ما بين الصعوبات والرغبة الأمريكية في العمل طليقة اليدين تشير كل الدلائل إلى أن أفغانستان ستكون البداية .. مجرد بداية ، فقرار الحرب كما أجازه (الكونجرس) الأمريكي بمجلسيه يفوض للرئيس"استخدام أي قوة ضرورية وملائمة ضد الدول والمنظمات والأشخاص الذين خططوا أو سمحوا أو ارتكبوا أو ساعدوا في ارتكاب الاعتداءات الإرهابية، وذلك بهدف منع أي عمل للإرهاب الدولي في المستقبل من جانب هذه الدول أو المنظمات أو الأشخاص"وتلك صياغة فضفاضة تضع من تستهدفه أمريكا من الدول والمنظمات تحت مقصلة العدوان، ليس لأعمال ارتكبتها أو اشتبه في ارتكابها لها، بل لمجرد الشكوك في نواياها . وينبغي هنا أن نذكر بتجاربنا المريرة جراء العدوان ردًا على النية ؟ فكل الحروب التي شنتها إسرائيل علينا كانت بدافع استباق عمل عسكري عربي مزمع لم يقع أبدًا !! .
( حسابات معقدة )
حسابات الحملة الأمريكية على أفغانستان معقدة ولا تخضع لمجرد توازن القوى المتقدم بين الطرفين ، فالأفغان لم ينتصروا على الروس وقبلهم الإنجليز لأنهم كانوا ندًا عسكريًا لهم، وهذا ما حرز منه أحد جنرالات روسيا، وتنبأ بأن التورط العسكري الأمريكي في أفغانستان - إن حدث - ستصبح تجربة حرب فيتنام نزهة مقارنة به .
القصف بالصواريخ الجوالة عقيم، ولن يثمر أي شيء باعتراف العسكريين الأمريكيين أنفسهم ، وقد سبق أن جربوه عقب تفجير سفارتي أمريكا في (كينيا) و (تنزانيا) ، أما القصف الجوي كما طبق ضد العراق و (صربيا) فلا يوجد في أفغانستان من البنية التحتية ( جسور - محطات كهربائية - محطات مياه - مطارات .. الخ ) ما يغري به ، ورغم ذلك نقلت أمريكا حمولة ناقلتي نفط من وقود الطائرات وأرسلتها إلى قاعدة (دييجوجارسيا) في المحيط الهندي لتمويل قاذفات بي ا و بي 2 و بي 52 ومقاتلات إف 15، إف 16، إف 18 لشن حملة جوية على أفغانستان يتوقع أن يكون المدنيون الجزء الأكبر من ضحاياها .
الاجتياح البري سواء بالقوات الأمريكية مباشرة أو بالتحالف مع المعارضة الشمالية (سيناريو) مكلف وصعب وطويل وغير مجد في آن: السيناتور جون ماكلين أدرك ذلك عندما خاطب الأمريكيين: بأن يتوقفوا ويتقبلوا سقوط خسائر بشرية في صفوفهم . وهذا الاجتياح يحتاج إلى تجمع مسبق للقوات الأمريكية في باكستان، وسيكون عليها عندئذ عبء حماية قواعدها في باكستان من عمليات فدائية يقوم بها مؤيدو طالبان ، ولذا يتوقع أن يمهد الأمريكيون لهجومهم البري - إن حدث - بغارات جوية تليها هجمات برية لقوات المعارضة بهدف السيطرة على مدن حدودية واستعمالها كنقطة ارتكاز لاستقدام الأعتدة والجنود الأمريكيين ، وعقب تحصين هذا الجيب داخل أفغانستان تبدأ تعقب قوات طالبان في جبال أفغانستان، وهي عملية تستغرق وقتًا طويلًا وتحمل مخاطر التحول إلى حرب عصابات مرهقة للأمريكيين المشتاقين إلى عمل عسكري سريع وناجح يلبي رغبة الانتقام ويرضي الغرور ، ناهيك عن أن قدرة قوات المعارضة أصيبت بضربة قاتلة باغتيال قائدها أحمد شاه مسعود .
وتبقى علميات (الكوماندوز) حلًا مغريًا للأمريكيين يجنبهم الغوص في وحل أفغانستان ، وإذا كان الأمريكيون يملكون عدة فرق كوماندوز مثل (الرينجرز) والقبعات الخضر وتستطيع الاستعانة بفرق SAS البريطانية ذات التاريخ العريق في عمليات (الكوماندوز) الناجحة، إلا أن الشرط الأول لنجاح مثل هذه العمليات غائب تمامًا، ونعني به المعلومات الدقيقة التي توفرها استخبارات قوية تعتمد ليس - فقط - على ما تلتقطه الأقمار الاصطناعية، بل على مخبرين أفراد داخل طالبان نفسها ، وقد أكد ذلك الجنرال (ويلسي كلارك) القائد السابق لحلف الناتو عندما قال: القوات الأمريكية ما تزال تجهل ما ينتظرها تمامًا في أفغانستان"وهذا ما يفسر الضغوط الأمريكية الشديدة على باكستان ( حليف طالبان ) للحصول على معلومات ميدانية في هذا الصدد ، لكن تلك المعلومات بحوزة الاستخبارات العسكرية الباكستانية المعارضة لضرب طالبان ."
حملة بلا سند
ورغم أن أمريكا تمضي قدمًا في تجيش حملتها العسكرية ، فإنها - فيما يبدو- لم تعد تعير اهتمامًا مسألة تقديم دليل على مسؤولية أفغانستان عن التفجيرات - ربما لأن أحدًا لم يعد يسألها عن الدليل .
كان على أجهزة الأمن والاستخبارات الأمريكية أن تتواضع وتتأنى لا أن تسارع في إصدار التهم بلا دليل بدرجة لم تقنع الحلفاء ناهيك عن الخصوم ، فالمؤسسات التي فشلت في كشف اختراق شل القوة العظمى وجعل رئيسها يقضي يومًا بليله في مخبأ مجهول لم تجد ما يغطي على هذا الفشل سوى البحث عن متهم مثالي يتوفر فيه ما يغني البحث عن دليل، وهو ما وجدوه في"أسامة بن لادن"وجماعة طالبان الحاكمة في أفغانستان، وفي حمى البحث عن دليل يغطي عورة التحقيق الأمريكي قدمت الشرطة الفيدرالية F B I ورقة بيضاء عليها تعليمات بخط اليد تضمنت ما يشبه الوصايا باللغة العربية موجهة إلى المنفذين قيل إنه عثر عليها في حقائب عدة للمنفذين منهم المصري"محمد عطا"وكان ينبغي ( إف ، بي ، أي ) أن تستشير مخبرًا من الدرجة الثالثة في أي جهاز أمني في العالم الثالث ممن لهم باع في تلفيق الأدلة ليخبرها أن هذا الدليل صفعة في وجه كل صاحب عقل ( وهو ما اعترفت به بعض الصحف الأمريكية ) فلم تقل لنا المباحث الأمريكية: كيف عثرت على هذا المخطوط سليمًا وسط الحطام المشظى؟ ناهيك عن أن تنظيمًا بهذه الكفاءة والدقة في التخطيط والتنفيذ لا يمكن أن يرتكب خطأ يتحاشاه لصوص المنازل المبتدئين بأن يترك خطة العمل مكتوبة وبخط اليد !! .
نية مسبقة:
اكتشاف عوار نهج التحقيق الذي تتبعه الأجهزة الأمريكية سيما بعد اتهام سبعة سعوديين بالمشاركة في العملية، وتبين أنهم بين ميت ومقيم في الرياض وجدة وغيرها من المدن السعودية، كان كفيلًا بتعديل ذلك النهج. لو كان المتهمون من جنسيات أخرى، على الأقل كان سيتم البحث عن المنفذين بين كل الركاب - ضحايا الطائرات الأربع - لا انتقاء العرب والمسلمين منهم والبحث عن شبهات تدينهم من نوع: هذا كان يصلي وذاك كان يكره أمريكا، وهذا تدرب على قيادة الطائرات .. الخ .
لم تلتفت سلطات التحقيق إلى أي احتمال آخر، ولم تعر انتباهًا لما نشرته إحدى الصحف الألمانية عن تغيب أربعة آلاف موظف يهودي يعملون في مركز التجارة يوم وقوع الحادث، ولا فتشت في التهديدات التي أطلقها بارونات المخدرات يوم الخامس من سبتمبر بتحويل أمريكا إلى جحيم عقب القبض على زعيمهم (الكولومبي) (مابيوا اوشوا) ، ولم تحلل مغزى التحذير الذي قدمه وفد الموساد الإسرائيلي قبل أسابيع قليلة من أن ما أسماه الإرهاب الإسلامي سينقل جزءًا من نشاطه إلى أوروبا وأمريكا، وهو ما استشف منه (جان فرانسوا داجوزان) أبرز المتخصصين في الإرهاب الدولي والخبير في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية: أن إسرائيل تقف وراء الحدث لأنها الدولة الوحيدة القادرة على اختراق الأجهزة الأمنية الأمريكية وتنفيذ جريمة بالسرية التامة، لما لها من نفوذ واسع داخل أمريكا .