أستاذ الهندسة وخبير الإنشاءات في جامعة عين شمس طوال نصف قرن الدكتور ميلاد حنا قدم شهادة إلى إذاعة بي بي سي كان ينبغي أن تأخذ حظها في الاعتبار في سياق توسيع دائرة الاشتباه فالرجل ليس إسلاميًا ولا متعاطفًا مع الإسلاميين ، بل نصراني يفخر بهويته ودينه وهو ما به شهادته . ملخص شهادة حنا تشير: إلى أن طريقة مهاجمة البرجين من خلال طائرة كبيرة تقتحم المبنى في الربع الأعلى منه كانت السبيل الفني الوحيد هندسيًا لتحقيق انهيار البرجين، مما يؤكد أن المفكر والمخطط لهذه العملية لديه خبرة علمية وعملية لإ مكان تحقيق انهيار البرجين في زمن قياسي، وقبل أن تتمكن أي تكنولوجيا متاحة من إنقاذ ناطحات السحاب الضخمة، والتي تحولت إلى كومة من الركام في غضون ساعات قليلة جدًا . فالطائرة جسم ضخم وقادمة بسرعة عالية والصدمة الديناميكية في هذا الموقع المرتفع من المبنى أدت إلى اهتزاز الهيكل المعدني كله ( أعمدة وكمدات وجسور وغيرها) لأنها بعيدة عن الأساسات الثابتة في عمق التربة . وقد أدى انفجار الطائرة بما تحمل من (بنزين) عالي الجودة في جسمها إلى انهيار أعمدة طوابق عدة، وفي دقائق كان الحريق قد امتد إلى أعلى وإلى أسفل ، وصارت أعمدة المبنى فوق وتحت الطوابق التي اخترقتها الطائرة ، وكأنها من مادة لينة ، لأن الحديد مهما كانت مقاومته في درجات الحرارة العادية الطبيعية ( من 10 إلى 30 درجة مئوية مثلًا) يفقد خواصه الميكانيكية عند نحو 1200 درجة مئوية ويصبح العمود من الصلب ، وكأنه عمود من الملبن أو (البامبو) فانهارت الأعمدة واحدًا تلو الآخر ، وسقط الجزء العلوي من المبنى دفعة واحدة محدثًا تأثيرًا (ديناميكيًا) على طوابق المبنى السفلية، فأخذت الطوابق تنهار واحد تلو الآخر إلى أن تدافعت فوق بعضها البعض فوق سطح الأرض . يذكر أيضًا في هذا المقام، أن المبنى مصمم وفق أرقى المواصفات العالمية لمقاومة الأخطار التي يتعرض لها طبيعيًا مثل الرياح والزلازل، وقد قاوم هذه الأخطار بكفاءة واضحة عبر سنوات طويلة . ومن المعروف أن مثل هذه المباني مزود بشبكة من رشاشات المياه داخل كل غرفة من المبنى ، تعمل بمجرد أن"تشم"رائحة أي دخان، لكن هذه الأنظمة توقفت عن العمل بمجرد تعرض المبنى لهذه الصدمة من الطائرة التي تفجرت، وتقطعت كل الأسلاك والمواسير والأنابيب التي تكون شبكة الجهاز العصبي للمبنى ، فكان الانهيار مدروسًا بعناية من خبراء لا يتوافرون لأسامة بن لادن . وهكذا يتضح أنه حتى لو كان لابن لادن أحد الشركاء في توفير الأفراد"المجاهدين"المستعدين للاقتحام الانتحاري وفق عقيدتهم، فإن الفكرة و (التكنولوجيا) والتنظيم يتجاوز بفراسخ قدرات وخيال وتنظيمات أسامه بن لادن . ومن هنا كان من المفترض لأي عقلية علمية أن تفكر بمجموعات"شريرة"أخرى مثل مجموعات مافيا المخدرات - في كولومبيا أو في غير كولومبيا - كما أن للجيش الأحمر الياباني قدرات موثقة على استخدام التكنولوجيا المتقدمة ، وربما تكون هناك منظمات أخرى سوف يكشف عنها الزمن .وفي تقديري أن جهاز الأمن القومي الأمريكي لديه معلومات كثيرة جدًا لم يكشف عنها ، لكنه من الناحية السياسية وجد أن قيام أمريكا - بكل عظمها - بمعاقبة مافيا المخدرات سوف يحط من قدر أمريكا، ومن غير المنطق أو العدل معاقبة دولة كولومبيا ذاتها لأن فيها بعض رموز مافيا المخدرات وبذات التهم ،كذلك معاقبة اليابان لأن فيها بعض أفراد من"المافيا"قد كونوا تنظيمًا إرهابيًا ، وقد يصبح"نكتة"فيما لو أعلنت أمريكا الحرب على تنظيم الجيش الأحمر الياباني . وفي هذا الإطار ، كان القرار بأن يوجه الإعلام أصبع الاتهام إلى أسامه بن لادن حيث يقيم في أفغانستان ، ذلك أن أفغانستان دولة"مارقة"ليس لها تقدير كبير في كل العالم بما في ذلك العالم الإسلامي ذاته ، مما يؤهلها لضربة عسكرية سريعة تسترد بها أمريكا كرامتها وستحصل على ابن لادن حيًا أو ميتًا ، فتختفي معه"الأسطورة"وتسترد أمريكا هيبتها وكرامتها التي أصبحت في الوحل .
( عناد وغرور)
ضربت أمريكا عرض الحائط بكل هذه الاحتمالات وتخلت عن كل ما من شأنه أن يعالج الحدث بعقلانية وتؤدة وموضوعية وأصّرت على سوق العالم لقبول ما تطرحه على علاته ، بل ودعم ومساندة ما تراه ردًا مناسبًا حتى وإن كان هذا الرد مجرد"إرهاب الإرهاب"بتجريب أسلحة متطورة وأساليب حرب مستحدثة تشعل شرارة حروب لا تنتهي ، فتهديد من يسعون للموت بالموت أسلوب عقيم وضرب الأبرياء والمدنيين القريبين منهم إرهاب دولة لا يقل شناعة عن غيره من أشكال الإرهاب، بل يفوقه بتوسيع رقعة الضحايا الأبرياء.
كانت أمريكا تلقي الدروس على الآخرين طوال العقد الماضي حول أهمية معالجة ما أسموه الإرهاب بالمزيد من الحريات وتحسين الأوضاع الاقتصادية والكف عن الأساليب القمعية ، وإذا طبقنا هذا المنهج نفسه فحري بالأمريكيين أن يبحثوا عن أسباب كراهيتهم لا كأشخاص بل كسياسات يكتوي العالم أجمع بنيرانها . لكن ما ظهر حتى الآن من ردة الفعل لا يزيد عن مزيد من العناد الأمريكي والعنجهية حتى أن حلفاءها يشبهونها بثور هائج في محل (للبروسلين) ، بعض المحللين يعولون على صحوة شعبية أمريكية - بعد أن تهدأ الجراح - تبحث في السياسات التي جعلت أمريكا"رجل العالم الكريه".
إلا أن وسائل الإعلام تغطي على هذا المنحى بالحديث عن"الشر الإسلامي""الخطر الأخضر"كتبت (مارجريت وينت) في"جلوب ان ميل"تقول: هؤلاء الذين فعلوها هم أبناء الصحراء النائية الذين يحملون معهم ثقافة القبيلة القديمة الممتلئة بالثأر والدم ، والمسكونون بالمعتقدات الجاحدة والكراهية اللدودة ، الذين لا يقيمون وزنًا للحياة البشرية ويرتكبون جرائمهم باسم الدين ، ويبدون استعدادًا مذهلًا للتضحية بأنفسهم وهم يقتلون الآخرين .
أما (باربارا اميل) زوجة (كونراد بلاك) صاحب جريدة (التلغراف) البريطانية فكتبت في عدد15/9 في الجريدة فتقول: لسوء الحظ أن المسلمين المتطرفين يملكون أسلحة عصرية في أيديهم والدول الإسلامية إما: أنها تدعمهم أو تؤيدهم وهؤلاء لهم هدف واحد هو تدمير الحضارة الغربية ... يجب أن نصنفهم في مربع الأعداء، وأن يطردوا من الأمم المتحدة ... ينبغي أن يمنع الجهاد تمامًا، ويجب أن نطالب المجالس الإسلامية بإدانته، وهذا التعظيم والإكبار له في الكتب الدراسية والمساجد ينبغي أن توضع له نهاية وألا يسمح به على الإطلاق"."
أما (ما دلين أولبرايت) وزيرة الخارجية السابقة فغسلت أيديها من سياسات بلادها كسبب لما حدث وراحت تقول:"هوجمنا بسبب هديتنا فنحن ندافع عن الديمقراطية والحرية والمجتمع المنفتح، وهذا هو جوهر أمريكا الذي لا يمكن أن تتراجع عنه".