميع الظروف والحالات، من ميلاده حتى الوفاة، وبتعبير أبلغ، لخص الرسول الأعظم المهمة الأساسية لرسالته قائلا:"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
وبفضل معجزة الإسلام الخالدة"القرءان"عرفت شعوب العالم وحضاراتها القديمة، تحولا فكريا وعلميا وأخلاقيا عالميا، غير وجه الخريطة الجغرافية البشرية: الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية، رأسا على عقب.
السؤال الرابع: حرب عادلة ؟
"نعلم بمقتضى العقل، ومن خلال التأمل الدقيق في الأخلاق، إن في بعض الأحيان، يكون أول وأهم ما يقام به لمواجهة الشر هو إيقافه، وفي بعض الأوقات لا يكون الشروع في الحرب جائزا فحسب، بل واجبا أخلاقيا في مقابلة أعمال عنيفة هائلة ظالمة ناشئة عن الحقد والبغضاء، وهذا أحد هذه الأوقات".
"إن القيام بتطبيق المنطق الأخلاقي على قضية الحرب، هو نفسه القول بإمكانية بناء المجتمع على الحياة المدنية، وبناء مجتمع عالمي على أساس العدل".
"إن مبادئ الحرب العادلة تعلمنا أن الحروب القائمة على الاعتداء والاستعلاء مرفوضة بالكلية، فلا تشرع الحرب لتعزيز الوطن، أو للانتقام لما مضى من الظلم، أو لأخذ الأراضي، أو لأي غرض ءاخر سوى الدفاع".
"إن المبرر الأخلاقي الرئيس للحرب، هو صيانة الأبرياء من الضرر الأكيد".
"القتلة المنظمون بقدراتهم العالمية يهددوننا جميعا، فإننا باسم الأخلاق العالمية للبشر، مع الوعي التام بقيود ومقتضيات الحرب العادلة، نقوم بتأييد قرار حكومتنا ومجتمعاتنا في إعلان الحرب ضد هؤلاء بالقوة المسلحة".
وقد استغرق أسلوب"المراوغة الخادعة"بين إظهار الاقتناع برفض حروب الاعتداء والاستعلاء، وإقحام المبررات الأخلاقية الدفاعية لخوضها، ثلاث صفحات، لكن الحرب التي أعلنها الرئيس بوش بعد أحداث"11 شتنبر"ضد بن لادن وطالبان باسم"الإرهاب"لم تقتصر على المتهمين المسؤولين وحدهم، حسب منطق وقانون الأخلاق الإنسانية العالمية، الذي أعلنه القرآن بقوله تعالى:"ولا تزر وازرة وزر أخرى" (الأنعام 164) ، أي لا تؤخذ نفس بذنب غيرها، وحسب جميع القوانين الوضعية، وإنما تحولت إلى"حرب صليبية"جديدة ضد الإسلام نفسه، وضد جميع المسلمين، وهكذا انتقلت من تدمير أفغانستان وقتل عشرات الآلاف من سكانها الأبرياء، إلى تدمير فلسطين، وقتل عشرات الآلاف من نسائها وأطفالها وشيوخها الأبرياء، ولتغطية فشلها فيهما تحولت الآن إلى العراق، وستتلوها إيران شريكة العراق في"محور الشر"الذي أعلنه بوش، وقال الرئيس السابق لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سيا) جيمس ويلسي:
"أن الولايات المتحدة ستعمل على تغيير الحكم في جميع الدول العربية وعلى رأسها السعودية ومصر، بعد الانتهاء من العراق، وقال: لقد حان وقت إصلاح الأخطاء التي ارتكبتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، بتعاملها مع الحكومات العربية الحالية، وذلك بسبب حاجتها للطاقة والنفط، وأضاف: أن الولايات المتحدة عازمة على تكرار تجربة أوربا الشرقية في منطقة الشرق الأوسط"جاء ذلك في مناظرة"الحرب على الإرهاب"التي نظمها اتحاد الطلبة في جامعة أكسفورد البريطانية، لكن عميد البرلمانيين البريطانيين تام دلايل قال: إن الحرب لا تحل المشاكل، وأشار إلى معارضته للحرب ضد العراق""
(20/11/2002 القدس العربي) .
ومع ذلك، ليست شعوب العالم وحدها التي استنكرت هذه الحرب، فرؤساء ألمانيا وفرنسا وروسيا والصين، أعلنوا موقفهم ضدها، وقال رئيس وزراء كندا ج اك كريتيان للصحفيين في براغ حيث حضر قمة حلف"الناتو"عن الرئيس بوش:"إنه صديق لي، إنه ليس معتوها على الإطلاق"، وقالت الصحف: إنه من غير المرجح أن تسفر هذه الحادثة عن تحسن في العلاقات المتوترة بالفعل بينهما.
. ( 23/11/2002 ق ع) .
لقد اعترف الرئيس بوش نفسه بأنه ذو مزاج ناري، وأنه يحب استفزاز من حوله، وأضاف باستعلاء وكبرياء:"نحن قادة العالم"، وأنه لا يأبه لما يكتبه وتبثه وسائل الإعلام"أنا لا أقرأ افتتاحيات الصحف، كل هذا الصخب ليس سوى ضجيج في خلفية الأشياء"؟!، (21/11/2002 ش أ) .
هذه الغطرسة الفرعونية، تجاوزت كل حدود الآداب الدبلوماسية التي عرفت عن رؤساء الدول العظام قديما وحديثا، بل تجاوزت حدود المنطق المعقول والمقبول، إلى الإصرار على إهانة العدو وإذلاله بلغة بذيئة، عندما خاطب الرئيس العراقي صدام حسين قائلا:"ستكون نهايتك إذا أنكرت امتلاكك أسلحة الدمار الشامل"؟!.
لكن فرنسا استنكرت هذا المنطق بقولها:"إن إنكار العراق حيازة هذه الأسلحة، ليس مبررا كافيا للقيام بعمل عسكري لنزع أسلحته، فهذا تفسير شخصي لبوش، لقرار مجلس الأمن، ولا نشاركه فيه، وهذا في الوقت الذي شرع فيه المفتشون القيام بعملهم في العراق؟! (23/11/2002 ش أ) ."
ورغم أن الرئيس بوش أعلن أنه سيحارب العراق بكل ما تملكه الولايات المتحدة من طاقات وقوات عسكرية مدمرة، لم يكن مع ذلك واثقا من عواقب هذه الحرب، وقال له وزير خارجيته كولن باول: إنك لا تستطيع أن تحارب وحدك، وهذا ما جعله يطلب من خمسين دولة في العالم أن تشترك معه في هذه الحرب العالمية ضد العراق. وهذا ما لم يحدث له نظير في التاريخ، وما ينبئ بأن الرئيس بوش سيدخل الولايات المتحدة الأمريكية ومن يشاركها في هذه الحرب - طوعا أو خوفا أو طمعا في غنائمها ـ في عصر من الفتن، يتميز ب"حرب الإرهاب والإرهاب المضاد"قد تستمر عشرات السنين!. وستكون"بداية النهاية لإسرائيل"التي لا يشك العلماء المسلمون العارفون بأسرار ومعجزات القرآن، بحتمية سقوطها، تطبيقا لمعطيات الآيات الأربعة: 4-5-6-7 من سورة الإسراء التي أكدت بوضوح: