فهرس الكتاب

الصفحة 1660 من 2255

ولقد ورد في السيرة ما يشير لهذا المعنى كما في قصة سرية عبدالله بن جحش - رضي الله عنه وأرضاه - التي بعثها النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل غزوة بدر لتقصي أخبار القوم ، فكان منها ما كان من القتل والسبي في آخر أيام الشهر الحرام ، فاغتمّ المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لذلك الفعل كثيرًا إذ استغلته قريش ويهود للتشنيع على المسلمين وقال قولته المشهورة ( ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام ) ، فأنزل الله - تبارك وتعالى- قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة لتحدد الميزان الذي يرضاه - عز وجل - ، فإن كنا نقر بحرمة القتال في الشهر الحرام فيجب ألا ننسى الحرمات المتعددة التي وقع فيها الكفار من قبل ودفعت لمثل هذا التجاوز الاجتهادي من أحد المسلمين: ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل قتال فيه كبير، وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله، والفتنة أكبر من القتل ) وكذلك يفعل الطغيان الأمريكي والأوروبي.

04 نخطئ كثيرًا ونقع في الفخ إذا أضعنا أوقاتنا في بحث أمر قد وقع وانقضى ، وقد فعله من فعله ولم يشاور أحدًا ولم يستفت أحدًا وهو المتحمل لتبعته ، وليس عدلًا ولا صوابًا أن يلاحقني المتضرر للاعتذار أو التنديد أو البراءة ، لمجرد أن المتهم ابن عم لي أو قريب ، ويجب أن تتوجه الهمّة إلى نتائج هذا الفعل لمدافعة أخطاره الواقعة وجلب منافعه المحتملة. إن عدم إقرار الفعل بطريقته وحجمه ونتائجه غير المقصودة أعلنه البعض وسكت عنه البعض، لكن ليس من المعقول امتحان العباد والبلاد في التصريح بذلك، فإن كان ولا بد فأجد من الأهمية بمكان ربط ذلك بدور المعتدى عليه في هذا الحدث وأنه قد وقع منه من المظالم ما هو أشد وأنكى فسلط الله عليه هذه المصيبة.

وللعلم فإن العقلية الغربية تتفنن في محاصرة المسلمين حكامًا وشعوبًا بمثل هذه الإلزامات العجيبة ، رغم أنها عين التعدي والظلم ، والله تعالى يقول: ( لا تزر وازرة وزر أخرى ) .

05 من أكبر المآسي التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم غياب أو تغييب القيادة العلمية الربانية الراسخة التي يصدر عنها عموم المسلمين لعلمها وتقواها، ولتجاوزها الحواجز الحدودية المصطنعة بين المسلمين بعدلها واستقلالها . وتبعة هذا الغياب تقع على علماء المسلمين أولًا ثم على حكامهم ثم على شعوبهم .

وأخص الجهات المسؤولة في عموم البلاد الإسلامية بالذكر في جانب آخر يتمثل في إصرارها على ربط العالم الشرعي بالمؤسسات الرسمية ، رغم أنهم أول من يتضرر من ذلك خصوصًا في مثل هذه المواقف التي يحتاج فيها إلى العالِم الذي تستمع له الجماهير وتصدر عنه ، ثم لدوره الكبير إذا كان مستقلًا ومقبولًا في توجيه وضبط المجموعات التي قد يصدر عنها مثل هذه الأعمال . وتكرر هذه الاجتهادات المماثلة للحدث الأخير بضخامتها ونتائجها لا ينشأ إلا حين يمتنع العلماء أو يمنعوا عن أداء دورهم وملء الساحة بالموقف الصحيح وبما يقلل من التعدي والطغيان الغربي ويضبط من ثمّ الاجتهادات الفردية.

ما وراء"الحرب غير المتوازية"

الخطورة كل الخطورة أن ينجح الغرب الكافر في تنفيذ برامجه المرسومة سلفًا في التعامل مع العالم الإسلامي الذي تخرج منه"الأسلحة الحية"كما أسميناها من قبل ، وكما وصفها روبرت فيسك الصحفي المرموق بالمتطلعة للموت في الوقت الذي يتطلعون فيه هم للحياة .

وهذه البرامج تقتضي باختصار ترتيبات وقوانين ليس بالضرورة أن يكون من ضمنها وجود لقواتهم أو احتلال لدول إسلامية ، إنما اتفاقيات عالمية ملزمة بملاحقة ومعاقبة كل من يحاول التحرر من الربقة الغربية . ومحاصرة الأموال والأفكار والدعوات حتى لا تولد مثل هذه النتائج مرة أخرى فيما يحسبون. كما يحققون من خلالها أهدافًا أخرى كانت أحلامًا بالنسبة لهم كوضع موطأ قدم في باكستان واستبدال طالبان بحكومة تقبل التنسيق معهم وتقفل تمامًا استخدام أفغانستان كبوابة مفتوحة للجماعات المسلحة والاقتراب من المياه الدافئة ومخزوناتها في بحر قزوين ووضع إيران بين فكي كماشة.

وهم كما وصفوا هذه القوانين بالمجنونة في تقاريرهم في إشارة لاختلافها عما سبقها ، فهم الآن يقومون بدور رجال الأمن والمحققين والدفاع والإدعاء والقضاة ثم ينفذون الحكم دون أن يكون لأحد رأي أو للمتهم مرافعة ويقصفون بلدًا بأكملها ويصرحون بهدف إسقاط حكومتها - في الوقت الذي ترددوا عن مثل هذا الإعلان في حالة العراق - لمجرد أن التنظيم المتهم يقيم فيها ، وحتى لو صدقت التهمة فأين تكمن الأدلة على تورط البلد الذي يقيم فيه"الجاني"، ولو عملوا بهذه القوانين لكانت الدول الأوروبية أولى بالضرب وهي التي آوت مجاهدي خلق ولا تزال ، كما آوت عبد الله أوجلان ولسنوات ( مع اختلافنا مع الدول التي تعارضها ) لكنها كما قالوا القوانين المجنونة في حربهم الجديدة.

وحركة طالبان الحاكمة الآن في أفغانستان - كما يشير العديد من المطّلعين على تاريخها وتوجهاتها - لا تلتقي فكريًا مع الجماعات الإسلامية المسلحة ولا تنظيميًا، لكن طبيعتها المبدأية والأخلاقية تمنعها أن تتنكر لمن شاركوها جهادها ودعموها، وخصوصًا إذا كان الطرف المقابل لهؤلاء أمريكا"الصليبية الكافرة".

ثم يظهر أنه قد غلب على ظن طالبان أن تصفية الحسابات معها والتخلص منها كان هدفًا سابقًا ومحسومًا من قبل الأمريكان وتحالفهم الغربي فأتت هذه الحملة فعجلت القضية فقط، ولذلك قرروا مواجهتهم حتى لا يخسروا دينهم ومكانتهم عند شعبهم وعند المسلمين إذا خذلوا هذه المجموعات المقيمة لديهم ويخسروا بلدهم في نفس الوقت. فقرروا المواجهة رغم أنهم فيما يبدو لا يقروا اجتهادات هذه المجموعات ويروا أنهم لم يرعوا التزاماتهم لهم التي اتفقوا عليها وأقحموهم في تحديات لم يريدوها ولم يخططوا لها، وهذا يظهر على أقل تقدير في استعدادهم لتسليم هذه المجموعة إذا ثبت تورطها بالأدلة الموثوقة وفي طلب العلماء من هذه المجموعة المتهمة مغادرة البلاد وتجنيبها هذه الأزمة برضاهم إذا كانوا يريدون الخير لأفغانستان، وهذا كله مما سيسجله التاريخ لهذه الحركة إن كانت صادقة مخلصة فيه.

ثم تخيلوا حجم الاختلال في توازن القوى المادية بين التحالف الدولي بزعامة القوة العظمى وبين الدولة الأضعف والأفقر ماديًا . فكيف ترضى لنفسها هذه القوة وهذا التحالف بهذه المقارنة ، لولا أن التحدي بالنسبة لها حقيقي ومتنامي .

و بعد كل ذلك يظهر بوش الابن في مؤتمر صحفي غير عادي ويعبر فيه عن اندهاشه من جو العداء الذي يملأ العالم الإسلامي وتظهره المظاهرات الصاخبة هنا وهناك ، في حين أنه يؤكد وغيره أن الحرب مع"الإرهاب"و"الأشرار"وليست مع الإسلام .

لكن الذي يفوت بوش كما فات غيره، أن الإسلام الذي يبحث عنه يثير ريبة العديد من المسلمين ولا يرون أنه يمثل دينهم الذي يعرفون، وهؤلاء الذين يصمهم بالإرهاب يتحدثون باسم الإسلام ولا بد أن يعترف أنهم يحظون بتعاطف وتأييد شرائح متزايدة في العالم الإسلامي فقط لأنهم تجرأوا وحطموا الغطرسة والعدوان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت