وكان مما قال بلير: ( هل الغرب معادٍ للإسلام فعلًا كما يدعي بن لادن !؟) . وهنا أقول أن أزمة بلير وبوش ومن وراءهما ، استمرارهم في التعامل مع المسلمين بعقلية لا تختلف عن عقلية أسلافهم الذين قاموا باستعمار العالم الإسلامي لسنوات طويلة ، والمتمثلة في التضليل والاستخفاف . فأما التضليل فجهود الصحوة الإسلامية بعامة قد تكفلت بفضحه وأعادت تذكير المسلمين بآيات الكتاب العظيم عن حقيقة العداوة وتأصلها لدى اليهود والنصارى.
وأما الاستخفاف الذي دفعهم إلى استباحة حرمة وسيادة الأراضي الإسلامية وشعوبها ثم تمزيقها دويلات، وزرع نبتة الفساد: إسرائيل في أحد أعز بقاعها ، فلا يمكن أن تنضب ذكراه في عقول المسلمين ونفوسهم . لكن العجيب أن هذا الاستخفاف المتكبر هو الذي يعميهم ويدفعهم لتجديد هذه الذكرى في نفوس المسلمين بين حقبة وأخرى .
ولذلك فبالرغم من جهودهم المتواصلة في دمج العالم الإسلامي دولًا وشعوبًا في العلاقات والمصالح الدولية ، وإطلاق الآلة السياسية والأمنية والإعلامية لتحقيق تفاعله واندماجه وتأثره بالأنماط الغربية والمصالح الغربية ، فانهم يجهلون أو يتجاهلون أن المسلمين يختلفون عن غيرهم وأن تميزهم عن وبراءتهم من"الكافر"حتى ولو كان متمدنًا ومتحضرًا ومتفوقًا دنيويًا متأصلة ومتجذرة ، ويكفي لإحياء جذوتها تحديات من هذا الغرب ، فما بالك إذا كانت متكررة واستخفافية .
لذلك نشأت العمليات العنيفة داخل المجتمعات المسلمة أولًا حين ربط الغرب المستعمر مصالح الأنظمة الحاكمة في البلاد الإسلامية عمومًا - مع الاختلاف بين بلد وآخر - بمتغيرات وتحولات لا تتوافق في مجملها مع الأحكام الإسلامية . وللأسف وقع العالم الإسلامي في الخطأ الجوهري حين عاش نوعًا من الصراع الفكري والاجتماعي والسياسي لم يحسمه بعرض"التحديث"و"التطوير"لمجتمعاته على أصوله الدينية والاجتماعية بل اعتسف الأمور اعتسافًا مما ولد صدامات عنيفة في هذا البلد وذاك .
العجيب أن الغرب الذي يريد أن يشن حربًا عالمية الآن، كان يدعي ويتبجح برعايته لحقوق الإنسان وانتقاده للحكومات العربية في وصفاتها الأمنية وبرامجها التجفيفية أو الإستئصالية للحركات الإسلامية، وكان يؤوي عددًا من المعارضين الإسلاميين ، وهذا من التحولات الفاضحة الناتجة عن هذا الحدث .
أتت أزمة الخليج الثانية ، والمنطقة الخليجية - المحافظة بطبعها- بعيدة عن هذه الصدامات المسلحة في مجتمعاتها ( هذا إذا استثنينا حادثة الحرم لارتباطها برؤى وأحلام لمرتكبيها أكثر منها قناعات) . فصدمت تداعيات هذه الأزمة العالم الإسلامي عمومًا والخليجي خصوصًا ، من ناحية حصول الأذى من الجار القريب والعون اللصيق من الغرب البعيد، فظن الغرب الذي كان له دور كبير في وقوع هذه الأزمة وعدم انتهائها إلى الآن ، أنه قد حقق فيها خططه وأهدافه وبدأ بجني الأرباح ، لكنه يجهل أو يتجاهل أنه يتعامل مع المنطقة الإسلامية التي لا تقبل الترويض كما هو الحال في اليابان أو فيتنام أو غيرها من الدول التي تلظت بمظالم الغرب وانتهاكاته .
و في الوقت الذي استوعبت فيه حركات الصحوة الإسلامية الخليجية ورموزها هذا الواقع الجديد وبدأت في معايشته وتفادي مخاطره دون أن تخسر أمن مجتمعاتها ووحدة بلدانها وتحملت في سبيل ذلك بعض الأذى الشخصي والمعنوي وفضلت ألا تنزلق إلى ما انزلق فيه غيرها وهذا للإنصاف مما يحمد لهذه الدعوة ويميزها عن غيرها . في هذا الوقت بالذات كان العنصر الغربي - مرة أخرى- العامل المهم في إذكاء عودة عمليات العنف، لكن هذه المرة - كما رددوا في اتهاماتهم - على يد المجموعات الجهادية التي قاتلت الروس في أفغانستان وشملت شبابًا من غالب الدول الإسلامية بمن فيهم الخليجيون الذين عاشوا تلك الظروف واحتكوا بتأثيراتها . وكان الأسلوب العربي والغربي في التعامل مع هذه المجموعات سببًا رئيسًا في توليد هذه القناعات الهجومية لديهم ، وتوظيف خبراتهم العسكرية واستعداداتهم النفسية لتنفيذ اجتهادات هنا أوهناك .
والجهات الرسمية البحثية تعترف الآن أن الخطأ الآخر تمثل في استعداء هذه المجموعات وعدم"احتوائها"، والذي يهمنا ذكره هنا هو التذكير بعواقب حرمانها من التواصل العلمي مع الرموز العلمية التي تثق بها هذه المجموعات وقد تقتنع ببعض استدلالاتها وحججها .
التغيير النوعي الذي عاشته هذه المجموعات أنها تراجعت عن عملياتها العنيفة ضد مجتمعاتها وحكوماتها ووجهتها إلى المنشئات الأمريكية خارج أمريكا فيما يظهر أنه تحميل للمسؤولية عن مآسي العالم الإسلامي ، واليوم نحن نشهد التحول النوعي الأكبر وهو أنها تنقل عملياتها إلى عمق العالم الغربي وفي أمريكا وبمثل هذا الحجم - إن كانوا هم المسؤولين عنه - .
وبعد هذه الخلفية المهمة في بحث الإدانة أو الإشادة ، أخلص إلى التذكير بالملاحظات التالية:
01 الحكم على هذه الهجمات الانتحارية تصويبًا أو تخطئة ليس هدفًا لهذا المقال التحليلي - ولست أهلًا لذلك - بل هو متروك لعلماء المسلمين ليتحملوا مسئوليتهم في ذلك .
لكنني من ناحية الواقع أرى إغفالًا لنقطة جديرة بالبحث ، وهي أن التحفظ ليس - فقط- في وقوع"الأبرياء"ضحايا في خضم استهداف مواقع العدو ، وها هي"الحضارة الغربية"في حملتها على أفغانستان المسلمة تعترف بوقوع الضحايا الأبرياء كآثار ممتدة لضرب الهدف وإن كانت غير مقصودة بذاتها ، لكن التحفظ الأهم - في تقديري - هو في تحويل ركاب الطائرات المدنية إلى سلاح وكتلة لهب لضرب الأهداف . وفرق بين أن تضرب بالمنجنيق وأن تضع مدنيًا من العدو في المنجنيق وتضرب به ، لكنني لا أجزم أن هذه الملاحظة حاسمة في البحث العلمي للموضوع بل يرجع في اعتبارها من عدمه للعلماء الراسخين.
02 مما يؤخذ على المسلمين في هذا الوقت كثرة اختلافهم - ولا حول ولا قوة إلا بالله -، ومرد ذلك أن كل جانب يبدأ في نقاش الموضوع من قناعة مستقرة وسابقة دون أن ينفتح على الاحتمالات الأخرى ويتأمل في بقية المواقف حتى يصل للصواب بطريقة علمية موضوعية بلا تشكيك في هذا القائل أو ذاك.
والمطلوب هو ألا نجعل الأوضاع أو الرغبات هي التي تحدد لنا ما نشجبه أو ما نشيد به أو تحدد لنا ما نعلنه من آراء ومواقف، فإما أن نعطى حقنا ودورنا في هذا وذاك دون أن يحدد لنا الآخرون هذه المساحة ويوظفنا هذا أو ذاك لمصلحته هو أو لإسقاط مخالفه ، وإن لم يكن ذلك ممكنًا -لأسباب لا تخفى- فيجب أن يترك لمعلن هذا الرأي أو ذاك تقدير مصلحة التصريح في الأوقات التي يتاح له فيها ذلك وعلى الآخرين أن يحترموا له هذا الحق .
03 يعمد البعض إلى المحاولة المتكررة لتحديد موقفه من كل فعل أو اجتهاد يصدر من المسلمين العاملين في الساحة بخريطتهم الواسعة، بل قد يطالبه غيره بذلك ، متعذرًا هو أوهم بأهمية التقويم للاجتهادات أولًا لتبرئة الإسلام منها وثانيًا حتى لا ينخدع بها الناس ، ولا أزعم العلم لتفنيد ذلك لكن من جانب الرأي أقول إن الإسلام لا يؤخذ من اجتهادات أهله وأفراده بعد استقراره بقبض نبيه صلى الله عليه وسلم ، الإسلام دين الله المحفوظ في الكتاب والسنة والمؤتمن عليه علماء الأمة ليجددوه للناس ويبينونه ، أما اجتهادات الخلق فهي أولًا تمثلهم وحدهم حسب فهمهم لتطبيق هذا الدين وثانيًا هم لم يقولوا أن اجتهاداتهم من الدين وأنهم الممثلين له ولا يقبل منهم لو قالوا ذلك.